الإعلام الحربي _ غزة
سريعاً جاءت رده فعل جيش الاحتلال لطمأنة سكان المستوطنات في محيط قطاع غزة، من خلال التقليل من أهمية تصريحات أحد ضباطه التي اعتبرت أن حرباً وشيكة من الممكن أن تندلع ضد غزة، حيث بات واضحاً أن الحديث عن الحرب لم يعد مقلقاً بالنسبة إلى الفلسطينيين وحدهم.
وتناولت وسائل الإعلام الصهيونية في الآونة الأخيرة، سيلاً من التصريحات من قادة وضباط جيش الاحتلال الصهيوني تتحدث عن قرب مواجهة عسكرية مع المقاومة الفلسطينية التي تعاظمت قوتها في قطاع غزة، ما آثار الغضب والخوف لدى مستوطني غلاف غزة. ويخشى المستوطنون من اندلاع أي حرب جديدة مع غزة، فالحديث عن الحرب يعيد شريط ذكريات صعبة أمام أعينهم، فطيلة أيام الحرب الأخيرة على غزة والتي استمرت 51 يوماً، اضطر المستوطنون المقيمون في محيط القطاع للفرار من مستوطناتهم تاركين كل شيء خلفهم، فيما لم يجد المستوطنون في المدن الكبرى مثل (تل أبيب) من ملاذ للهروب من جحيم الحرب سوى البقاء في ملاجئ تحت الأرض.
وكشفت مصادر عسكرية صهيونية النقاب عن قيام قائد المنطقة الجنوبية إيال زامير بلقاء قادة مستوطني الغلاف السبت الماضي، وذلك في محاولة للتهدئة من روعهم والتقليل من أهمية تصريحات ضابط الجيش.
كما بعث رئيس مجلس مستوطنات "شاعر هنيجيف" برسالة تهدئة هو الآخر لمستوطنيه قال فيها إن "الأوضاع على ما يرام وأنه يثق بأن أمنهم بأيدٍأمينة".
وزاد من رعب وخوف المستوطنين تصريح وزير الخارجية الصهيوني السابق وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان السبت، بأن قيادة حماس تسعى في الحرب القادمة للسيطرة على "كيبوتسات" صهيونية في غلاف غزة.
وفي ذات السياق، توالت ردود مستوطني الغلاف الغاضبة رداً على تصريحات الضابط التي وصفوها بمسلسل الرعب، متهمين الجيش بالتواطؤ مع الحكومة للقيام بحملة رعب جديدة، في الوقت الذي يعجز كلاهما عن إيجاد حل واقعي لمشكلة المواجهة مع القطاع.
استغلال سيء
المحلل السياسي حسن عبدو، يرى أن المستوطنين يعانون من أوضاع نفسية متردية ومستمرة بسبب هاجس الحرب والمواجهات القائمة بين غزة و"إسرائيل".
وقال عبدو: "منذ انتهت الحرب الأخيرة على غزة، والمستوطنون لا يهدأ لهم بال، ولا ينامون نوماً هنيئاً في مستوطنات الجنوب المحاذية لقطاع غزة، ويحتاجون إلى زيارات مستمرة من قادة الجيش من أجل طمأنتهم، وخاصة بعد سماعهم بآذانهم ما يعتقد أنه أعمال حفر المقاومة. لذلك لم تعد الحرب نزهة بالنسبة إلى الكيان الصهيوني"
وأوضح أن المقاومة الفلسطينية تطور نفسها باستمرار، وتحفر المزيد من الأنفاق، بما يشكل إخلالاً مستمراً للأمن الصهيوني في المستوطنات المحاذية لغزة، الأمر الذي يبقي المستوطنين في حالة خوف مستمر.
ولفت عبدو النظر إلى أن الكيان الصهيوني يحاول تعزيز فكرة الخوف والخطر الدائم في نفوس مستوطنيه عن قصد، لإبقاء الجمهور قريبين من اليمين الصهيوني الذي يتولى حكم الكيان الصهيوني، "وهذا يعد أسلوباً من أساليب نتنياهو لإبقاء السلطة تحت يده. لذلك فإن تحقيق الأمن في المستوطنات الجنوبية مسألة مستحيلة".
