الإعلام الحربي _ غزة
أكد الدكتور محمد الهندي عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، على ضرورة الاتفاق فلسطينياً على استراتيجية وطنية جامعة تستجيب للمخاطر والتغيرات السريعة للتصدي للمخططات الصهيونية، وضرورة تحقيق المصالحة الداخلية وتجاوز الانقسام الذي يتجذر مع الوقت.
جاء ذلك خلال لقاء حواري نظمه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسيات والدراسات الاستراتيجية – مسارات، مساء أمس الأربعاء، في مقر المركز بمدينة غزة، بالتزامن مع لقاء في رام الله، بعنوان "ما العمل"، أداره مدير المركز أ. صلاح عبد العاطي ، وحضره شخصيات سياسية ووطنية.
وقال الدكتور الهندي :" إن القضية الفلسطينية تعمل في ثلاث دوائر أساسية، تتمثل في الدائرة الفلسطينية الداخلية، والدائرة العربية – الإسلامية والدائرة الدولية.
وأوضح أن تأثر القضية على صعيد علاقتها بالدائرة العربية – الإسلامية، نابع من أن القضية تؤثر وتتأثر بالتغييرات الداخلية للأقطار العربية والإسلامية سواء تلك التي تستضيف اللاجئين أو البعيدة حيث البعد العقدي للقدس والأقصى عند المسلمين والعرب. وعلى الصعيد الدولي، فالقضية تتأثر من حيث الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في الصراعات الدولية إضافة إلى المسألة اليهودية التي كانت ولا زالت قضية دولية.
وأكد على ضرورة قبل الإجابة على سؤال "ما العمل" في ظل المتغيرات السابقة لابد أن نفحص المستجدات في هذه الدوائر الثلاثة.
وقال:" على الصعيد الدولي، إن العالم وبعد أن بدا وكأنه أصبح أحادي القطبية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية القرن العشرين، يعود ليأخذ ملامح عالم متعدد الأقطاب اقتصادياً وعسكرياً. تعود الدول الكبرى رغم حذرها من التورط في عمليات برية للتدخل في المنطقة وقيادة تحالفات مختلفة. مشيراً إلى أن أميركا بعد تراجعها عن التدخل العسكري المباشر في العراق، وتزايد الحديث عن انسحاب تدريجي من الشرق الأوسط نحو جنوب شرق آسيا، تعود على وقع اجتياح تنظيم الدولة لمساحات واسعة في سوريا والعراق لتقود تحالفا ضد التنظيم، وفي سوريا تقود روسيا تحالفا آخر في عملية عسكرية أكثر شدة تعكس رغبة روسيا بالعودة إلى مكانة دولة عظمى ورؤية عالمية لمصالحها وصراعها مع الغرب خاصة في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا.
وإقليمياً ، بدا واضحاً في السنوات الخمس الأخيرة تحول المنطقة إلى ساحة حروب بين قوى إقليمية كبرى، وتعرضت بعض الدول إلى تدخل مباشر من القوى الدولية في اضطراب اقليمي لم تشهده المنطقة منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانهيار دولة الخلافة، ورسم حدود المنطقة. مرجحاً استمرار الصراع لوقت طويل قبل أن تستقر المنطقة خاصة وأنه اتخذ أبعاداً طائفية ومذهبية، ومن الصعب أن تعود بعض الدول التي يأكلها الصراع على الأقل سوريا والعراق دولاً مستقلة بل تتفكك إلى دويلات غير مستقرة أو تنشأ فيها أطر فدرالية هشة.
أما على المستوى الوطني الفلسطيني، فإن الوضع منذ اتفاق أوسلو، يوجد غياب استراتيجية وطنية جامعة تستجيب للمخاطر والتغيرات السريعة، ويتجلى ذلك في فشل كل جولات المصالحة، وتجاوز الانقسام الذي يتجذر مع الوقت، وفي تعمد غياب أي تقييم لما أطلق عليه المسيرة السياسية بعد أكثر من 20 عاماً، وأخيراً في التعامل مع انتفاضة القدس.
