بعد ثمانية أعوام على المعركة.. عاصمة الاستشهاديين تروى ذكريات البطولة والفداء

الخميس 08 أبريل 2010

 

الإعلام الحربي – غزة:

 

استكملت فصائل المقاومة الفلسطينية كافة استعداداتها مع مطلع شهر نيسان 2002 في مخيم جنين استعدادا لمواجهة التهديدات التي أطلقها قادة الاحتلال لشن حرب شرسة على المخيم الذي وصفه وزير الحرب الصهيوني آنذاك أرئيل شارون "بعش الدبابير " وعاصمة "الانتحاريين" مع استمرار العمليات الاستشهادية التي اعتبر الاحتلال المخيم مركز تحضيرها وانطلاقها.

 

ولم ينام المقاتلون من سرايا القدس وكتائب الأقصى وكتائب القسام مساء يوم الثاني من نيسان, وانشغلوا في تجهيز قدراتهم كما روى احد مقاتلي السرايا " أبو احمد" لان كل المؤشرات كانت تؤكد وجود عدوان كبير تجهز له قوات الاحتلال خاصة بعد فشل العملية العسكرية التي نفذتها في نهاية شهر آذار من ذات العام في توجيه ضربة للمقاومة التي تصدت لذلك العدوان.

 

استعدادات كبيرة

وتوزعت فرق الرصد والكشف في كل أرجاء المخيم, الذي أغلقت مداخله كما يروي أبو "أحمد" وأقامت السواتر الترابية والحواحز, بينما تمترس المقاتلون في مواقعهم, وسط دعم وتشجيع الأهالي الذين رفضوا الخضوع للتهديدات الصهيونية.

 

ولم تتأخر قوات الاحتلال عن تنفيذ تهديداتها, وكما توقعت المقاومة, فقد بدأ الهجوم الصهيوني في الثانية من فجر الثالث من نيسان, وقال المجاهد "أبو مناضل" من مقاتلي السرايا الذين شاركوا في المعركة ونجا من المجزرة, "حشدت قوات الاحتلال أكثر من 50 دبابة, انطلقت نحو المخيم الذي العنت فيه حالة النفير, وانطلقت مكبرات الصوت تردد الهتافات وتحث الأهالي على الصمود والمقاومة على خوض المعركة المنتظرة , وفور وصول الدبابات -كما يقول- كانت المقاومة بالمرصاد ومنذ اللحظات الأولى اندلعت المعارك العنيفة, ورغم إطلاق النار الكثيف, تمكنت المقاومة من صد الهجوم الأول فتعمدت دبابات الاحتلال قصف محولات الكهرباء ليغص المخيم بالظلام, ولكن المعركة اشتدت, ولم تتمكن قوات الاحتلال من التقدم.

 

محاولات التسلل

الشيخ محمود السعدي احد قادة حركة الجهاد الإسلامي والذي شارك بالمعركة وخرج مؤخرا من سجون الاحتلال، قال "أمام المقاومة العنيفة, وقبل أن تشرق شمس اليوم الغول من المعركة, حاولت قوات الاحتلال التسلل عبر المدخل الغربي من حي " الشهيد القائد محمود طوالبة, كون الحي يشكل خاصرة المخيم الغربية, والسيطرة عليه ستمكن قوات الاحتلال من إضعاف المقاومة, إلا أن تلك المحاولة باءت بالفشل بسبب يقظة المقاومة التي كبدت قوات الاحتلال خسائر فادحة، قبل أن يتدخل الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة.

 

تكتيك المقاومة الأهم -يقول السعدي- كان سلاح العبوات المصنعة محليا, فقد تشكلت مجموعات خاصة بعضها كان يقودها القائد محمود طوالبة هدفها تصنيع اكبر قدر ممكن من العبوات خاصة بعدما كان السبب الرئيسي في منع أي اختراق صهيوني لمراكز المقاومة هو العبوات.

