الإعلام الحربي _ خاص
الزمن : الساعة الواحدة من بعد منتصف الليل.
التاريخ : 18 مايو/ أيار من سنة 2004م.
المكان : حي تل السلطان الواقع غربي محافظة رفح.
الحدث: اجتياح واسع من قبل قوات الاحتلال الصهيونية للحي من عدة محاور.
كان المشهد غير اعتيادياً على أهالي حي "تل السلطان"، الذين استفاقوا على أصوات صليات الرصاص الكثيفة التي أطلقتها مجموعة من القوات الخاصة الصهيونية في اشتباكها مع مجموعات المقاومة على مداخل الحي عندما فضح أمرها، بعد أن تسترت بلباس المقاومة ظناً منها أنها ستتمكن من دخول الحي وخداع المرابطين .
تسارعت الأحداث شيئاً فشيئاً، وانبلج نور صدق صباح هذا اليوم، الذي أزاح ستار ليله على شهادة مباركة ظفر بها الفارس الهمام ابن سرايا القدس الشهيد البطل/ زياد حسين شبانة، الذي أبهر الجميع بشراسته في ميدان القتال وبقوة انتمائه لسلاحه الذي حمله بقوة طوال فترة حياته، وتشبث به لحظة استشهاده.
ساعات قليلة حتى زحفت القوات الصهيونية المؤللة باتجاه الحي من عدة محاور وعملت على اجتزائه وفصله بالكامل عن محافظة رفح، ونفذ الجيش اجتياح موسع لمنطقة تل السلطان، تقدمت من خلاله الآليات لقطع الطرق الرئيسية للمنطقة والتوغل في المناطق المتاخمة لمغتصبة رفيح يام وتل زعرب، ومحاولة السيطرة على المناطق المرتفعة ونصب القناصة في المنازل العالية ومنع أي تحرك داخل المنطقة حتى أحكمت السيطرة على الحي بشكل كامل.
يقول الشيخ الدكتور أبو بلال الأسمر الذي عايش اجتياح الحي وتابع مجرياته عن كثب في شهادته للإعلام الحربي أن الاجتياح بدأ وتقدمت القوات الصهيونية من ثلاث محاور أساسية، المحور الغربي الذي تحده مستوطنة " رفيح يام" والمحور الشمالي الذي تحده مستوطنة " موراج " والمحور الجنوبي وهو عبارة عن الشريط الحدودي أو ما يعرف بمحور " فيلادلفيا"، تحت غطاء كثيف من قبل الآليات المتوغلة بشكل غير مسبوق.
وأوضح أن المقاومة في حي تل السلطان رغم صعوبة العمل فيه من الناحية الأمنية نظراً للعديد من الاعتبارات إلا أنها كانت حاضرة وشاهدة، مدعومة بصبر الناس وجلَدهم، وبفضل الله –تعالى- بقيت معنويات الناس عالية رغم حالة الخوف والذعر الذي كان يعيشه أهالي الحي.
وبين الدكتور " الأسمر " أن المقاومة بامكانياتها المتواضعة آنذاك منعت العدو الصهيوني من تنفيذ طموحاته وأمنياته في تركيع وإذلال الشعب الفلسطيني.. ولكن في فترة لاحقة ليست بالكبيرة استطاعت المقاومة الوصول إلى أعلى المستويات من التجهيز، وتمكنت من مواجهة العدو الصهيوني والتصدي لغطرسته وإجرامه.
وفي خضم حديثه.. استرجع الدكتور " الأسمر" حدثاً يعد الأبرز في فترة اجتياح " تل السلطان" وهو توجه المسيرة الشعبية التي دعى إليها تجمع القوى الوطنية والإسلامية المواطنين بمدينة رفح للمشاركة فيها دعماً وإسناداً للمواطنين المحاصرين، ومحاولة لكسر الطوق الأمني والعسكري الصهيوني المفروض على الحي، قائلاَ: " لما سمعنا أن هناك مسيرة قادمة لإنقاذ منطقة تل السلطان وفك حصارها، كانت المعنويات تعلوا وترتفع، وهذا ما كنا نشعر به في وقتها.. تابعنا حركة المسيرة عبر الاذاعات المحلية وكنا ننتظر لحظة وصولها والتحامها بأهالي المخيم الحاصرين، إلا أن كيد العدو حال دون وصولها واستهدفها بقذائف المدفعية وصواريخ الطائرات، ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشهداء وإصابة الكثير من المشاركين في هذه المسيرة ".
