الإعلام الحربي _ غزة
قبل أيام قليلة كانت السعادة لا تفارق وجنة الشهيد محمود أبو فنونه(22عاما) من مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، وهو يعد نفسه ليؤسس حياة جديدة، يبدؤها من خلال افتتاح مشروعه الخاص "مخبز" لبناء مستقبله، وجمع مبلغ من المال يمكنه من الزواج وإقامة حفل الارتباط بإحدى الفتيات لتحقيق حلم والديه، إلا أن حفل الشهادة كان أسرع من أمنياته البسيطة .
منطقة وادي الهرية في مدينة الخليل كانت على موعد مع عرس محمود ليمسح عنها آلامها، التي خيّمت عليها من جديد غيمة الشهداء بارتقاء محمود، ليعلّق كل من عرفه صوره بجانب صور الشهداء، فهي كل ما تبقى لهم.
أراد "محمود" من خلال تحقيق أمنياته أن يدخل الفرحة لقلوب ذويه، بعدما حرموا منها على مدار عشرة أعوام، أمضوها بعيدا عن والدهم الذي يعتقل بين الفينة والأخرى وعلى فترات متقاربة خلف قضبان الاحتلال، نتيجة تجديد اعتقاله الإداري، لكن رصاصات الاحتلال الغادرة سرقت منهم الفرحة فلم يكتمل أوجها، بعد مباغته جنود الاحتلال له على مدخل «غوش عتصيون» الاستيطاني دون سبب أو سابق إنذار .
خبر استشهاد محمود وقع كالصاعقة على ذويه وأحبابه، الذين شهدوا له بنبل أخلاقه العالية وروحه الطيبة المفعمة بالسعادة والمحبة لأصحابه وجيرانه، إلا أنهم تشربوا الموقف بعدما استلموا جثمانه ورأوا الابتسامة مرسومة على محياه تزين وجهه البشوش، والتي تعتبر من أبرز كرامات الشهداء، وهذا ما خفف من مصيبتهم .
مع آذان عصر يوم الجمعة، سمعت العائلة نبأ إطلاق الاحتلال النار على شاب، فبدؤوا بالاتصال بابنها محمود، إلّا أن صاحب الرقم الذي حاولوا الاتصال به رحل شهيدًا .
ودعت والدة الشهيد محمود موكبه، بعدما احتضنت بيديها جثمانه ومسحت على رأسه لتبقي رائحته عالقة براحتيها، ثم طبعت قبلة الوادع على جبينه، لكي لا تحرمه من حنانها حتى بعد استشهاده، وأطلقت العنان لزغاريدها التي علت على أصوات من جاءوا لتشيعه وزفه عريسا لحور العين.
وانطلق موكب التشييع من أمام المستشفى الأهلي وسط مدينة الخليل، نحو منزل عائلة الشهيد، في حين سادت أجواء من الغضب في صفوف المشاركين بتشييع الجثمان، والذين هتفوا للشهيد وحيوا أهله.
وعقب إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الشهيد، أدى المشيعون صلاة الجنازة على جثمانه في مسجد حمزة أبو عيشة، بمدينة الخليل، وجاب المشاركون شوارع المدينة، وصولاً إلى مقبرة الشهداء في حي ضاحية الإسكان بالمدينة.
ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ورايات حركة الجهاد الإسلامي، التي ينتمي إليها الشهيد، فيما رددوا هتافات طالبت بالرد على جريمة إعدام الشهيد أبو فنونه، والانتقام لدمائه ودماء شهداء فلسطين، كما طالبوا باستمرار انتفاضة القدس، ورص الصف الفلسطيني وتوحيد قواه لمجابهة العدو الصهيوني.
والده الشهيد التي كانت غارقة في حزن ممزوج بالحسرة والقهر والتي كانت تمسح دمعة فتخدر أخرى كاشفةً هول ألمها ومصيبتها رفضت الحديث لعدم قدرتها على الكلام والاستفاقة من هول فاجعتها .
عند الله شهيداً
عم الشهيد نضال أبو فنونه يقول:" خبر استشهاد محمود وقع كالصاعقة على كل من يعرفه وعاشره، فهو شاب محبوب لا يحقد ولا يكره أحدا، والكل يشهد له بنبل أخلاقه، وعرف عنه الحياء الشديد فمفارقته للعائلة أمر ليس بالهين، إلا أننا نحتسبه عند الله شهيدا، ولكن لا نزكي على الله أحد، فسيكون شفيعا لنا بالدنيا والآخرة"، مبينًا أنه يتسم بالسماحة والتواضع عبر حرصه على عدم وقوع أي عداوة مع أحد.
ويضيف أبو فنونه:" تلقي والد محمود خبر استشهاد نجله بكل صبر وقوة تحمل، وهو داخل سجون الاحتلال، لا سيما أنه أسير لكن ما صعب عليه الأمر أنه لم يودعه ويطبع على رأسه قبلة الوداع، قبل مواراته للثري، لكن نحن أمام احتلال غاصب لا يلقي بالا لأوجاعنا،لأنه المتسبب الأساسي لها".
ويؤكد أن لا أدلة ملموسة على ادعاءات الاحتلال بمحاولة تنفيذ الشهيد محمود عملية طعن ضد جنوده، لأنه كان يسير بمركبته الجديدة على طريق بيت لحم، وحسب شهود العيان أوقفه الاحتلال وقام بإطلاق النار عليه بشكل مباشر، وهو يصرخ بأنه لا يمتلك أي أداه حادة، مشيرا إلى أن كل ما يقوم به الاحتلال هو محاولة لتصفية الشبان وإعدامهم بدم بارد .
ويبين أبو فنونه أن الاحتلال لا يملك أي نوع من الشفقة والرحمة في التعامل مع الفلسطينيين، فهو يحاول طمس الحقيقة، لكن رغم لوعة الفراق التي حلت بالعديد من سكان الضفة الغربية خاصة مع انتفاضة القدس، إلا أن كل الفلسطينيين أرواحهم فداء لأرضهم ومقدساتهم الإسلامية.
جدير بالذكر أن الشهيد محمود أبو فنونه ولد في العام 1994م؛ وهو أعزب من مدينة الخليل جنوب الضفة المحتلة؛ وهو نجل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الشيخ محمد أبو فنونه المعتقل في سجن عوفر الصهيوني على ذمة الاعتقال الإداري منذ تاريخ 22/10/2015م.
ويشار إلى أن عدد شهداء انتفاضة القدس ارتفع إلى207 شهداء، بينهم 59 شهيداً من محافظة الخليل، وذلك بعد ارتقاء عبد الله محمد عايد العجلوني (في العشرينات من عمره)، عند حاجز أبو الريش وسط مدينة الخليل، بعد أن أطلقت قوات الاحتلال الرصاص عليه بذريعة تنفيذه عملية طعن.
المصدر/ الاستقلال

