أبطال عملية "استدراج الأغبياء".. الاستشهاديين "سليمان" و"جهاد"... رحلة الوفاء المتوجة بصدق الدماء

الأحد 19 يونيو 2011

 

 

 

الشهداء وحدهم لا يعرفون طعماً ولا لوناً ولا شكلاً للهزيمة والانكسار.. والشهداء وحدهم تبقى هاماتهم تعانق قمم السماء .. الشهداء وحدهم يوزعون زهرات الربيع وينثرونها فوق هاماتنا ليعلمونا كيف نشق طريق النصر وسط الحقول الكالحة .. وللشهداء تنحني الصور والأقلام وتترفع عن الكلمات البراقة إجلالاً وإكباراً لصنيعهم فلا يمكن لمداد البحر أن يكافئ لهم حقهم مهما حاولت الأوهام والخرافات النيل من تضحياتهم وتعالت الكلمات وبحثت العقول في قواميس اللغة، فالدم أصدق منهم جميعاً.

 

 

 

فتعالوا يا عشاق الشهادة لنقترب معاً من وهج من سطروا أروع ملاحم البطولة في زمن الضعف والهوان والانكسار.. إنهم شهداء  عملية " استدراج الأغبياء في خان يونس الشقيقان" هيثم وسليمان عرفات، وجهاد الدغمة".

 

 


 


ميلاد بطلين


الشهيدان " هيثم وسليمان عبد الحكيم عرفات"،كلاهما كانا على  موعد مع الشهادة في ذات الشهر الذي أشرقت فيه شمس نور ميلادهما، رغم اختلاف السنوات والمناسبات المحملة بعبق النصر، فالشهيد "هيثم" صادف يوم ميلاده يوم "الأرض" في 30/ 3/ 1988م، أما سليمان فجاء ميلاده في ذكرى معركة "الكرامة" بتاريخ 21/ 3/ 1990م، وهو اليوم الذي استطاعت فيه المقاومة الفلسطينية الباسلة وأمام صمود أهلنا في مخيمات الشتات وبمساندة القوات الأردنية أن تكسر أسطورة " الجيش الذي لا يقهر"..ولتأتي عملية " استدراج الأغبياء" التي نفذها ثلة من المجاهدين الأطهار بقيادة  الشهيد الشاب سليمان (20عاماً)،  ورفيقه جهاد ( 17) عاماً بين تلك المناسبتين مع فارق أربعة أيام بين كل منهما، لتؤكد لكل المنهزمين أن " الأرض" و الكرامة" يربطهما رباط دم الشهداء الذي لن ينقطع.

 

 

 

ألم الفراق

 

بدا بيت الشهيدين " سليمان" و"هيثم" عرفات مغموراً بالفخر والاعتزاز رغم أجواء الحزن التي خيمت على المكان، فوالدة الشهيدين أم حسن فضلت الجلوس بين أطفالها الصغار لتغمرهم بنظراتها الحزينة المفعمة بالحب والألم معاً، وتارة أخرى تضمهم بين يديها إليها لتلتصق بهم ثم تُقبل رأس كل واحد منهم برفق وشفقة. وبعد صمت استمر لبرهة من الوقت، حاولت الأم أن تلملم  جراحها وتستجمع قواها مرددة الكلمات التي قالتها الخنساء رضى الله عنها في رثاء أبنائها الأربعة :" الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأسأله جل في علاه  أن يجمعني بهما تحت مظلة رحمته في الفردوس الأعلى مع الشهداء والصديقين".

 

 

 

الشاب المهذب

 

 وأضافت الأم الصابرة المحتسبة وهي تخبئ بين عينها دمعة الفخر الممزوجة بألم الفراق:" أنا فخورةً لصنع أبنائي بهذا العدو القابض على أرواحنا، لكنني حزينة لأنني أم ربّت أطفالها وذاقت المعاناة وقسوة الحياة ".

 

 

 

وأشارت أم حسن إلى عمق العلاقة المبنية على المحبة والتعاضدَّ  التي تتميز بها أسرتها المكونة من خمسة أبناء وابنتين، بالإضافة إلى الشهيدين، لافتة إلى أنه باستشهاد هيثم وسليمان فقدت شمعتين كانا يملآن حياة أسرتهما أملاً مشرقاً، مستدركة بالقول " إن استشهادهما ملأ الدنيا نورا وفرحا وشفا صدور المؤمنين".

 

 

 

وخلال حديثها تطرقت أم حسن إلى أهم الصفات التي كان يتميز بها نجلاها الشهيدان، حيث بدأت حديثها في سرد أهم الصفات التي كان يتمتع بها الشهيد هيثم قائلةً:" :" كان الشهيد رحمه الله مهندماً في ملابسه ومظهره، هادئاً  مطيعاً ، ملتزماً بتعاليم دينه الحنيف، لا تفارق الابتسامة شفتيه، محباً للجميع، ويشارك الجيران والأهل أفراحهم وأتراحهم".

 

 

 

وتابعت تقول :" هيثم كان الحلم الذي انتظره بفارغ الصبر ليتقاسم معنا أعباء الحياة، حيث لم يبق عليه إلا ساعات معدودة ليحصل على شهادة دبلوم  سكرتارية وسجل طبي من كلية العلوم والتكنولوجيا".

