في ذكرى النكبة.. صورة عز رسمها الأجداد ومضى على خطاها الأحفاد

الأحد 15 مايو 2016

الإعلام الحربي _ خاص

الحاج عبد الله أبو تيم 82عاماً، والحاج محمد عرفة 85 عاماً، والحاج أحمد سالم أبو حطب 75 عاماً، ثلاثتهم جمعتهم مرارة ولوعة الهجرة والبعد عن موطنهم الأصلي، فوجدوا في ثنايا أحد المساجد في قطاع غزة فسحة لاستحضار أحداث ومواقف وصور ومحطات حميمة نابضة بالحياة من فلسطين الهوية والتاريخ.. فلسطين بكامل سهولها وهضابها وتلالها التي عمدت بدماء الشهداء وعذابات الجرحى والمضطهدين.

لم ولن نتخلى عن العودة
ويقول يقول الحاج أبو تيّم لقد غادرت قرية "القبيبة" وعمري 19 عاماً، وهذا ما يعطيني القدرة على تذكرها بشكل جيد ودقيق، فقد كنت أعمل مع أهلي في زراعة الحمضيات ، وكان لي شرف المشاركة في الدفاع عن قريتي في المعارك الضارية التي جرت بيننا وبين العصابات الصهيونية "الهاغاناة".

وتابع: لقد هاجمت العصابات الصهيونية قريتنا لأكثر من خمسة مرات وفي ساعات متأخرة من الليل، لكنها تقهرقت أمام بسالة وصمود واستماتة رجال وشباب القرية الذين هبوا للدفاع عن بيوتهم ومزارعهم بأقل الإمكانات المتوفرة من العصي والفؤوس والسيوف وبعض الأسلحة العثمانية القديمة".

ويضيف أبو تيم لـ"الإعلام الحربي": "نظراً لكثرة الاعتداءات الصهيونية على حقولنا ومزارعنا قمنا بتشكيل مجموعات من الشباب للرباط على أطراف القرية لحراستها من العصابات الصهيونية التي كانت تهاجمنا من المستوطنات القريبة"، مؤكداً أن فارق الإمكانات في العتاد كان دوما ً يصب في مصلحة العصابات الصهيونية، ولكن أهل القرية الذين باعوا مصاغ زوجاتهم وكل ما يملكون لشراء بندقية "ألمانية" بمائة جنيه فلسطيني ومخزن رصاص به خمس طلقات بخمسة وعشرون قرشاً، أبوا أن يتركوا بيوتهم وبياراتهم من دون قتال حتى الرمق الأخير.

قاتلنا حتى الرمق الأخير
وتحدث أبو تيم باستفاضة عن المعركة الأخيرة التي دارت بين سكان قرية "القبيبة" قضاء الرملة والعصابات الصهيونية والتي استمرت لأكثر من يومين متواصلين استخدم فيها سكان القرية الأسلحة المتواضعة وقنابل "المولوتوف"، في حين استخدمت العصابات الصهيونية التي حاصرت القرية من الجهات الأربع مدافع "المورتر" والأسلحة الرشاشة والطائرات الحربية التي لم تتوقف عن قصف المنازل والاراضي، مؤكداً أنه كان بإمكانهم الصمود لفترة أطول لكن قلة الإمكانات ونفاد الذخيرة دفعهم لترك القرية والهرب نحو قبة النبي يونس للاحتماء لكن العصابات الصهيونية لاحقتهم، لتبدأ رحلة هجرتهم عن قريتهم التي احتلتها العصابات الصهيونية ودمرت كامل منازلها التي لازال بعض طلالها شاهد على مدى عنجهية هذا الكيان المارق.

ويضيف أبو تيم أن الحرب الصهيونية الرامية إلى اقتلاع شعبنا الفلسطيني من أرضه لم تكن وليدة عام 48 بل منذ بدأت الهجرة الصهيونية تتوالى على فلسطين، كما أنها لم تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل شملت الجانب الاقتصادي حيث حرصت المؤسسة اليهودية على تدمير كافة مقومات الاقتصاد الفلسطيني من خلال ضرب سوق تصدير المنتجات الفلسطينية لاسيما الحمضيات، بالإضافة إلى الجانب النفسي حيث استغلت العصابات الصهيونية ضعاف النفوس لنشر الشائعات وسط المواطنين لإجبارهم على ترك بيوتهم الفرار قبل وصول العصابات الصهيونية إلى مشارف قراهم.

