الإعلام الحربي _ غزة
أمام حالة الارتباك التي في مواجهة انتفاضة الأقصى تتخبط القيادة الصهيونية وجيشها في كيفية وقفها فبعد أربعة أشهر ونصف لا زالت الحيرة قائمة حول سؤال المستقبل وما الذي يمكن أن تتدحرج إليه الأوضاع في الضفة والقدس المحتلتين ويعبر عن هذا الارتباك عدد من الممارسات التي تميز سلوك هذا الجيش وقيادته السياسية.
فعمليات الإعدام الميداني التي طالت أكثر من عشرة أطفال هذا الأسبوع تدلل على ذلك بجانب استخدامهم كدروع بشرية في فض المظاهرات والمسيرات التي لا يجري تغطيتها بشكل كامل والعنف الأعمى ضد المعتقلين والتفنن في تعذيبهم قبل الوصول إلى مراكز الاعتقال والتحقيق والعنف ضد حتى ضد المقعدين كما اظهر شريط فيدو هذا الأسبوع معهم فيما قضية إضراب الصحفي القيق وإصراره على نيل حريته أضفت مزيدا من المخاوف الصهيونية بإمكانية أن يفجر استشهاده غضبا واسعا.
طال الارتباك الصهيوني كيفية التعامل مع الإعلام الأجنبي الذي يفضح عمليات الإعدام الميداني التي ينفذها جيش الاحتلال ضد الفتيان والفتيات الفلسطينيات ومن ثم الزعم بأنهم قاموا بطعن الجنود إذ تمارس سلطات الاحتلال التضييق والعقاب بعدم منحهم تصاريح للعمل أو دخول مناطق المواجهات لإجبارهم على الأخذ بالرواية الصهيونية لأحداث الانتفاضة وبثها في وسائل الإعلام التي يراسلونها، وأول من أمس أوقف جيش الاحتلال الصهيوني مراسلي صحيفة واشنطن بوست في منطقة باب العامود في القدس المحتلة أثناء تغطيتهم لأحداث لانتفاضة والانتشار الواسع له في هذه المنطقة التي شهدت العديد من أحداث الانتفاضة وعمليات الطعن والدهس ووجهت لهما تهمة بشبهة التحريض والإخلال بالنظام، وأطلق سراحهما بعد نحو ساعة رغم أبرازهما لبطاقتهما الصحفية، وفي هذا السياق استدعت اللجنة الفرعية للجنة الخارجية والأمن في الكنيست الصهيوني ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية كي يقدموا تفسيرا لطرق تغطيتهم للصراع الصهيوني – الفلسطيني، وما لبث هؤلاء أن وجدوا أنفسهم أمام محاكمة وعمليات توبيخ، ودلل اتهام تسيفي ليفني أمامهم على مدى تأثير جبهة الإعلام على دولة الكيان الصهيوني الذي يكشف حقيقة احتلاله وجرائمه حيث قالت :« ان هناك توجها وليس في الإعلام الأجنبي فقط، يرى من منظور دولي للصراع بأن "إسرائيل" هي المعتدي وأن الفلسطينيين هم الضحية».
ويشير اعتقال 22 صحافيًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال بعضهم بأوامر اعتقال إدارية وعلى رأسهم الأسير الصحافي محمد القيق، المضرب عن الطعام منذ 86 يومًا احتجاجًا على اعتقاله الإداري إلى الحرب الصهيونية على الإعلام المساند للانتفاضة.
