د. عبد العزيز يتحدث لـ"الإعلام الحربي": عن رحلة ميلاد الشقاقي كأنه حاضر بيننا

الإعلام الحربي _ خاص

الإيمان العميق بالفكرة يولد لدى المؤمن بها عزيمة رغم المخاطر المحدقة والتحديات الصعبة, وفكر الثورة المستنير بآيات الله جهادا في سبيله أسمى الأهداف التي يكون ختامها حتما انتصار الفكرة مقابل عربون الدم.

تلك هي الصورة ذاتها التي مثلها الأمين الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي منذ ولادته حتى آخر أنفاسه , تحد رسمه بكامل صورته حينما كان يلام على وضعه الأمني ويرد بكل راحة بال :"لقد عشت أكثر مما أتصور ".

عقود زمنية رسمت ملامح قائد مرحلة التجديد , بدأت من البيت حتى أصبحت اليوم جيوشا من المجاهدين.

"الإعلام الحربي" التقى بشقيقه الدكتور عبد العزيز الشقاقي ، أمين سرّ الشهيد المعلم فتحي الشقاقي في بداية انطلاقته وتأسيسه لحركة الجهاد الإسلامي، وحاوره عن مراحل حياته، وبداية مشواره الجهادي، ورحلة كفاحه ونضاله من طفولته وشبابه دراسته في الجامعات المصرية وصولاً لمرحلة تأسيس حركة الجهاد وسنوات السجن التي عاشها حتى الإبعاد والاستشهاد ..

س. هل لك أن تحدثنا عن ميلاد المفكر الشهيد فتحي الشقاقي ..؟.
ولد شقيقي الشهيد فتحي إبراهيم الشقاقي على شاطئ البحر في غزة في خيمة من خيم اللاجئين ، في عام 1951 م ، وعاش فترة 9 شهور في خيمة من خيام اللاجئين، وبعدها انتقل الوالدين إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، ونقلوا خيمتهم ونصبوها في مخيم رفح " الشابورة " حالياً وفيما بعد تحول إلى بيت كرميد وقضينا فيه طفولتنا، وما زال بعض منه موجود حاليا.

ودرس شقيقي في مدارس اللاجئين التابعة لوكالة الغوث الابتدائية والإعدادية، ثم انتقل لدراسة مرحلة الثانوية في مدرسة بئر السبع، وتخرج من الثانوية ثم ذهب لكلية بيرزيت ودرس دبلوم في الرياضيات هناك.

وعمل مدرس رياضيات في بلدة بيت حانينا ثم انتقل للعمل في مدرسة دار الأيتام في القدس في البلدة القديمة وهو بينما هو يعمل هناك عام 1973م، كنت انا في الثانوية العامة فقال لي: ما رأيك في أن نعيد الثانوية العامة وندرس معاً في مصر؟.
فأعاد معي دراسة الثانوية العامة،ونجحنا بمعدلات عالية فتقدم فتحي لكية الطب وتم قبوله وانتقل إلى الجامعة في عام 1974م، وفي عام 1979م ألف كتاب (الخميني الحل الإسلامي و البديل)، وعلى أثر تأليفه للكتاب، اعتقل في مصر 100 يوم ثم أفرج عنه بعد تدخل نقيب المحامين هناك.

فأكمل دراسته لطب ؛ وتزامنت تلك الفترة مع عملية اغتيال الرئيس المصري/ أنور السادات. في حينها ترك الشهيد/ فتحي مصر وعاد إلى قطاع غزة تهريب بعد أن شنت السلطات المصرية حملة اعتقالات في صفوف الإسلاميين، وأكمل فترة الامتياز في الطب في مدينة القدس وأكمل دراسته التدريبية في الطب وبدأ في ممارسة عمل الحركة العسكري والسياسي فيما بعد .