 

 

 

صفات القائد

 

أما عن الفارس سليمان فقالت الأم واصفة دماثة خلقه :" كان مخلصاً في جهاده زاهداً في الدنيا راغباً فيما وعد الله عباده المجاهدين ، فكثيراً ما كان يتودد إليَ ويقبل رأسي طالباً مني الدعاء له بنيل شرف الشهادة في سبيل الله".

 

 

 

وأشارت أم حسن إلى مدى تعلق الشهيد سليمان بالشهيد القائد زياد أبو طير، حيث كان يحدثها عن رغبته في تنفيذ عملية انتقاماً للشهيد زياد وكل شهداء فلسطين.

 

 

 

وفي خضم حديثها تطرقت والدة الشهيدين إلى أهم الصفات التي تميز بها سليمان، قائلةً :" لعل من أكثر الصفات التي تميز بها سليمان حكمته وجرأته ورجاحة عقله، فعلى الرغم من كلامه القليل إلا انه كان يتحفنا دوماً برؤيته السديدة لكل أزمة أو مشكلة تواجهنا لنجد الحل الصحيح عنده".

 

 

 

وأثناء حديثنا مع أم حسن تلقت اتصالاً هاتفياً من أقاربها في المملكة العربية السعودية ليخبروها أنهم أدوا مناسك العمرة عن الشهيدين الأمر الذي خفف من حزنها على فراق نجليها ورسم ابتسامة خافتة اعتلت جبهتها.

 

 

 

في حين بدا "عارف" رابط الجأش وهو يتحدث عن بطولات شقيقيه في عملية " استدراج الأغبياء"، قائلاً :" رغم الألم الذي يعتصرني ويهز أعماقي، إلا إنني فخور بالعمل الجهادي الذي نفذه شقيقي سليمان ورفاقه ضد من يغتصبون أرضنا ويدنسون مقدساتنا".

 

 

 

وأشار عارف إلى عمق العلاقة التي كانت تربط شقيقيه الشهيدين " هيثم وسليمان" بحكم انتمائهم لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد. وأضاف :" كان الشهيدان يتوقان للقاء الله، فكثيراً ما كانا يخرجان في جنح الظلام للرباط على الثغور"، مؤكداً أن إسراع الشهيد هيثم نحو السياج الأمني الصهيوني لحظة بدء الاشتباك يؤكد علمه بالعملية البطولية التي كان يقودها شقيقه سليمان.

 

 

 

إرهاصات الشهادة

 

تقول الأم الصابرة :" جاءني سليمان إلى المطبخ قبل تنفيذ العملية ببضع ساعات حيث كنت اعد الطعام، وطلب  مني عدم انتظاره على الغداء لأنه معزوم عند احد رفاقه، والدعاء له بالتوفيق والسداد".

 

 

 

وتضيف الأم:" لم يمر وقت طويل حتى سمعت إطلاق نار كثيف مصدره منطقة السياج الأمني، القريب من بيتنا، فخرجتُ مسرعة إلى الشارع، ورأيت ابني هيثم يسرع الخطى نحو الحدود، فخرجت خلفه لكن محاولاتي لرده باءت بالفشل ".

 

 

 

وتابعت: " لحظات مرت حتى أبلغت بإصابة هيثم ونجاة سليمان، ثم علمت باستشهاد هيثم، فحمدت الله على اختياره أحد أبنائي شهيداً، ثم عثر على سليمان بعد يومين شهيداً في مسرح العملية فتقبلت الأمر بصبر واحتساب رغم الألم الذي اعتصرني على فراقهما".

 

 

 

رفاق الدم والتضحية

 

أما الشهيد جهاد عطا الدغمة فقد سطر أروع معاني التضحية والوفاء، عندما رفض الانسحاب من ساحة المعركة وفضّل التمترس وسط العشب الأخضر والبقاء قريبا من رفيق دربه سليمان.

 

 

 

يقول أحد رفاق الشهيد الدغمة:" كان بإمكان جهاد الانسحاب من المعركة، لكنه رفض وفضّل الاستشهاد إلى جانب صديقه سليمان، فقد كانت العلاقة بين سليمان وجهاد مميزةً لدرجةً أننا كنا نغبطهما عليها".

 

 

 

وفي لقاء جمع بأسرة الشهيد جهاد قال والده الذي بدا صابراً محتسباً :" الحمد لله على اصطفاءه فلذة كبدي، لقد ربّيته وأحسنت تربيته، لأزفه في ذاك اليوم شهيدا مكللاً بأكاليل الغار بعد عمل بطولي رفع رأس كل غيورٍ محب لدينه ووطنه".

 

 

 

ويضيف أبو جهاد:" لقد صدمت وزوجتي من تمثيل العدو بجثمان نجلي، ولكن هذا ديدن أعداء الله" مردداً دعاء الصابرين" حسبنا ونعم والوكيل".

 

 

 

أما شقيقه محمد فقال :" في صباح يوم الجمعة خرج علينا جهاد والابتسامة تعلو شفتيه، قال كلماته الأخيرة، ابشروا فسوف تسمعون اليوم بعد صلاة الظهر خبراً سيفرحكم كثيراً".

 

 

 

ويضيف:" لقد أوصاني قبل خروجه بلحظات أن أطيع والداي وأكون عوناً لهما، وأحافظ على إخوتي الصغار ".  

 

 

 

ويشار إلى أن الشهيد جهاد ولد فجر يوم 11/ 3/ 1993م، لأسرة فلسطينية بسيطة متواضعة اتخذت الإسلام منهجاً وطريق حياة، والشهيد جهاد طالب في المرحلة الثانوية.