وأضاف، أنه إلى جانب ذلك أصبحت السلطة أسيرةً للعملية السياسية لأنها رُكبت أساساً نتيجة لهذه العملية، وفقدت القدرة على اشتقاق برنامج سياسي يستجيب لأي تغيرات، وأخذت معها منظمة التحرير التي يتم فحركة فتح إلى حد كبير. مشيراً إلى أن تهديد بعض رموز السلطة بالبدائل فأصبح فاقداً لأي مضمون أو جدية، وكأنه يهدف لشراء الوقت ونشر الوهم بأن هناك حراكاً سياسياً أو بديلاً عن الانتفاضة، وذلك بعد الفشل في كل مرة منذ التهديد بالذهاب إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو محكمة الجنايات الدولية وحتى في قضايا مثل تقرير "غولدستون" أو قرار المحكمة الدولية بخصوص الجدار كانت مهمة السلطة قبر هذه القرارات وكذلك المشاركة في حصار المقاومة الشعبية- التي لوحت بها السلطة- غير استدعاء النشطاء والتضييق عليهم. وأخيراً التعلق بالمبادرة الفرنسية التي أظهرت عجز فرنسا وأوروبا عن القيام بأي دور في المنطقة بعد أن أكدت أنه لا بديل عن المفاوضات المباشرة .
وتابع أن الفصائل الفلسطينية تظهر المشاكل البنيوية والتنظيمية والسياسية التي تعصف ببعض الفصائل وتجعلها نهباً لصراعات داخلية وإقليمية وأحيانا تخضع لأجندات خارجية.
وقال:" بناء على هذه البيئة المتحولة دولياً وإقليمياً وفلسطينياً يمكن أن نقرأ جملةً من التغيرات العميقة، أبرزها ، ضعف الدول العربية وتفكك جزء مهم منها على وقع صراعات طائفية ومذهبية وقومية وقبلية مع احتمال أن تنشأ أطر فدرالية وكيانات ضعيفة غير مستقرة تكون نهباً للضغوط والتدخلات الخارجية لوقت طويل. واختفاء التهديد التقليدي للكيان الصهيوني من قبل جيوش الدول العربية. إضافة إلى أن الكيان "كمشروع هيمنة" يمثل تهديداً استراتيجياً لكل دول المنطقة بما فيها الدول العربية المعتدلة، فإن تطور الصراع في المنطقة شكل له فرصة غير مسبوقة لتطوير منظومة علاقات وثيقة مع دول عربية معتدلة، حيث يعتبر الطرفان إيران النووية الساعية إلى الهيمنة على المنطقة خطراً على الأمن القومي لهم، وكذلك التنظيمات الراديكالية خاصة تنظيم الدولة عدواً مشتركاً. إلى جانب فشل المسيرة السياسية بين السلطة والكيان لم يمنع توثيق العلاقات والتعاون الأمني بين الكيان والدول التي وقعت اتفاق سلام معه، وكذلك تطور العلاقات مع دول أخرى عبر قنوات سرية.
وأضاف، أن من جملةً التغيرات العميقة، ظهور تنظيمات لا ترتكز على الدولة القطرية أو القومية في المنطقة وفي مقدمتها تنظيم الدولة الذي يفقد في نهاية الضغط العسكري في سوريا والعراق من قاعدته الجغرافية، ويفقد مساحات شاسعة لكن قوة جذب أيديولوجيا التنظيم في ظل واقع سياسي يحرم سنة العراق وسوريا من حقوقهم السياسية بشكل عام استقطاب ونهوض للتنظيم ليبقى لسنوات قادمة لاعباً مهماً في المنطقة. إلى جانب أن تهديد تنظيم الدولة، وملف إيران النووي في وقت سابق خلق تفهماً عريضاً في العالم وفي المنطقة أيضاً بأن القضية الفلسطينية ليست هي أساس مشاكل الشرق الأوسط، وهذا يفتح المجال أمام الكيان الصهيوني لمحاولة عقد تحالفات في المنطقة وبلورة استراتيجية جديدة بها.
وتابع، الدكتور الهندي، أنه مع تعدد اللاعبين المحليين والإقليميين، ومع زيادة حدة التدخلات الدولية تحت مبرر محاربة الإرهاب يزداد تعسكر الحلول السياسية التي تلاحظ مصالح الدول الإقليمية الهامة (تحديداً تركيا وإيران والسعودية). وفي هذه الحالة من الطبيعي أن نتوقع تصاعد التطرف وخلص خارطة قتال متغيرة في مخيط معقد ومتعدد المشاركين.