واختتم "الأسمر " حديثه بأن الاحتلال لم يحقق أياً من أهدافه وطموحاته ولن يحققها في أي مواجهة قادمة، حتى لو اجتاح كل شبر في غزة، لأن هذه الأرض ستتحول إلى قبوراً له ولجيشه المهزوم.
وفي سياق متصل أدلى الأستاذ "ماجد المشوخي" بشهادته عما جرى داخل حي "تل السلطان" لحظة اجتياحه من قبل القوات العسكرية الصهيونية، وما ارتكبه الجنود من ممارسات وحشية وهمجية بحق السكان، مؤكداً بأن الهدف القريب والبعيد للعملية الصهيونية " قوس قزح" كانت رفع معنويات الجنود الصهاينة التي أصبحت في أدنى مستوياتها بعد تلقيه أعنف الضربات من قبل أبناء "سرايا القدس" الشهيدين البطلين حازم ارحيم ومحمد الراعي في ضربتين منفصلتين بفارق لا يتعدى الــ 1948م ساعة أوقعتا فيها ما يزيد عن 10 قتلى، بالإضافة إلى تدمير عدد من الآليات التي تعد الأحدث لدى الجيش الصهيوني ويصفها بـ مفخرة الصناعات العسكرية لديه.
وأشار إلى أن القوات الصهيونية المتوغلة تمكنت في اللحظات الأولى من السيطرة على عدة مباني، وكانت مجموعات المقاومة لها بالمرصاد وارتقى الشهيد " زياد شبانة " ابن سرايا القدس أثناء تصديه لتلك القوات في بادئ المواجهة.
وسرد " المشوخي " العديد من القصص الإنسانية المؤلمة التي تعرض لها سكان الحي، وكيف أعملت الآلة العسكرية الصهيونية قتلاً في صفوف الأهالي دون تمييز بين كبير أو صغير ولا مقاوم أو مدني.
وبين في تعقيبه على المسيرة المؤازرة لأهالي حي " تل السلطان" والتي يعد الشهيد القائد " صلاح أبو حسنين" -رحمه الله- أبرز منظميها والداعين لها بأن المسيرة كانت سبباً من أسباب فك الحصار عن الحي المحاصر ورفع المعاناة عن أهله وسكانه.
تجدر الاشارة إلى أن الجيش الصهيوني وفي تبريراته الكاذبة والمضللة للرأي العام العالمي والدولي قال بأن عملية " قوس قزح" كما أسموها جاءت كرد فعل على مقتل الجنود الستة الذين قتلوا جراء استهداف آليتهم بقذيفة آ ربي جي كان قد أطلقها الشهيد البطل محمد الراعي باتجاه الآلية في منطقة محور فيلادلفيا الواقعة على الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر بتاريخ 12 مايو/ أيار 2004 م.
وأورد بأن حكومته وافقت على خطة لتوسيع "محور فيلادلفي" عن طريق تدمير "عشرات أو ربما مئات" من المنازل في المناطق الملاصقة للحدود والقريبة من أبراجهم وثكناتهم العسكرية.
وروجت الحكومة الصهيونية آنذاك بقيادة المجرم الهالك " أرئيل شارون" بأن شحنات من الأسلحة المتطورة التي تحتوي على أسلحة وذخائر متطورة ومضادات للطائرات وصواريخ بعيدة المدي قادمة من إيران وفي طريقها للفصائل الفلسطينية عبر الأنفاق، لذلك برر الجيش تنفيذه عمليه "قوس قزح" التي خلفت دماراً كبيراً في المنازل وممتلكات المواطنين وتدمير هائل في البنى التحتية بحجة هدم الأنفاق وملاحقة "المقاومين".
هذا وقد جاوز عدد شهداء المجزرة الصهيونية خلال أسبوع الاجتياح في حي "تل السلطان" الستين شهيد والثلاثمائة جريح مما أجبر الصحة الفلسطينية بوضعهم في ثلاجات حفظ الخضروات لعدم وجود ثلاجات موتى تستوعب عدد الشهداء، في مجزرة بشعة لا زالت تفاصيلها في ذاكرة سكان محافظة رفح.

