الإعلام الحربي _ خاص
لا يذكر الفلسطيني على الإطلاق أن توقفت ماكنة الحقد الصهيونية عن ممارسة فعلها الإجرامي الظالم المرفوض قانوناً وشرعاً, تلك الماكنة الحاقدة التي لم تكتفِ بـ تهجير شعبنا الفلسطيني من أرضه, بل لاحقتهم إلى مخيمات الشتات لتسقيهم من كأس العلقم مرتين، مؤكدة بذلك صدقية ما ألمح إليه الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي في مواضع عدة عندما وصف الصراع مع الصهاينة بصراع الوجود.
وقد مضى العدو الصهيوني في مسلسل غيّه وإجرامه، مستفيداً من كل الظروف التي وظفها خدمة لمشاريعه في تكريس وجوده على الأرض، ولإحكام السيطرة بقوة السلاح على كل الجيوب التي من الممكن أن تشكل خطراً وجودياً عليه، فعمد على تنفيذ سياسات الاغتيال والتصفية الجسدية وارتكاب المجازر الفظيعة بحق المدنيين الآمنين بهدف بث الذعر في نفوس الناس وكي الوعي لديهم.
واستناداً للعديد من المسببات، وقع مخيمي "صبرا وشاتيلا" تحت مراقبة الدوائر الأمنية الصهيونية، والتي خلصت إلى ضرورة تنفيذ عملية عسكرية هناك بناء على تقارير إستخباراتية كاذبة.
ومن هنا بدأت أولى فصول المأساة التي كشر فيها مصاص دم الأبرياء المجحوم " شارون" عن نابيه المسمومين بالكراهية والحقد الغير مبررين للإنسانية, وعاد ليمارس هواية بطشه المعهود ضد الفلسطينيين الأبرياء , ولكن هذه المرة بحجة البحث عن المقاتلين الفلسطينيين في مخيمي "صبرا وشاتيلا"، هذين المخيمين المعروف بإيوائهما لعدد كبير من المهجّرين الفلسطينيين بعد تجهيز مخيمات لجوء لهم من قبل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين في لبنان.
وللأسف بخيانة وغدر مجموعاتٍ مرتزقة من بعض اللبنانيين المتمثلة بالمجموعات اللبنانية الانعزالية نفذت المجزرة في صباح اليوم الأسود الموافق 16 / أيلول / 1982 م ,حيث لم يعرف لاجئي صبرا وشاتيلا بأنهم على مقربة بـ واحد من أكثر الفصول دموية في التاريخ البشري، وعلى صفحة ظلم جديدة في كتاب المعاناة الفلسطيني.
اتفق المجرمون الصهاينة مع عملائهم على الآتي..بعد أن تتم محاصرة المخيمين من جميع الاتجاهات يمنع مغادرة أي أحد منهما، ويتم تنفيذ الهجوم الهمجي، وبالفعل جرى مهاجمة اللاجئين العزل الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى فلسطينيتهم بثلاث فرقٍ من الجنود المدججين بالسلاح، قوام كل فرقةٍ منهن خمسين جندياً , فاجتاحوا المخيم وملئوه ذعراً و خوفاً وقتلاً دون مراعاةٍ لطفلٍ أو شيخٍ أو امرأة, و لأنهم معنيين بمسح الوجود الفلسطيني قاموا ببقر بطون النساء الحوامل و قتل أجنتهن في صورة تدل على مدى الشر والحقد الدفينين داخل عقول المجرمين الصهاينة.
ومن حاول الفرار كان التعذيب حتى الموت والتفنن في القتل مصيره و هكذا استمر البطش و القتل على مدار ثلاثة أيام و القنابل تضيء سماء "صبرا و شاتيلا" تاركين ذكرى سوداء لا يمكن أن تمحى بمرور الأيام من نفوس الفلسطينيين، على مراى ومسمع من الأنظمة العربية التي كانت تسمع عن أخبار تلك المجزرة المدويّة والعالم الذي وقف صامتاً أمام تلك الأرواح التي تقتل بدمٍ بارد.
وبعد 48 ساعة من القتل والذبح والإجرام, و منع المعتدين المجرمين لأي جهة إعلامية بالدخول لمكان الجريمة أو محيطه, كانت الصـاعقة للعـالم أجمع في يوم 18/أيلول / 1982 م، بعد ما تم نقله من صور مليئة بالجثث المتفاوتة الأعمار، المتفنن فيها بالقتل, وقد وجدت جثث مقطعة بالسكاكين ,ورؤوس مقلوعة العينين, والكثير من المشاهد البشعة من برك الدم المليئة بالأشلاء هنا وهناك، والبيوت المهدمة بفعل همجية الجرافات.. وفي نهاية هذه المذبحة وصلت حصيلة الضحايا الشهداء إلى ما يقارب 3000 شهيداً بين طفل وامرأة وشيخ ورجل من أبناء الشعب الفلسطيني والمئات من أبناء الشعب اللبناني.
مجزرة صبرا وشاتيلا لم تكن الجريمة الصهيونية الأخيرة بحق الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني ، فمسلسل المجازر اليومية لم يتوقف بعدها، والإرهابي شارون لم يتوانى عن ارتكاب المزيد من المجازر بـ حق الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من العالم ، وكأن يديه القذرتين اعتادتا أن تكونا ملطختين بالدم الفلسطيني أينما كان، ليكمل مشوار المذابح الذي ابتدأه منذ اللحظة الأولى التي كان يعمل فيها جندياً بعصابات الهاجانا مروراً بمجزرة دير ياسين وصولاً إلى معركة جنين وليس إنتهاء بـ رفح .
وللأسف بعد كل ما احتوته المجزرة من شنيع الصور والتقارير التي نقلت للعالم , ورغم وضوح الوقائع والأحداث الموجودة في المذبحة , يعود العدل العالمي المزيف للصمت, وتكتسي الإنسانية وحقوق الإنسان برداء العار أمام موقف العالم أجمع، الذي لم يبد أي موقف أو يتخذ أي قرار ينصف فلسطينيي المخيمات إزاء ما حلّ بهم من قتل وظلم, ولسخرية القدر قامت "إسرائيل" نفسها بتشكيل لجنة تحقيق في مذبحة صبرا وشاتيلا في نفس العام 1982 م , واستغرقت هذه اللجنة ما يقارب العام لتعلن في آخر الأمر أن المجرم الإرهابي أريل شارون ( وزير الدفاع آنذاك ) هو المسؤول غير المباشر عن المجزرة إذ أنه لم يسعى للحيلولة دون وقوعها وبهذا تم إغلاق ملف أكبر جريمة جنائية في العالم بأن قام القاتل باتهام نفسه ومن ثم نفي التهمة عن نفسه وانتهى الأمر.
ونحن كفلسطينيين , وفي ذكرى مذبحة صبرا وشاتيلا نعود ونؤكد على حقنا في الدفاع عن أرضنا ومقدساتنا في وجه الكيان الغاصب , ونؤكد على أن قوتنا تكمن في وحدتنا، ويجب أن نتخطى الانقسام والعودة للصف الفلسطيني الموحد ؛ لأن الفلسطيني في صراعه مع اليهود لا يمكن له أن يراهن إلا على الفلسطيني نفسه , ونؤكد أن الكل المشاريع التي تجري في السر والعلن لجعل العدو الصهيوني جسماً مقبولاً فوق أرضنا العربية الإسلامية سيتحطم أمام صلابة المقاتل الفلسطيني صاحب الأرض والحق ولن يستطيع اياً كان نزع حقه في تحرير أرضه وتقرير مصيره.