وأشار إلى أن من بين جملة التغيرات العميقة، فإن أمريكا وروسيا مع جدية تدخلهما في المنطقة فإنهما سوف سيتحكمان في التسويات السياسية القادمة على حساب دور الدول الإقليمية الفاعل ومصالحها، مشيراً إلى أن هذه الدول التي يتم استنزافها مع مرور الوقت وفي هذه الحالة فإن مصالح الكيان سواء في الملف الفلسطيني أو في هضبة الجولان ستؤخذ بالاعتبار خاصةً وأن الكيان يحافظ على علاقات متينة مع الروس ونجح في منع الاحتكاك مع القوات الروسية وبالتنسيق معها بخصوص عملياتها في سوريا.
وأخيراً ، ومع ضعف السلطة الفلسطينية وفقدان الدعم العربي الرسمي وتقلص الاهتمام الشعبي يمكن للكيان أن يستغل الظروف الدولية والإقليمية المواتية ويفرض حلاً نهائياً عبر مفاوضات مباشرة مع السلطة الفلسطينية وترتيب إقليمي مع الدول العربية المعتدلة أو يلجأ إلى اتفاق مع السلطة يعتمد على سلسلة ترتيبات انتقالية (حل مرحلي) يتحول إلى دائم وتسويق ذلك بأنه ليس حلاً نهائياً. كما يمكن للكيان إذا توفر له غطاء دولي أن يبادر باتخاذ خطوات أحادية قوية على الأرض يفرض من خلالها الحل المناسب له في خطوةٍ استباقية ترسم من خلالها حدود الكيان الفلسطيني، يصاحب ذلك تصعيداً كبيراً في الضفة أو عدواناً جديداً في غزة.
وأكد الدكتور الهندي عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، أنه أمام هذه المخاطر غير المسبوقة في تاريخ الصراع يصبح سؤال: ما العمل؟! ، أكثر صعوبةً من أن يجيب عليه شخص أو فصيل أو حتى مجموع من الفصائل الفلسطينية، وما هي إلا إضاءات لتعميق الحوار، وعلى أي قيادة مسؤولة للشعب الفلسطيني أن تسعى لبناء استراتيجية توافقية جديدة للسنوات الخمس القادمة على الأقل على أساسها يتم اعتماد سياسات وطنية للتعامل مع التهديدات المتطرفة في الإقليم والاستفادة من أي فرصة متاحة.
وشدد على ضرورة أن يتم بناء هذه الاستراتيجية بشكل وطني بعيداً عن أي حسابات ومصالح حزبية أو فئوية وهذا يتطلب انجاز المصالحة الوطنية دون أي اعتبار للضغوط الخارجية.
ورأى الدكتور الهندي، أنه إذا تحدثنا عن السياسيات المشتقة من هذه الاستراتيجيات المأمولة نجد في مقدمتها، عدم العودة للمفاوضات المباشرة، وعدم التوقيع على أي اتفاق نهائي مهما كانت الضغوط والتداعيات. لافتاً إلى أن المفاوضات تعكس موازين القوى على الأرض، والسلطة الفلسطينية اليوم تفقد كل أوراق القوة تقريباً. إضافة إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية التي باسمها يجري التفاوض هي مفككة أكثر من أي وقت مضى وفصائلها في معظمها لا تعكس قوة حقيقية على الأرض. إلى جانب أن حركة فتح تعصف بها مشاكل داخلية، وتتعرض لضغوط عربية متعددة تحت مبرر تحقيق مصالحة داخلية أو ترتيبات لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس مقدمةً لجهدٍ عربي لتحقيق السلام مع الكيان الصهيوني.
وأضاف، أن المصالحة بين فتح وحماس متعثرة لأن مفهوم سلطة رام الله للمصالحة هو استعادة غزة للشرعية لتقوية فرص التفاوض مع الكيان وليس بناء شراكة فلسطينية، لذلك تُصر على أن برنامج أي حكومة توافقية هو برنامج الرئيس أي أنها ترغب في وضع الجميع ضمن إطار سلطة تعمل في خدمة وهم التفاوض والتنسيق الأمني. فضلاً عن أن الاعتقاد بأن اتفاق السلطة مع الكيان الصهيوني مدخل للكيان لجني ثمار التطبيع مع الدول العربية تغيّر الآن وأمام الكيان فرصة لفتح علاقات مع العرب والقيام بدورٍ مهم في السياسة الإقليمية بدون التوصل لاتفاق السلطة.
وأوضح، أنه في الكيان حكومة متطرفة تجد في الوضع الإقليمي فرصته لحصد الجوائز المجانية وإملاء شروطه (وحين ينتخب مندوبه رئيساً للجنة المختصة بالقانون الدولي ومكافحة الارهاب يبرر ذلك مزيداً من الغطرسة).