وبالرغم من طول فترة الغياب القسري عن مسقط رأسه شدد أبو تيم على أن اليوم الذي سيعود فيه إليها هو أو أي من أبنائه أو أحفاده لا بد قادم، داعيا إلى استخلاص العبر والدروس من السنوات الماضية وتدارس تجارب الشعوب الأخرى التي عاشت يوما ً تحت نير الاحتلال والعمل على استنهاض الجميع من أجل معركة التحرير التي لا بد أنها قادمة.

لا زلت تعيش فيّه
في حين أطلق الحاج محمد عرفة 85 عاماً الملقب بـ "المهاجر" تنهيدة طويلة وهو يعود بذاكرته إلى قريته الأصلية "القسطينة" التي هُجّر منها قائلاً :" لا زلت أذكر كل حارات ومنازل قريتي بالتفصيل وأعرف كل حجر من حجارتها، فقد كانت منازلها مبنية بالطوب ومسقوفة بالقصب، لكن المنازل الأحدث عهداً مبنية بالحجارة والأسمنت، وكانت فيها مدرسة صغيرة، ومسجد وديوان يجتمع فيه سكان القرية بعد عودتهم في المساء من حقولهم حيث كانوا يعملون بصورة أساسية في الزراعة منها القمح والذرة والسمسم والخضار المختلفة، حيث كانوا يعتمدون على مياه الأمطار والآبار حيث كانوا يسحبوها بالساقية التي كانت تجرها الماشية".

متمترساً خلف بندقيته
يصمت الحاج محمد عرفة قليلا ً ويضيف: كانت أخبار المجازر التي ترتكبها العصابات الصهيونية تتوارد إلينا على لسان شهود عيان الذين قدموا من القرى المجاورة إلى قريتنا للاحتماء بها، أو نقلاً من الإذاعات العربية كإذاعة فاروق وإذاعة الملك عبد الله، فتسلل الخوف إلى قلوبنا كباراً وصغاراً رجالا ً ونساءً من هول ما كنا نسمع من مجازر مروعة كانت ترتكب بحق الأطفال والنساء والشيوخ"، مؤكداً أن الأحداث المتتالية لم تمهل سكان القرية فرصة التأكد من حقيقة تلك الروايات التي كانوا يسمعونها وأصبحت حديث مجالسهم.

وبين عرفة أن سكان القرية هرعوا إلى حفر الخنادق للاحتماء بداخلها في فترة المساء تحسباً لأي هجوم مفاجئ ليلاً فيما فضل البعض منهم النوم في التلال والحواكير والبيارات القريبة ومن ثم العودة إلى منازلهم في صباح اليوم التالي.

ويتابع الحاج محمد حديثه لـ"الإعلام الحربي": " كانت مشاهد غريبة من الرحيل اليومي، شيء قد لا يصدقه العقل، كل يوم تساق الحيوانات وهي تحمل ما خف وزنه وارتفع ثمنه، ويودع الزوج زوجته وأطفاله الذين قد لا يراهم ويمضي بقية الليل في الدفاع عن تراب الوطن، متمترساً خلف بندقيته القديمة".

ويردف قائلا: لقد زادت مخاوف سكان القرية بعدما سيطرت العصابات الصهيونية على العديد من المدن والقرى التي هجرها أهلها إما بفعل الهجمات الصهيونية أو الخوف من القادم، ويعزو "المهاجر" الأسباب الرئيسة لهجرة السكان إلى الجهل الذي كان متفشيا كالوباء في أوساط الشعب، وانتشار أنباء المذابح والشائعات بشكل كبير ومهول، وخصوصا الاعتداءات على الشرف التي كانت تخيف الشارع الفلسطيني كثيرا.

