الإعلام الحربي _ خاص
بين هجرة وتشريد، نصب المهجّر الفلسطيني خيمته.. على أطلال الذاكرة وركام الأحلام، لم يكترث الفلسطيني يوماً لا لـ جوقة الساسة ولا وعودات السلام، وظل عقله معلقاّ بالنظر إلى أزقة المدن القديمة في القدس والخليل ..مشهد القبة المذهبة، وعبق بحر يافا وبرتقالها..
نعم هذا هو الفلسطيني الذي لا يشبه غيره.. وطّن نفسه في صحراء البلايا والخطوب.. الحرّ لا يضيره والثلج لا يخيفه والريح لا تهزه بصوتها الغضبان .
ومن هناك حيث حدود قطاع غزة الشرقية سلطت عدسة "الإعلام الحربي" الضوء على حكاية من حكايات الألم الفلسطيني التي لم تنتهي فصولها بعد ..، حكاية حرق وجهها حر الشمس وتيبست أطرافها من قسوة الشتاء وبرودته.. حكاية أصحاب البيوت المدمرة في حرب 2014م، الذين لا زالوا يسكنون بيوت الصفيح "الكرافانات" والبيوت الخشبية بعد أن دمر الاحتلال بيوتهم في معركة "البنيان المرصوص" .
واقع مرير
" أصبحنا نخشى طلوع الشمس، خوفاً من حرّها في تلك الظروف التي نعيشها" بهذه العبارة استهل المواطن " أبو حامد" حديثه لـ "الإعلام الحربي" وقلبه يعتصر ألماً ومرارة نتيجة للظروف الصعبة التي يقاسيها هو وعائلته منذ أن هدم منزله في صيف العام 2014م .
وتابع قائلاً: "نحن كأصحاب بيوت مدمرة تم استهدافها وتدميرها في مواجهة مع العدو الصهيوني، وما أعقبها من صعوبة التشرد واللجوء في المدارس بلا مأوى، نشعر بأننا نمتلك شهادة نفخر بها أمام الجميع ,, شهادة تشير إلينا بأننا وطنيون صابرون صامدون على هذه الأرض ولن نركع "، موضحاً أن آلاف العوائل التي تقطن المناطق الشرقية المحاذية للشريط الأمني قدّمت على مدار العقود الماضية الكثير الكثير من التضحيات، ووقفت في وجه العدو الصهيوني بكل بسالة وشجاعة، ولم تتخلى عن أرضها رغم كل ما فقدته من أهل وأبناء وأملاك ومقتنيات ومزروعات".
وتساءل أبو حامد والحسرة تملأ عينيه قائلاً: "أليس من الواجب على المسئولين وأصحاب المقامات الكبيرة في فلسطين وخارج فلسطين الوقوف عند مسئولياتهم إزاء إخوانهم المتضررين بفعل العدوان الصهيوني الغاشم، بتوفير ما يقيهم حرارة الشمس وبرودة الشتاء ؟!".
وأضاف: "ها هو شهر رمضان لعامه الثالث يحل علينا نحن الأسر المنكوبة دون أي بصيص أمل في الأفق لمأساتنا المتفاقمة".
وأشار إلى أنه وبالرغم من كل الظروف الصعبة، إلا أن الغالبية العظمى حاولوا أن يعيشوا أجواء رمضان كتلك التي كانوا يعيشونها في السابق، واستجلبوا معالم الفرحة ليدخلوها إلى قلوب الصغار والنساء والكبار.. فيما زينت الأزقة التي تتوسط تجمعات "الكرفانات" بالزينة والأضواء.
معاناة وآمال
من جانبه عبر المواطن " أبو حسن" عن غضبه وحنقه لحالة التباطىء الغير مبرر في حل مشاكل أصحاب البيوت المدمرة، متهماً القائمين على عملية الاعمار بالتقصير والتراخي في عملية بناء منزله المدمر أسوة بالآخرين من جيرانه وأقاربه".
ولفت " أبو حسن" خلال حديثه لـ "الإعلام الحربي" أن أصحاب المنازل المدمرة تحملّوا الكثير ولم يفقدوا الأمل في وجه الله –تعالى- ومن ثم الخيرين من النظر إلى مأساتهم والعمل على حلها بشكل سريع ومرضي لكل أصحاب البيوت المدمرة بفعل العدو الصهيوني.
وأشاد المواطن أبو حسن بدور بعض الجهات والجمعيات التي أثبتت حضورها في أكثر من مناسبة إلى جانب هذه الشريحة "أصحاب البيوت المدمرة" والتي كان حضورها مميزاً ولافتاً بتوفير الكثير من الحاجيات التي تعيّن الناس على البقاء والصمود إلى حين يشرع القائمين على إعادة اعمار بيوتهم المدمرة.
وعند سؤاله كيف استقبل شهر رمضان؟ أجاب " أبو حسن" قائلاً: "رمضان شهر خير وبركة، ولا يشعرهم على الإطلاق بالغضب أو السخط، لكن المؤلم حقيقة أن ترى كبار السن والصغار يعانون ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء داخل كرافانات لا تصلح للسكن الآدمي" .
وأكمل قائلاً: "لا أخفيك أن استمرار معاناتنا لنحو ثلاث سنوات يشعرنا بحالة من القلق الدائم على مصيرنا ، لاسيما أن لنا عوائل وأطفال لا يقوون على تحمل حرارة الشمس المرتفعة وفي الشتاء أجواء البرد القارص داخل كرافانات أشبه بالزنزانة الهشة".
ونوه " أبو حسن" إلى تعرض حياة طفل رضيع للموت هاجمته أفعى سامة وهو داخل إحدى كرافنة في منطقة خزاعة شرقي مدينة خان يونس، ولولا عناية الرحمن وانتباه والد الطفل إلى الأفعى ومهاجمتها على الفور وقتلها، لأصبح الطفل الآن في عداد الأموات".
وشدد "أبو حسن" في ختام حديثه أنه وعلى الرغم من كل ما أصابهم من معاناة وتعب وضيق الحال، إلا أنهم لا يزالوا متمسكين بخيار المقاومة وبنهج المقاومة كخيار استراتيجي للانعتاق من الاحتلال الجاثم على صدورنا منذ 68 عاماً.
أرقام وإحصائيات صادمة
هذا وقد أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى أن العدوان الأخير على غزة، أدى إلى تدمير نحو خمُس المساكن في قطاع غزة، وجعلها غير صالحة للسكن، منها 18,000 وحدة سكنية دُمرت أو تضررت بشدة، و44,300 منزل تضرر بشكل جزئي، وهذا ما أدى إلى تشريد قرابة 108,000 شخص.
وتعهدت الدول المانحة بالتبرع بمبلغ 5.4 مليارات دولار دعماً لفلسطين, وبحسب التقارير، فإن نصف هذه الأموال سيذهب لإعادة إعمار غزة، إلا أن الكثيرين من سكان القطاع يخشون من عدم الالتزام بتقديم الأموال على كما حدث مع المتضررين في الحروب السابقة التي شنها العدو الصهيوني ضد قطاع غزة خلال السنوات الماضية.

