في ظل العجز والتخبط الصهيوني في مواجهة الانتفاضة لجأت "اسرائيل" الى ربطها بجهات خارجية واتهامها بتقديم الدعم وتحريض الفلسطينيين للقيام بعمليات طعن ودهس واطلاق النيران، وهو ما ذهب إليه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية (أمان)، هرتسي هليفي الذي قال أن إيران تشجع عمليات الطعن التي ينفذها شبان فلسطينيون، وهي مستعدة لإعطاء المال لعائلات فلسطينيين طعنوا صهاينة، معتبرا أن الهدف هو تشجيع المزيد من عمليات الطعن، و"اسرائيل" بذلك تحاول بعد إزالة الموضوع النووي الإيراني عن الطاولة بعد الاتفاق بين إيران ودول «5+1» ان تعيد إيران إلى الواجهة بهذه الاتهامات وإظهار الفلسطينيين كمن ينتظرون من يحفزهم إلى الصدام مع الاحتلال وكأن جرائم الاحتلال وتدنيس المقدسات والاستيطان وتدمير البيوت والمنشآت الزراعية والصناعية لا تكفي لخروج الفلسطينيين ضد الاحتلال.
الارتباك الصهيوني ينبع أيضا من المستقبل وسيناريوهاته المحتملة التي يمكن ان تتطور إليها انتفاضة القدس مع تواصل الإعدامات الميدانية سواء بانفجار عام شعبي تشارك فيه كل الناس في المواجهات مع الاحتلال أو الخروج في مسيرات كبيرة مليونية إلى داخل مناطق الـ 48 مخترقين الخط الأخضر وهو ما أشار اليه هيرتسل هليفي عندما أوضح ان هناك تهديداً آخر على "إسرائيل" وصفه بـ"الإرهاب الصامت"، وأنه على غرار تدفق اللاجئين السوريين إلى أوروبا وتغيير السياسة العالمية جراء ذلك، فإن أمرا مشابها قد يحدث في "إسرائيل" «فنحن نرى عشرات آلاف الأفراد من غزة والمناطق (أي الضفة الغربية) الذين قد ينتظمون صباح أحد الأيام والسير باتجاه "إسرائيل"»، والتضييق الصهيوني الاقتصادي والاجتماعي عبر عمليات الهدم ومحاربة الفلسطينيين في رزقهم سيكون عاملا أساسيا في هذا التطور المحتمل لانتفاضة القدس.
الإحصائيات التي نشرها الشاباك الصهيوني حول انتفاضة القدس تبين قوة الانتفاضة والتجاهل الصهيوني لأشكال الانتفاضة الأخرى غير العمليات التي ركز عليها فهناك آلاف المسيرات والمواجهات التي وقعت وتقع يوميا مع جنود الاحتلال فخلال أربعة أشهر بينت إحصائية الشاباك ان نصف عدد الفلسطينيين الذين قاموا أو حاولوا القيام بعمليات خلال الأشهر الأربعة الأخيرة هم دون سن الـ 20 عاما فيما ثلث منفذي العمليات هم أبناء جيل 21-25 عاما و10٪ من بينهم من هم فوق سن الـ 30 عاما، وان 11٪ من بين منفذي العمليات هن من النساء، بما مجموعه 24 امرأة وفتاة، وتنوعت العمليات في كل المدن والبلدات الفلسطينية، ويشار هنا الى أن إحصائية الشاباك تتضمن الرواية الصهيونية لعمليات القتل العمد لجيش الاحتلال بحق فلسطينيين شاركوا في المواجهات أو استشهدوا على حواجز وقرب النقاط العسكرية وزعم الجيش أنهم حاولوا طعن جنود.
خلقت انتفاضة القدس واقعا جديدا وفريدا في الصراع مع الاحتلال فالفلسطينيون يمارسون حياتهم اليومية في التعليم والعمل وفي نفس الوقت يواجهون الاحتلال في مراكز تواجده ويخرجون لتنفيذ عمليات بشكل شبه يومي وهو ما يعني ان مرحلة الاحتلال المريح قد انتهت وجيش الاحتلال يضطر إلى زيادة انتشارها وتجنيد كتائب جديدة واقتحام المدن وما ينجم عن ذلك من صدامات معه، وهو ما يجعل الاحتلال حاضرا يوميا في الواقع السياسي الصهيوني والإقليمي والدولي ويطرح بقوة مسألة إنهاء الاحتلال ووجوب قيام كيان فلسطيني مستقل يحقق فيه الفلسطينيون طموحاتهم الوطنية.

