الإعلام الحربي- خاص
على يديك تختصر المسافات، وتختصر الحكايات.. عبقرية فريدة.. في دماغ لا يعرف المستحيل.. هم شهدوا لك بعقلية مهندس فذّ.. يحسن القفز نحو اللاحدود.. في زمن الرصاصة كنت تبتكر الراجمة.. وفي زمن الصاروخ تعلق دماغك بالطائرة.. طفت الدنيا تحت جنح السرية وفي ترتيبات أمنية معقدة.. وكما اسمك الحركي "توفيق" حالفك التوفيق في كل حركة تحاول فكّ اللغز.. كيف نجتاز العوائق ونهبط في وسط المفاجئات لمسافة الصفر.. بحثت عن الطائرة فهل وصلت..؟
ما أحاطك من سرية شكلت هاجساً مرعباً له.. اغتالوك ليغتالوا معك الإبداع والتطوير.. فهل كما كنت تردد سأرحل قريباً.. جهزت نفسك للرحيل بسيل من المهندسين..؟ وقنابل من مفاجئات..؟ هم لا يعلمون.. و "سرايا القدس" بالتأكيد تعلم..
30 أبريل / نيسان من كل عام ذكرى أليمة، وقعها على قلوب المحبين أثقل من الجبال، ذكرى رحيل المهندس القائد والمربي الفاضل الشهيد عوض القيق "أبو محمد" رحمه الله..
الاعلام الحربي وإحياء للذكرى الثامنة على رحيل القائد عوض القيق التقى بالمجاهد " أبو إبراهيم" الصديق المقرب من " أبو محمد" ورفيق دربه لمدة تزيد عن 5 سنوات في ميدان العمل المقاوم ضمن صفوف "سرايا القدس"..
"أبو إبراهيم" استهل حديثه بالقول بأنه على مدار معرفته بـ " أبو محمد" لم يعرف قاموسه كلمة المستحيل، ولم يستسلم أبداً للمعوقات، كان شعاره الدائم الانجاز والنجاح ولا يعرف أي معنى للفشل والاستسلام.
وأضاف بأن العمل مع " أبو محمد " كان له رونق خاص، يبعث في قلب كل مجاهد العزم والقوة على الانجاز أكثر والابداع أكثر.
وبين بأن شخصية " أبو محمد" قطفت من كل بستان للفضيلة زهرة، فجمع بين الأدب والخلق وبين العلم والابداع وبين التدين والتواضع حتى سمى بروحه وفكره وارتقى لربه شهيداً زكي النفس.
وأوضح قائلاً " عرفنا " أبو محمد " عن قرب، وكنا نرى في عينيه نظرات المودع في كل لحظة، وغادرنا مبكراً .. لكنه استطاع في وقت قياسي أن يكمل رسالته على أكمل وجه .
وتابع بأن " أبو محمد" كان يتمتع بعقلية فذة في مجال العمل التقني، حيث ترك بصمات واضحة في هذا المجال، منها ما تم الكشف عنه ومنها ما بقي طي الكتمان إلى اللحظة.
من جانبه أكد " فارس" أحد الطلبة الذين تتلمذوا على يد الشهيد المربي " عوض القيق" بأن أستاذه كان مثالاً للمعلم المعطاء المخلص في عمله.. مبيناً أنه كان كثيراً ما يلحظ في تأديته لرسالته الحرص والهمّ على مصلحة الجميع انطلاقاً من مبدأ الأمانة.
وأشار إلى حالة الصدمة التي عصفت بالجميع بعد إشاعة خبر استشهاد الأستاذ " عوص القيق" وكيف كانت أجواء الحزن التي خيمت على قلوب الطلبة والأساتذة والمحبين بشكل عام.
وزاد.. لا نزعم بأن الاستاذ "عوص القيق " قد خلّف بعد استشهاده فراغاً لن يملأه أحد من بعده، ولن يحسن أي شخص على هذا القدر من الرتبة العلمية والعملية أن يتقن نفس الدور في ميدان العلم والجهاد.
تجدر الاشارة إلى أن الشهيد عوض عبد الفتاح القيق " أبو محمد" (33عاماً) من مواليد 10/3/1975م في مخيم جباليا للاجئين لأسرة فلسطينية ميسورة الحال، يعد الشهيد الابن الوحيد بين خمسة بنات، بعدما فقدت أسرته شقيقه الوحيد من الذكور محمد شهيداً داخل الأراضي المحتلة.
وينحدر شهيدنا المجاهد من قرية "عراق سويدان" التي دمرتها العصابات الصهيونية قبل ما يزيد عن سبع وستون عاماً داخل أراضينا المحتلة، حيث عانت عائلته من رحلة التشرد والحرمان إلى أن استقر بها المقام في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة، بعد أن مكثت عدة سنوات في مخيم جباليا شمال القطاع.
تلقى شهيدنا مراحل تعليمه الأساسي في مدراس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين بمخيم جباليا، فكان من الطلبة المتفوقين والمتميزين في كافة الأنشطة المدرسية الأمر الذي جعله محط إعجاب وتقدير لدى أساتذته وزملائه، قبل أن ينتقل وأسرته إلى العيش في مخيم رفح حيث أكمل هناك تعليمه الثانوي بتفوق، لينتقل بعدها إلى المرحلة الجامعية والتحق بقسم "الكيمياء والفيزياء" ليتخرج منه بتقدير عام امتياز، وسرعان ما التحق بعدها في مجال التدريس بمدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين .
وما هي إلا سنوات قلائل حتى ارتقى شهيدنا المجاهد السلم الإداري في وظيفته الإنسانية الرائعة، ليصبح وكيلاً في مدرسة ابن سينا، قبل أن تختاره الوكالة ليصبح مديراً لمدرسة "هـ" الإعدادية حتى استشهاده.
أما فيما يتعلق بعمله العسكري فإن الكثير منها لا زال طي الكتمان، وما تسرب عن عمله الجهادي أنه كان أحد القادة الفنيين ومهندسي صواريخ سرايا القدس، والعاكفين على تطويرها، ويسجل له إشرافه على تخريج عشرات الدورات من مهندسي صواريخ سرايا القدس، والعبوات الناسفة، فيما لا تزال وحدة الهندسة والتصنيع في سرايا القدس تتحفظ على كشف العديد من الانجازات التي حققها الشهيد طوال فترة حياته.
هذا وقد تعرض الشهيد لعدة محاولات اغتيال باءت معظمها بالفشل حتى صباح يوم الثلاثاء الموافق 30/4/2008م الذي ارتقت فيه روحه العلياء اثر استهدافه بصاروخين على الأقل أطلقتهم طائرة أباتشي صهيونية باتجاهه ما أدى إلى استشهاده ورفيقه المجاهد في سرايا القدس أسامة الهوبي الذي أصيب بجراح بالغة ارتقى على أثرها شهيداً بعد يومين من جريمة الاستهداف.
وقد نقل الإعلام الحربي نص الرسالة الأخيرة التي أرسلها الشهيد القائد " عوض القيق " إلى أحد أصدقائه قبيل لحظة استشهاده بـ 15 دقيقة وإليكم نصها .." إن خدعتك الدنيا فانظر في عيون أبناء الشهداء، سترى في عيونهم من رحلوا إلى السماء واسأل أكتافك من بالأمس حملتهم أشلاء أم غابوا وبقوا مجرد أسماء، فاضرب ولا تأبه فالدنيا مجرد أشياء، وقف على القبور ونادي عليهم فلقد أكل التراب أكفانهم وتحجرت حبات الرمل من دمائهم، واحمل ذكرياتهم وإلى الأمام سر بكل كبرياء".

