الإعلام الحربي-خاص
في فلسطين ستجد أن للمعاناة طعم ولون ورائحة .. فعلى الرغم أن شهر رمضان الفضيل يمثل شعيرة إسلامية ينتظرها المسلمون في كل أرجاء المعمورة صغاراً وكباراً بشوق ولهفة وبهجة وسرور، إلا أن مع قدومه ينكأ جراح الكثير الكثير من العائلات الفلسطينية التي غاب ذويها عنها قسراً بفعل الاحتلال الصهيوني الجاثم على صدورنا منذ 68 عاماً.
فكم من أسرة فقدت معيلها أو أيٍ من أركانها الأساسية وأفرادها أو جميعها بفعل الإجرام الصهيوني، وكم أسير غيبه الاحتلال في سجونه "النازية" قسراً على موائد الإفطار الرمضانية وحرمته وعائلته من الاحتفاء ببهجة رمضان المبارك.. وكم من مبعد يتشوق لوعة للحظة التي يجلس فيها مع أسرته في مثل هذه المناسبات الروحانية المليئة بالعادات الخاصة والأكلات التي لا يتقن إعدادها إلا الأمهات .
وجع البعد لشوق اللقاء
المبعد على قطاع غزة منذ قرابة الـ 15 ، أ. فهمي كنعان ، تحدث عن الوجع واللوعة التي تسكن صدورهم بسبب بعدهم القسري عن أهلهم وذويهم طوال عقد ونصف مضى، قائلاً بقلب يعتصر ألماً وحزنا:" إن ألم الفراق ومأساة البعد وشوقنا الكبير لأهلنا ومدينتنا يبقي ساكنا في قلوبنا يعذبنا ويحول كل مناسبة جميلة إلى مناسبة حزن نستذكر خلالها اللحظات الجميلة التي أعتدنا على قضائها مع أحبابنا وأقاربنا"، مؤكداً أن المبعد يظل قلبه معلقاً بوالديه وإخوته وأقاربه الذين حرم من رؤيتهم منذ رحلة إبعاده القسري حريصاً على معرفة أخبارهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم بمختلف وسائل المتاحة.
ويرى كنعان أن شهر رمضان والأعياد من المناسبات الهامة في حياة كل مسلم، لأنها تعيد لم شمل العائلة على سفرة واحدة، وخاصة أن الأمر في غير رمضان يكون صعباً بسبب انشغال الجميع، كما أنه يتميز بزيارة الأرحام والالتقاء في صلوات الترويح وحول موائد قراءة القرآن التي تتزين بها البيوت المسلمة والمساجد دون أي وقت في السنة، مؤكداً أنه واحد من مئات المبعدين محرومين منذ سنوات من رؤية ذويهم، مشيرا إلى أن بعض ممن أبعدوا فقدوا والديهم أو أحدهم دون أن يتمكن من رؤيته بسبب الحواجز والإجراءات الغير قانونية الصهيونية المتمثلة بالحصار الخانق والحرمان من السفر.
ولم يخفِ المبعد كنعان اشتياقه في رمضان الفضيل لبعض الأكلات التي تتميز بها مدن الضفة الغربية كالمنسف والمسخن واللحمة بالجبجب، وغيرها من الأكلات الرمضانية ، مشيراً إلى أن وجودهم وسط أهلهم في غزة لم يشعرهم يوم بالغربة ولكن يبقى الحنين للبيت والحارة وللمسجد وللأصدقاء وللأهل الذين لا غنى لنا عنهم ولا غنى لهم عنا.
ولفت المبعد فهمي كنعان أن قرار إبعادهم إلى قطاع غزة، كان لمدة عامين ثم يعودوا إلى بيوتهم وعائلاتهم، ولكن السنتين تحولوا سنوات طويلة قضيناه بين أهلنا في غزة التي تعرضت لثلاث حروب، وآخرين قضوها في الغربة مشتتين في بلاد الغربة، متهماً السلطة الفلسطينية بالتقصير وإهمال قضيتهم، إلى جانب ما شكله الانقسام من كارثة انعكست بالسلب على قضية المبعدين وغيرهم، ومنحت الاحتلال رخصة لتمعن في الاجحاف لحقوقنا وإكمال حلقة سرقتها لوطننا وتهويد مقدساتنا.
ويأمل كنعان أن يتم إدراج قضيتهم في الأمم المتحدة والمحافل الدولية لكي يتمكنوا من العودة إلى ديارهم وأهلهم، مؤكداً إلى أنهم توجهوا إلى كافة المؤسسات الحقوقية والسلطة الوطنية حتى أنهم خاطبوا جامعة الدول العربية والمنظمات الدولية للتدخل من أجل عودتهم إلى ذويهم وأرضهم التي أخرجوا منها ولكن دون جدوى.
ويذكر أنه قد تم إبعاد 39 محاصر من كنيسة المهد في العام 2002م، حيث ابعد 26 محاصراً إلى قطاع غزة و13 محاصراً إلى الدول الأوروبية فيما سمي بصفقة إبعاد كنيسة المهد.