س. هل لم تحدثنا عن انضمام الشقاقي للإخوان، وما هي الأسباب التي دفعته لتشكيل النواة الأولى لحركة الجهاد ؟.
بداية الأمر كانت اللقاءات في مصر وكان أخي فتحي تربطه علاقة وطيدة مع الإخوان المسلمون، وكان في بداية حياته يميل للناصرية في مرحلة الشباب ، والجميع كان فذ لك الوقت يحب الزعيم المصري/ جمال عبد الناصر ، لكن بعد الهزيمة في 67، قرر شقيقي البحث عن بدائل واطلع على الفكر الإسلامي وكان أول كتاب يقرأه للإمام الغزالي اسمه (كيف نفهم الإسلام)، وقرأ كتاب لـ الشيخ/ سيد قطب اسمه (معالم في الطريق)، حيث أخذهم من صديق اسمه محمد ابن الحج محمود محسن وكان يخبئهم وقتها، فمن كان يحمل هذا الكتاب يسجن، وأعجب فتحي في هذه الكتب، وقتها وبدأ ميوله وفكره الإسلامي يتنامى وتم تشكيل مجموعات سرية لحركة الإخوان.

وكانت هناك مجموعات تعيد نشاطها وتم الاتصال بالشيخ أحمد ياسين، المنضم للإخوان في ذلك الوقت، وكان وقتها ممنوع العمل في قطاع غزة، فكان العمل سري للغاية، والشيخ احمد ياسين كان يسكن في مخيم الشاطئ وكنت انقل رسائل من شقيقي فتحي لشيخ أحمد، وقد حضر الشيخ ياسين إلي بيتنا أكثر من مرة، وجمعت علاقة كبيرة بين الشقاقي وياسين "رحمهما الله" إلى إن انتقل فتحي إلى بيرزيت، فانتقل نشاطه إلى الضفة وبدأ يعيد نشاط الإخوان هناك من بين المنضمين للجماعة هناك (إخوان الأردن) الشيخ راضي السلايمة، والشيخ سعيد بلال، كنت أزورهم وكنا نطبع كتيبات ونقوم بتوزيعها واستمر هذا الكلام إلى أن ذهبت إلى مصر مع شقيقي لدراسة الطب.

هناك في الزقازيق وبرفقة الدكتور محمد الهندي كنا نسكن في نفس الشقة، وفي تلك الفترة عام 79 ألف الدكتور كتاب (الخميني الحل الإسلامي والبديل)، لكن الإخوان استاءوا منه واعتبروه يهدد وجودهم وخاصة ان المؤلف من فلسطين وبهذا الشكل والحجم فتخلى عنه الإخوان.

هنا نقطة مهمة ليعرف الناس أن الإخوان تخلوا عن فتحي وهو لم يتخلَّ عنهم بسبب الكتاب الذي قام بتأليفه.

- أما عن نواة الحركة الأولى ؟:
كان هناك مجموعات كبيرة من الشباب الفلسطيني، تم ترحيلهم إلى خارج مصر وكانوا مرتبطين بالدكتور فتحي وهؤلاء هم النواة التي أقيمت عليها الحركة ومنهم الدكتور رمضان شلح والدكتور محمد الهندي، والشيخ نافذ عزام في البداية جمعت هذه المجموعة من الشباب أفكار متطورة عن الإخوان وقاموا بإصدار مجلة اسمها (النور)، وبعدها عملوا خلايا عسكرية، ثم تم إطلاق اسم حركة الجهاد الإسلامي، وسجن فتحي في عام 83 19م ، ومرة أخرى في عام 85 19م، واذكر تقرير المحكمة " الإسرائيلي" السرّي في ذلك الوقت كتب فيه ان هذه الحركة أخطر علينا من أي حركة إسلامية في المنطقة .

س. كيف تصف لنا حياة الشهيد فتحي داخل أقبية السجون ؟.
كنت كل أسبوعين أزوره، ورافقني لمرات عديدة زوجته "أم إبراهيم"، وأحياناً أبي أو أحد من إخوتي، فيحملني الرسائل أي (الكبسولات)، وكان اليهود يتعمدون مراقبتنا أثناء الزيارة، فكان يعطيني (الكبسولات) بحذر وقتها، حيث كان يدير حركة الجهاد الإسلامي من داخل السجن، وأنشأ داخل السجن مدرسة فكرية تعمل كخلية نحل ، حتى أن العلمانيين والشيوعيون داخل السجن ووقتها قرروا إبعاده واعتبروه صاحب مدرسة فكرية إسلامية تهدد وجودهم في السجن وخارج السجن.