سنعود يوماً
وعن أوضاع اللاجئين في مناطق اللجوء يقول الحاج احمد سالم أبو حطب 75 عاماً "أن حلم العودة لا يمكن أن ينتزع من صدورنا وقد أورثناه لأولادنا وأحفادنا وكلي ثقة أن أحد من ذريتي سيعود يوماً إلى قريتي "حمامة" ليسكن ارضي ويعمر بيتي فالاحتلال لن يدوم والى زوال، مؤكداً أنه لو توفرت الإرادة العربية والإسلامية لما عاش الكيان الصهيوني 68 عاماً جاثماً على ارض فلسطين" .

ويضيف أبو حطب لـ"الإعلام الحربي": "قصة شعبنا الفلسطيني لم تقف عند هجرة أكثر من 800 ألف فلسطيني أو ما يزيد في ذلك الوقت، بل إن الاحتلال البريطاني والدول الكبرى يتحملون المسئولية المباشرة عن هجرتنا فتلك الدول مكنت العصابات الصهيونية من السيطرة على فلسطين في ذلك الوقت والى يومنا هذا، في ظل صمت وموقف عربي مطبق لا يحمل في جعبته إلا أدوات الشجب والاستنكار".

وتابع القول: "كيف أنسى مشاعر الخوف والحسرة التي سكنت قلبي وأنا أغادر منزلي تاركاً ورائي أي حلم بالحياة متجها نحو بلاد لا اعرفها ولا أعرف أين ستحط رحالي، فغزة جزء من فلسطين لكنها ليست قريتي التي عشت فيها زهرة شبابي"، مردفاً القول :" كنا نتوقع أن خروجنا من قرانا مدننا مجرد نزهة كما أخبرتنا الجيوش العربية لكن اليومين أصبحوا سنين وسنين طوال".

وعن فترة ما بعد النكبة يقول أبو حطب "في البدايات كانت الحياة صعبة جداً، ولم يكن من الممكن لأي إنسان أن يقبل تجريده من هويته ووطنه، لكن الأحداث المتعاقبة عمقت ثقة الفلسطيني بنفسه بفضل تضحيات شعبنا الكبيرة، التي توجت بانتصاري بشائر الانتصار والسماء الزرقاء والبنيان المرصوص "، مؤكداً أن انتصار المقاومة يؤكد أن فلسطين حتماً ستعود إلى أهلها مهما طال ليل الاحتلال وظُلمه.

وختم أبو حطب حديثه بالقول: عودتنا إلى قرانا ومدننا حق كالشمس، ويقين ساكن في قلوبنا لا يمكن لأي كان أن يزحزحه، فمهما عظمت التضحيات وطالت السنوات، سنظل ننشد لليوم الذي ترتفع فيه راياتنا فوق كل شبر من ارض فلسطين التاريخية.

على خطى الأجداد ماضون
بدوره يؤكد المجاهد في سرايا القدس "أبو البراء" على مواصلة طريق الجهاد والاستشهاد التي رسمها الأجداد الأوائل وحملها جيل بعد جيل بخطى ثابتة نحو تحرير فلسطين، مشدداً على حتمية الانتصار مهما طال الزمن أو قصر.

ويحرص "أبو البراء" الرباط على حدود قطاع غزة التي تفصله عن مدينته "اسدود المحتلة"، قائلاً لـ"الإعلام الحربي" في ذكرى النكبة:" تشربت حب الوطن من جدي وجدتي ووالديه، ومنذ أن قوي ساعدي حملت حجر وألقيته في وجه العدو الصهيوني الذي فر هارباً من قطاع غزة، وها أنا اليوم أحمل السلاح وأقف أمام تلك السياج التي تفصلني عن مدينة الأجداد التي اقتلعوهم منها عنوة وبسبب الخيانة، بانتظار اللحظة التي سأقتحم فيها تلك الحدود المصطنعة لأصنع النصر الذي طال انتظاره"، مؤكداً أن زمن الهزائم والانتصارات الوهمية التي كان يحققها العدو الصهيوني على الجيوش العربية المهزومة ولى بلا رجعة.

وشدد المجاهد "أبو البراء" على أن زوال الكيان الصهيوني الظالم من فلسطين بات قاب قوسين أو أدنى.