وأضاف: "وهذا لا يعني أن نتنياهو قادر على توفير الأمن ولكن لا يريد، بل إنه لا يستطيع أيضاً، وما يجري هو محاولة من نتنياهو لاستغلال هذه الحالة لصالحه، وتهدئة المستوطنين من خلال الذهاب إليهم والحديث معهم، أو برصد المزيد من الميزانيات لصالحهم من أجل الشعور بحال أفضل".
ولكن عبدو لا يرى أن المقاومة أو "الاحتلال" ترغبان في تصعيد الأجواء وصولاً إلى مواجهة وشيكة، بسبب عدة ظروف تمنعهما من ذلك، "فالكيان الصهيوني يعلم جيداً أن القوى العسكرية لم تعد تقدم حلول جذرية لمسألة المقاومة في غزة، كما أن المقاومة تعلم جيداً أن مسألة التوجه نحو الحرب دون وجود ظهير إقليمي كما هو الحال الراهن سيكون أمراً خاطئاً".
وأضاف في نهاية حديثه: "ولكن هذه المعطيات قابلة للتغيير، ولا يجب الإبقاء عليها إلى الأبد، فعندما يختار الكيان الصهيوني الحرب ليس أمام المقاومة سوى المواجهة والتصدي".
محطة انتقالية
أما المحلل السياسي المتخصص في الشأن الصهيوني، إبراهيم جابر، فيرى أن سيناريو الحرب بات كابوساً بالنسبة إلى الصهاينة وسكان المستوطنات المجاورة لغزة، مشيراً إلى أن الحرب الأخيرة على غزة شكلت محطة انتقالية في سياسة الحروب بين المقاومة في غزة و"الكيان الصهيوني".
وقال جابر: "اليهود الذين جاؤوا من كل مكان في العالم وسكنوا الداخل المحتل عام 1948، جاؤوا بسبب الوعود التي قدمت إليهم بالأمان والحياة والاستقرار، ولكن استمرار المقاومة وهذه الحروب قوضت هذه الوعود وجعلتها حبر على ورق بالنسبة إلى الصهاينة".
وأوضح أن الحرب لم تعد مرهقة بالنسبة إلى غزة فقط، بل هي أشد إرهاقاً بالنسبة إلى (تل أبيب) لأن الناس هناك لا يستطيعون تحمل الضنك المعيشي أو العيش في الملاجئ لساعات محددة، وذلك لأن معظمهم لا يؤمن بقضيته أو روايته ما يبقيهم ضعفاء باحثين عن الأمان والسلامة فقط ولا يرغبون في تقديم التضحيات.
ولفت جابر النظر إلى أن معيار الوطنية انخفض بشكل ملموس خلال الأعوام الماضية، ومن مظاهره التهرب من الخدمة العسكرية، ورفض المتدينين الدخول في الجيش، مشيراً إلى أن تعاظم قوى المقاومة الفلسطينية يزيد من قناعة الصهاينة يوماً بعد يوم أن أي حرب جديدة ستكون وخيمة عليهم.
وبيّن أن الحروب الخاطفة التي كان يتبعها "الاحتلال" وتحقق أهدافه بسهولة، لم تعد صالحة في هذا العصر الذي استطاعت فيه المقاومة أن تخلق معادلة عسكرية جديدة، أساسها الهدوء يقابله الهدوء، وفي حال حصل التصعيد فإن المقاومة باتت قادرة على إلحاق الضرر في العمق الصهيوني.
وأضاف جابر: "كافة المشاهد السابقة أصبحت تسيطر على أذهان الصهاينة وقادة الكيان أيضاً، لذلك فإن السياسيين والعسكريين باتوا أكثر تردداً في دخول حرب جديدة ضد المقاومة في غزة".
كما نوه إلى أن جيش الاحتلال بات مطالباً اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بتوفير الأمن للمستوطنين، ولكن المستوطنين يعلمون أن جيشهم لم يستطع حتى اللحظة توفير الأمن بسبب عدم قدرته على التعامل مع الأنفاق العسكرية وإن كان استطاع التعامل بشكل محدود مع صواريخ المقاومة من خلال منظومة القبة الحديدية.
المصدر/ الإستقلال