فالشقاقي كان أول رجل يخرج بفصيل جديد إسلامي فقد كانت فتح والجبهة وقتها وبدأ يعطي محاضرات ويثقف الشباب ويثقف نفسه أيضاً، فتعلم اللغة العبرية من السجن، وكان يحاضر للشباب بشكل مستمر وبدأ الشباب من التنظيمات الأخرى مثل فتح والجبهة ينضموا للحركة فأطلقوا عليهم وقتها لقب المنفلشين ( أي الخارجين عن انتمائاتهم الحركية )، وشكلوا قوة كبيرة للحركة في البداية خصوصاً ً في الجانب العسكري، وأمدوا الحركة وقتها بالقوة والتدريب للأفراد. وهذه الفترة مهمة كمرحلة من مراحل التشكيل العسكري للحركة وصاحبتها مشاكل كبيرة داخل السجن وخاصة أنه كان أول تصنيف إسلامي هو الجهاد الإسلامي، بعد أن كانت السجون حكراً للعلمانيين كما البندقية والكفاح المسلم أما المسلمون فكانوا لازالوا في ميدان الدعوة فقط .

س. حدثنا عن مواقف جميلة في حياة المعلم فتحي ، أخرى مؤلمة وحزينة في حياته (رحمه الله).
يستحضرني رؤيته وهو صغير فكانت علامات النبوغ ظاهرة عليه، هو أكبر مني وقد كنت أراه وهو في الصف السادس يقوم بتدريس الشباب في الصف الإعدادي، وكان المعلمين يطلبون منه تحضير دروسهم، وخصوصاً ً في اللغة الانجليزية، فكان يتحدث الانجليزية جيداً.

وكانت لديه مكتبة أدبية كبيرة يطلع فيها على الأدب بشكل كبير ومنه الأدب العالمي والشعر بكل أنواعه من محمود درويش الخ... ، وأصبح يكتب الشعر والأدب و من صغره اتضحت علامات النبوغ عليه منذ صغره فهو من كان يتحدث كلمة طابور الصباح أمام الطلاب ، وأيضاً كان يشرف على إصدار مجلة المدرسة اسمها "الطليعة" حتى أن المجلة أحدثت ضجة في المدارس الثانوية حيث أصدر الحاكم العسكري في رفح وقتها طلب اعتقاله وهو لا زال ابن الـ 16 عام.

فمن صغره كان يرسلني اشتري له جريدة الأهرام وهو في عمر 13 عام ، فذلك مقارنة بالوقت الحالي يعتبر شيء كبير لفتى وكانت الجريدة من 40 صفحة. وكان يقرا لمحمد حسنين هيكل كل مقالاته وكان يكتب كثيراً ويطالع كل الأفكار وكان يأتي إلى بيتنا الشيوعيين لمحادثة فتحي عن أفكارهم وكان هو مطلع على فكرهم أكثر منهم، حتى أنهم تساءلوا عن مدى معرفته وإلى أين تصل هذه المعرفة، وكثير منهم اقتنع بفكر الحركة وانضم إليها.

أكثر شخصية أثرت فيه أمي فقد كان أبي يغيب كثيرا عن البيت فكانت أمي تعتمد عليه في كل شيء ، وأمي كانت "رحمها الله" تمتع بشخصية قيادية على مستوى حارتنا مثلاً؛ في حالات الزواج ، أو تطريز الأثواب الفلسطينية كانت لها لمسات وشخصية قوية، ولم تسمح بالدلع والفوضى، وأذكر أنها في يوم طلبت من فتحي حلاقة شعره. فقال لها: حسنا، ورجع ليلاً دون أن يحلق شعره، فسألته: عن ذلك؟ فقال: نسي. فجاءت بمقص وقصت شعره من النصف وطلبت منه الذهاب للحلاق ليرتب شعره، وتوفيت الوالدة وفتحي عمره لم يتجاوز الـ15 عاما، وكان لوفاتها وأثراً كبيراً عليه ، وأنا لم أكن وأعي كثيراً لأني لازلت صغيراً على فهم الفقدان ، وكان فتحي بالنسبة لنا هو الأب والأم في نفس الوقت يقوم بتوفير كل ما نحتاجه من طعام وشراب وملابس ويتابع دراستنا.

