الإعلام الحربي _ خاص
أحيا الفلسطينيون أمس ذكرى يوم الأرض، بتحدٍ وإصرار على مواصلة معركة الصمود والثبات في وجه المخططات الصهيونية، حيث شهدت العديد من المدن الفلسطينية المحتلة عام48 والضفة الغربية وغزة فعاليات ومسيرات منددة بما تمارسه قوات الاحتلال من سياسات وإجراءات تعسفية هدفها المضي قدما في سياسة نهب ومصادرة الأراضي وتهويدها خاصة في مناطق الأغوار, والمحاذية لجدار الفصل العنصري.
ويشكل "يوم الأرض" معلمًا بارزاً في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني باعتباره اليوم الذي أعلن فيه الفلسطينيون تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الدفاع عن وجودهم رغم عمليات القتل والإرهاب والتنكيل التي كانت -وما زالت- تمارسها سلطات الاحتلال اليهودي.
متمسكون بأرضنا
والتحمت عصر يوم أمس الأربعاء في مدينة عرابة مسيرات مثلث يوم الأرض، التي انطلقت نحو عرابة من أمام مسجد النور بـ سخنين وأخرى انطلقت من دير حنا في مناطق فلسطين المحتلة عام 48، وفي قرية أم الحيران المهددة بالاقتلاع والنهب بالنقب نظم سكان القرية فعالية شعبية أكدوا خلالها تمسكهم بالأرض، وفعالية أخرى انطلقت في كفر كنا نحو قبر شهيد يوم الأرض محسن طه، وفي الضفة الغربية شهدت أيضاً العديد من مناطق التماس مسيرات شعبية ضد جدار الفصل العنصري، ومواجهات عنيفة بين الشبان الفلسطينيين الذين أشعلوا انتفاضة القدس تحت أقدام المحتل وجنوده المدججين بالسلاح، وفي مدينة غزة نظمت العديد من الأطر والتنظيمات الفلسطينية فعاليات شعبية أكدوا خلالها تمسكهم بحق العودة إلى فلسطين التاريخية، وكما وشهدت المخيمات الفلسطينية بلبنان والأردن عدة وقفات وفعاليات نظمتها جمعيات واطر نقابية وتنظيمية للتأكيد على حق العودة والتمسك بالأرض الفلسطينية العربية الإسلامية، أنهم لن يقبلوا بوطن بديل عن فلسطين مهما كانت الإغراءات المقدمة لهم.
هذا العام جاءت ذكرى يوم الأرض في ظل انتفاضة القدس التي أشعلها شباب القدس الشريف والضفة الغربية في وجه المغتصب الصهيوني، ليؤكدوا لقادة الدولة الصهيونية من "بن غريون" و "غولدا مائير" وصولاً إلى " نتن ياهو" و " يعالون" أن الكبار لا يموتون لأن أجسادهم غرست في هذه الأرض المباركة ، وأن الصغار لا ينسون لأنهم ورثوا من أجدادهم حب الوطن وعشق ترابه.
الموت فوق أرضنا حياة
وتصر أسرة المواطن نضال قديح من بلدة خزاعة شرق محافظة خان يونس على زراعة أرضها القريبة من السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة رغم ما تتعرض له هذه الأسرة وغيرها من الأسر الفلسطينية القاطنة على مقربة من الخطوط التماس مع العدو لخطر الموت، حيث أن هذه العائلة قدمت العديد من أبنائها وبناتها شهداء قضوا نحبهم أثناء عملهم داخل حقولهم الزراعية.
ويقول المواطن نضال قديح لـ "الإعلام الحربي" :" رغم المخاطر الجمة التي نتعرض لها بصورة شبه دائمة، إلا إننا نصر زراعة أرضنا حتى تبقى خضراء شاهدة على حقنا فيها، وعلى ما يقوم به هذا العدو المجرم"، مؤكداً أن الاحتلال قتل العشرات من أبناء عائلته خلال ممارستهم مهنة الزراعة والرعي في السنوات القليلة الماضية.
ويجزم قديح انه لا يوجد فلسطيني يمكن أن يتنازل عن شبر واحد من ارض فلسطين مهما كلفه ذلك من ثمن هو حياته، مشدداً على مواصلته زراعة أرضه التي رويت بدماء الشهداء الأطهار حتى لو كلفه ذلك حياته ــ سيرث الأرض من بعده أبنائه ليواصله مشواره حتى تحرير الأرض من دنس اليهود الغاصبين _ على حد تعبيره.
سنورث حب الأرض
وبينما قال الشاب محمود دراغمة من مدينة طوباس بالضفة الغربية: " لن نتخلى عن أرضنا ونحن صامدون بها, لأنها عنوان وجودنا", وأضاف استولى الاحتلال على أكثر 80% من أرضي ولم يتبقى لي سوى عشر دونمات وكلما نفذت فيها مشروعا يدمر الاحتلال, إنهم يحاربوننا بلقمة عيشنا.
وتحاصر قوات الاحتلال كما المستوطنات المزارعين على امتداد منطقة طوباس التي أصبحت غالبية أراضيها كما قال المزارع عوض أبو محسن مغلقة وحتى إشعار آخر, ويستكمل حديثه قائلاً :" كلما حاولنا الوصول لأرضنا نتعرض للاعتداء أو الاعتقال ..".