غزة والسجن يجمعهم فراق الأحبة
أما المحرر المبعد إلى قطاع غزة ضمن صفقة "وفاء الأحرار" أ. كفاح العارضة فتحدث عن شوقه الشديد لوالده ووالدته وأشقائه وشقيقاته وأهله وربعه، مؤكداً أنها قضى ثلاثة عشر سنة في سجون الاحتلال وأربعة في الإبعاد أي نحو سبعة عشر عاماً لم يلتقي فيها بأسرته ، مؤكداً أن شهر رمضان والأعياد من المناسبات التي يزيد فيها وجعه وألمه نظراً لبعده أهله وعشيرته.
وقال العارضة لـ "الإعلام الحربي":" رغم الفرق الشاسع بين حياتنا وسط أهلنا في غزة المقاومة وسجون الاحتلال التي تتميز بصمود إخواننا الأسرى، إلا أنه يوجد الكثير من القواسم المشتركة بين قطاع غزة وسجون الاحتلال، فكلاهما يسيطر على مداخلهم الاحتلال ففي السجن كان الاحتلال يمنع أهلنا من زيارتنا ألا بشق الأنفس، ونحن في غزة يمنع أهلنا من السفر للالتقاء بنا "، معرباً عن خشيته أن يفقد والديه أو أحد منهم أو أي من أهله دون أن يتمكن من الالتقاء بهم وتقبيل يديهم واحتضانهم.
وتطرق المحرر العارضة إلى المعاناة الشديدة التي يعيشها الأسرى داخل سجون الاحتلال، واصفاً إياها بـ "الجحيم" الذي يجب أن يعمل الجميع بكل الوسائل والإمكانات لتخليصهم منه".
ووافقه الرأي المحرر المبعد الى قطاع غزة ضمن "صفقة وفاء الأحرار" منصور ريان الذي أكد انه لا يشعر بالغربة وسط أهله في غزة، قائلاً: "غزة والضفة والقدس كلها فلسطين، ما أتشوق لأكله من طعام كانت تعده لي أمي اطلبه من زوجتي الغزاوية التي استعصى عليها الأمر تتواصل مع أهلي لمعرفة طريقة عمله"، مؤكداً أن مشكلتهم تكمن في بعدهم عن أهلهم القسري رغم أن المسافة بين بلدته وقطاع غزة لا تتجاوز الأربع ساعات سفر".
ونبه المحرر ريان إلى ضرورة التركيز على معاناة الأسرى في داخل سجون الاحتلال والتي تتفاقم في المناسبات الدينية كرمضان والأعياد، لأن الاحتلال يرى فيها فرصة لكسر إرادة الأسير الفولاذية وتركيعه، ولكن أنى له ذلك".
تذكر ريان السنوات التي كان قضاها داخل سجون الاحتلال وحضر فيها رمضان، قائلاً :" أجمل ما في السجن أنه يجعل أقرب وأكثر تفرغاً لطاعة الله –تعالى-وقراءة القرآن ، إلا أن العدو الصهيوني يصر على تنغيص حياة الأسير وتعكير الأجواء الرمضانية من خلال تشديد بعض الإجراءات القمعية كمنع الأسرى من صلاة الجماعة وحرمانهم من بعض الأغذية الرمضانية وقطع الكهرباء عليهم"، سائلاً المولى -عز وجل- أن يعجل في فرجه على الأسرى جميعاً.
وتشكل هذه العائلات نموذجا لمعاناة آلاف العائلات الفلسطينية التي يحرمها الاحتلال من رؤية آبائها، وأبنائها، وأحبتها سواء في الأعياد أو المناسبات الدينية وغيرها.
الإبعاد سياسة المغتصب لصاحب الحق
ومن جهته أكد الأسير السابق الباحث المختص بشؤون الأسرى عبد الناصر فروانة أن سياسة الإبعاد والنفي القسري، هي جزء أساسي من سياسة حكومة الاحتلال في تعاملها مع الفلسطينيين منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية وطبقتها بشكل فردي وجماعي، وهي تحظى بمباركة ومصادقة كافة مركبات النظام الصهيوني, وأبعدت بموجبها آلاف المواطنين والنشطاء والأسرى، أو أقربائهم، وذوي بعض الاستشهاديين بعد موت أبنائهم، كعقاب جماعي وفردي لهم ولذويهم",
ودعا فروانة كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية والجهات السياسية أيضاً ، إلى تفعيل دورها وايلاء هذه القضية مزيداً من الاهتمام، والتضامن الفعلي مع المبدعين ومشاركتهم في فعالياتهم وأنشطتهم المختلفة الهادفة إلى ابراز قضيتهم، وعلى المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، بما يكفل ويضمن عودتهم و إغلاق هذا الملف المؤلم بعد أن مضى عليه سنوات".