س. ما هي الأكلات المفضلة لشهيد فتحي الشقاقي ؟
كان يأكل كل شيء، ولم يكن يخصص شيء معين، حتى لو زيتون فقط. ولم يكن يعنيه شيء ، لم يكن يفكر في الطعام الجيد إلا وقت أن يعزم أصدقائه، فيخصص لهم أكل مناسب. وكان فتحي في ذلك السن يعمل أفضل الأكل لأصدقائه فقط . أما لنفسه فلا يهتم، في يوم كان يعمل غداء لأصحابه ووقت الغداء كان شخص اسمه (موسى أبو مرزوق)، لم يأتي فعلم أنه صائم، ولما علم، أخذ بعض الطعام وطلب مني أن أوصل الأكل على بيته.

س. لمن كان يحب يسمع من المشايخ والخطباء ؟
كان يحب الشيخ/ كشك، فكان يحضر خطبه بشكل دائم وكان يحب الشيخ/ صلاح أبو اسماعيل في القاهرة وكان يحب عبد الباسط وكان دائم التوجه لندواتهم ودروسهم ويستمع لقراءاتهم في مقرئهم .

س. على مستوى الكتاب ؟
اطلع على كل الفلسفات، سواء كتبوا في العلمانية، أو الإسلام، فكان مطلع على كل الثقافات فقرأ كل كتب سيد قطب، وسيد حوا، والقرضاوي، وكل كتب الإخوان، وقرأ رسائل حسن البنا، وكان يتابع معظم الكتاب الإسلاميين.

كان لديه كتابات ينشرها في جريدة القدس، وأذكر أنني كتبت قصيدة خاصة بي في جريدة القدس كان عليها كثير من التعليقات، وحدث عليها بعض الجدل فعندما أردت الرد طلب مني فتحي أن يرد عليهم، وقام بالرد عليهم برد بليغ حتى أن الجريدة اتصلت عليه، وطلبت منه العمل لديهم وفتح باب كامل له لكن رفض.

س. هل كان يحب الرياضة ؟
كان يحب البحر ،والسباحة، وكان يعشق كرة القدم ويسأل دائماً عن مباريات الأهلي والزمالك، وكان أهلاويا ويشاهد المباريات دائماً، ويسألني عن نتائجها وقت وجوده في السجن.

س. حدثنا عن حياته في الخارج ؟
لم يكن لدي معلومات كثيرة عن حياته بالخارج بعد إبعاده ، فكان يتصل علينا قليلاً، فلم تكن وقتها الاتصالات متوفرة مثل الآن، وكنا ممنوعين من السفر نحن وقتها.

يمكنك سؤال قيادة الحركة الآخرون عن ذلك، لكن عند سفري بعد ذلك سألت من كانوا معه ،أجابوني أنه لم يكن يملك سيارة، ويروي لي أحد أفراد الجبهة أنه كان هناك اجتماع في مقر القيادة العامة، ومتوقع حضور فتحي وفجأة وصل تاكسي غريب فذهب الحرس لمحاصرة السيارة وإذ نتفاجئ بوجود فتحي فيها، وقلنا نحن لأحمد جبريل تصور أن الدكتور الشقاقي لا يملك سيارة فأعطاه وقتها جبريل سيارة وكانت أول سيارة للحركة في ذلك الوقت وأخبروني الناس هناك أنه كان يركب سيارات الأجرة كثيراً والباصات، وكان عادياً جداً في حياته و علاقته بالإخوة في المكتب علاقة أخوة وصداقة، وقابلت أحدهم ، وقال لي: أنه في يوم جاءوا ضيوف وكان يستقبل الضيوف مثل( السيد/ حسن نصر الله، وهكذا....) وكنا نعمل الأكل في المكتب وأرسلني للسوق فتأخرت فقلق فتحي علي، وعندما عدت سألني فتحي عن سبب تأخيري فأخبرته أنني أحضرت باقي أغراض الأخوة فقام ببهدلتهم، ومنعهم من ذلك، فكانت علاقته بمن حوله رغم جديتها علاقة بسيطة فكنا نتناول الفطور مع بعض فلو كنا 4 نفطر كل شخص بيضة وكان فتحي من بيننا فكان بسيطا جداً جداً ولم تكن حياته فيها تعقيدات، كان ينزل ويتوجه للسوق مثل أي شخص ، متواضع جداً.

disqus comments here