ويضيف المستوطنون بحراسة الجيش يسرحون ويمرحون , يزرعون ويستولون على أرضنا ومياهنا وخيراتنا , ونحن بالكاد نجد لقمة العيش , ولكن بكل صراحة ووضوح نقول لن نفرط بأرضنا ونحن في صراع حتى يوم الدين مع المحتل الغاصب.
في حين قال عبد الله ياسين –مزارع – خلف الجدار تقع كل ارضي البالغة مساحتها ألف دونم , ومنذ بناء الجدار لم أتمكن من الاستفادة منها سوى مرتين, وفي الأعوام الأخيرة أصبح الوصول إليها ممنوعا بقرار احتلالي.
وتعتبر أراضي عانين الحدودية الواقعة غرب جنين المعزولة كما يقول إبراهيم ياسين من أخصب الأراضي الزراعية, والتي تعتبر مصدر الدخل الرئيسي لغالبية الأهالي, ولكن الاحتلال يريد أن ننسى تلك الأرض, فتارة يغلقها , وأخرى يعزلها, ويمنعنا من استخدامها, وهذا يؤكد أن حربه ضد الأرض والإنسان الفلسطيني لم تنتهي, وان أرضنا لا زالت هدفا للاحتلال, فهي تقع على الحدود مباشرة, والاحتلال يريد أن يفرض الأمر الواقع حتى لا يبقى لنا أرض ووجود فيها، وهذا ما لن يحدث ما بقينا على وجه الأرض، فنحن نورث حب الانتماء للأرض لأبنائنا وأحفادنا كما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا.
الاستمرار حتى الانتصار
ومن جهته أكد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي "أحمد المدلل" أن الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه ولن يتخلى عن ذرة تراب منها مهما كلفه ذلك من ثمن" ، مشدداً على استعداد شعبنا الفلسطيني بكل مكوناته على التضحية من أجل مقاومة العدو والدفاع عن أرضه ومقدساته.
ولفت إلى ما يقوم به سكان الضفة الغربية والقدس الشريف من عمليات بطولية جعلت العدو الصهيوني يتخبط من شدة الخوف والقلق، وستجعله يتراجع عن فكرة بقائه الأبدي على هذه الأرض المباركة بإذن الله _ على حد تعبيره.
وقال المدلل لـ"الإعلام الحربي": الشعب الفلسطيني ليس أمامه خيار إلا أن يستمر في نضاله ضد الاحتلال حتى استعادة جميع حقوقه وثوابته ونيل حقه في العودة وإقامة دولة مستقلة، والقضاء على كل محاولات الاحتلال لطمس الهوية الوطنية".
وحث القيادي في الجهاد الشعب الفلسطيني إلى مواجهة المخططات الصهيونية التهويدية بكل الطرق والوسائل والإمكانات، داعياً أهلنا في الضفة والقدس الى ضرورة العمل الوحدوي والجماعي لمواجهة المستوطنين وقطع الطرق الالتفافية عليهم ومنعهم من الوصول إلى القرى الفلسطينية النائية لممارسة جرائمهم بحق الأبرياء، والتصدي لهم لمنعهم سرقة أراضي المواطنين، مشدداً على ضرورة أن يكون للسلطة الوطنية والأنظمة العربية وأحرار العالم دور واضح لردع الاحتلال ووقف جرائمه المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته وأرضه.
ذاكرة كتبت بالدم
وجدير بالذكر أن السبب المباشر لهبّة يوم الأرض هو قيام سلطات الاحتلال الصهيونية بمصادرة نحو 21 ألف دونم من أراضي عرّابة وسخنين ودير حنّا وعرب السواعد وغيرها لتخصيصها للمستوطنات الصهيونية في سياق مخطّط تهويد الجليل. وفي يوم السبت الثلاثين من شهر آذار من العام 1976، وبعد ثمانية وعشرين عاما في ظل أحكام حظر التجول والتنقل، وإجراءات القمع والإرهاب والتمييز العنصري والإفقار وعمليات اغتصاب الأراضي وهدم القرى والحرمان من أي فرصة للتعبير أو التنظيم، هبّ الشعب الفلسطيني في جميع المدن والقرى والتجمعات العربية في الأراضي المحتلة عام 1948ضد الاحتلال الصهيوني، واتخذت الهبة صورة إضراب شامل ومظاهرات شعبية عارمة، أعملت خلالها قوات الاحتلال قتلا وإرهابا بالفلسطينيين، حيث فتحت النار على المتظاهرين مما أدى إلى استشهاد ستة فلسطينيين.
وقد صادرت سلطات الاحتلال منذ العام 48 حتى يومنا هذا الغالبية العظمى من أراضي فلسطين، وأقامت فوقها ملايين الوحدات الاستيطانية والمواقع العسكرية، فيما لا تزال عمليات التهويد جارية خاصة في مدينة القدس التي تشهد تصاعدا في إجراءات هدم المنازل وطرد السكان والحفر أسفل المسجد الأقصى.
ولا يملك الفلسطينيون في الثلاثين من مارس كل عام إلا أن يتذكروا أرضهم المسلوبة فيما بينهم، ويبكوا أطلال بيت كان هنا أو حارة كانت هناك، بانتظار صحوة عربية تساعدهم في استرجاع أرضهم وإنهاء اغتصابها.