 

قبل أن تشرق شمس اليوم الثاني يتذكر أهالي المخيم, انضمت الطائرات للدبابات في قصف المخيم, ويقول السعدي فجر اليوم الثاني كان مختلفا فالاحتلال بدأ بقصف عنيف من الدبابات والطائرات, ورغم ذلك حافظت المقاومة على رباطة جأشها, ويضيف، أتذكر أن  قوات الاحتلال حاولت أن  تتقدم من حارة مدرسة الوكالة, مستغلة الأزقة وضيق المكان, ولكن ذلك  كان لمصلحة المقاومة, التي نجحت في إيقاع الإصابات في صفوف الجنود, الذين عجزوا عن الوصول للمواقع الرئيسة، فضلا عن وقوعهم في عدة كمائن محكمة.

 

عمليات جرئية

وتولت المقاومة كما يروي قادتها والأهالي مسؤولية الدفاع عن المخيم بكل بسالة, وقال الأهالي طوال الوقت شاهدناهم معنوياتهم عالية, كانت الصلوات تقام في المنازل تحت قصف الاحتلال الذي وقع جنوده في عدة كمائن قتل خلالها عدد منهم واستولى المقاتلون على أسلحتهم وذخيرتهم.

 

ويتذكر الأهالي أن القائد في سرايا القدس محمود طوالبة عندما اشتد القصف وطلب منه رفاقه مغادرة المخيم رفض وجمعهم وأحضر المصحف وطلب ممن يريد البقاء القسم على المصحف بالثبات والصمود والمقاومة حتى النفس الأخير. وأشار الأهالي إلى أن الأسير ثابت مرادوي احد قادة سرايا القدس تمكن مع مجموعة من المقاتلين من صد عدة محاولات لاقتحام حي الدمج وشوهد ثابت ورفاقه وهم يطاردون جنود الاحتلال ويهربون من الموقع.

 

مشاهد لا تنسى

من المشاهد التي لا تنسى يقول السعدي الشجاعة الكبيرة لدى الأهالي والمقاتلين , فالاهالي الذين نفذ طعامهم وشرابهم وحتى حليب أطفالهم استمروا في الصمود داخل منازلهم حتى بدأت الجرافات بهدمها وتمكن بعضهم من النجاة والقفز من النوافذ, بينما حوصر آخرون ودفنوا تحت الأنقاض, من بينهم منهم الشيخ الجليل رياض بدير احد قادة الجهاد الذي حضر من طولكرم وشارك في المعركة وبعد إصابته رفض أن يسلم نفسه, ونزف وهو يقاوم حتى دفنته البلدوزرات تحت الأنقاض واستشهد وهو يوصي الجميع بالثبات والجهاد.

 

اليوم الأخير

دمرت بلدوزرات الاحتلال كافة المنازل في حي الحواشين والساحة الرئيسية, ولم يبقى سوى منزل واحد تجمع فيه 27 مقاتلا مع بعض النساء والأطفال ويقول السعدي, استغل الجنود الموقف وطلبوا منا الاستسلام مهددين بقصف المنزل وتدميره على من فيه, لحظتها بدأت الاتصالات مع كافة الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية, لمنع الاحتلال من ارتكاب مجزرة جديدة, ودخلت على الخط أطراف مختلفة من بينها حزب الله, فحاولت قوات الاحتلال إرغامنا على الاستسلام والخروج عراة ولكننا رفضنا حتى أُبلغنا عبر جهات دولية بإبرام اتفاق يقضي بخروجنا دون المساس بنا وألغي شرط التعري, ورغم ذلك كانت معنويات الجميع عالية, لم ننهار أو نشعر بالهزيمة, وخرجنا رافعين الرؤوس لنثير الرعب والخوف لدى الاحتلال حتى في آخر لحظات المعركة التي لم تنتهي بعد.

 

هذا وقد اعترفت قوات الاحتلال بمقتل 23 جنديا وإصابة العشرات خلال معركة مخيم جنين التي استشهد فيها 56 شهيدا بينهم 23 مقاتلا , وأصيب العشرات , واعتقل جميع الرجال بينما لا زال العشرات يقضون أحكاما بالسجن المؤبد , كما هدمت قوات الاحتلال 455 منزلا بشكل كامل و800 منزل بشكل جزئي.