وأكد، أن هذا الوقت ليس وقت الحديث عن تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، وأن كل الجهد الذي يبذل اليوم في المبادرات والتعديلات واستئناف المفاوضات المباشرة يتم على قاعدة حصار قوى الشعب الفلسطيني وعلى الأخص برنامج المقاومة وفي قلبها الانتفاضة.
كما رأى، أن من بين السياسات المشتقة من هذه الاستراتيجيات المأمولة، هو الحفاظ على القضية الفلسطينية فوق المحاور التي تتشكل في الإقليم وإذا كانت المنطقة منقسمة في السابق بين محورين هما: محور الاعتدال الذي يدعم ما سمي بالمسيرة السياسية والاتفاق مع الكيان ومحور المقاومة والممانعة، فإن كلا المحورين شهد اهتزازات عميقة، وباتت المنطقة تشهد أربعة محاور معظمها لم يستقر بعد.
وأوضح، أن ما تبقى من محور الممانعة، ومحور الاعتدال انقسم إلى محورين الأول أعطى أولوية لمواجهة الهيمنة الإيرانية في المنطقة، والآخر أعطى الأولوية لمواجهة التنظيمات الراديكالية وفي مقدمتها تنظيم الدولة. والمحور الرابع تنظيم الدولة وما يشابهه من قوى راديكالية.
وأكد أن فلسطين في هذه الحالة يجب أن تكون فوق المحاور، لتبقى رافعة للأمة تضبط البوصلة في اتجاه العدو المركزي للأمة – الكيان الصهيوني- الذي يستهدف كل مكوناتها على مدار الوقت. وأن أي انحراف أو محاولة حشر لفلسطين في أي من هذه المحاور تحت أي ضغوط أو حسابات سيكلف القضية والشعب الفلسطيني جروحاً يصعب شفاؤها.
وشدد على ضرورة أن يؤخذ بالحسبان في الاستراتيجية المأمولة، دعم وتفعيل الانتفاضة لتصبح شعبية بامتياز، وأن التمسك بها يمثل طرف الخيط في نظم مفردات القوة لدى الشعب الفلسطيني، فالكيان الذي عمل على إدارة الصراع بتكلفة زهيدة وجد نفسه يدفع الثمن من أمنه ومكانته أمام انتفاضة تختلف عن سابقاتها ولا يمكن أن توقع مكان وزمان فعاليات أفرادها الذين يقررون بشكل منفرد خطواتهم. مؤكداً أن المسؤولية الأهم في هذا الجانب تقع على السلطة وحركة فتح التي يمكن أن تستعيد دورها وحيوتها إذا تبنت الانتفاضة، وأول خطوة وقف التآمر على الانتفاضة بوقف تجريم التنسيق الأمني مع العدو معها كانت النتائج والتداعيات. وهذا في حد ذاته ديناميكية لإتمام المصالحة واستعادة بعض التعاطف الدولي والإقليمي.
كما شدد على ضرورة انجاز المصالحة الفلسطينية الداخلية وأن الأساس هنا هو تحديد هدف المصالحة ببناء استراتيجية وطنية لإدارة الصراع في المرحلة القادمة، وليس الهدف الانتخابات أو الحكومة أو المحاصصة. إلخ، وهذا يستدعي شراكة حقيقية والاعتراف بالوقائع الموجودة على الأرض اليوم ولا نبقى أسرى أوضاع ومعادلات قديمة.
ودعا إلى ضرورة إعطاء أهمية أثناء ترتيب أوضاعنا للحرب الناعمة للمس بمكانة الكيان الدولية وروايته حول دور الضحية والذي عممها على العالم، وفضح جرائم الكيان، والدعوة إلى مقاطعته. لافتاً إلى أن الشبكة العنكبوتية تغلبت على كل وسائل الإعلام الأخرى، وعلى منابر الدعاية، وأثبتت قدرتها على تحريك الأشخاص وتكوين مجموعات وتكتلات فاعلة في كل المجالات، وتشكيل الرأي العام في المنطقة والعالم.
وأكد على ضرورة أن لا يغيب عن بالنا جميعاً أن كل هذه العوامل والسياسات لا تعمل إذا كان الشعب الفلسطيني صاحب المصلحة الحقيقة محبطاً ويائساً وفاقداً الأمل في قيادته، لذلك فإن دعم صمود الشعب الفلسطيني اليوم وإعطائه الأمل والمثل يجب أن يقف على رأس سلم السياسات الفلسطينية.

