أسرة الشقاقي تروي ذكريات ومواقف مع الأمين أبو ابراهيم

الخميس 27 أكتوبر 2016

الإعلام الحربي _ غزة

قسوة حياة المخيمات وشمسها العنيدة جعلت منه طفلاً بقلب رجل، أخذ من الحجارةٍ لعبةً يطارد بها محتل أرضه الحبيبة، كبر فتحي الشقاقي بين أحضان أسرة فقيرة متدينة محبة للوطن، وكبرت فلسطين في جوانحه، ليتحول من طفل لاجئ إلى قائد ومفكر إسلامي لامع، فأصبح رمزاً للإيمان والوعي والثورة.

أشرقت شمس الشقاقي في الرابع من يناير للعام 1951، ليكون ميلاده بهجةً حياة ذويه تنسيهم قسوة الأيام، فكان الابن الأكبر يلهو ويركض بين أحضان أمه التي نسجت خيوط الوطن في قلبه قبل أن ترحل إلى الرفيق الأعلى وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة عاماً، ليصبح الأخ والأم لأشقائه الأربعة الصغار، ولم يتوقف الحال إلى هنا فقد كان أيضا أباً لهم بحكم عمل والده في شبه جزيرة سيناء.

القلب المعطاء

أحب الشقاقي أشقاءه الصغار فكان لهم يد العون والقلب المعطاء، بطيبة قلبه تلين كل الأوجاع، أيتاماً تربوا بين أحضان يتيم يكبرهم بقليل، شقيقة الشقاقي ليلي الشقاقي (أم باسل) تتحدث لـ"الاستقلال": " ابا ابراهيم رغم كل المسؤوليات التي كانت تقع على كاهله إلا انه لم يقصر بنا أبدا فكان لنا بمثابة كل شيء الأب والأخ والأم والمعلم والناصح والمرشد"، مشيرة إلى أنه تميز بطيبة قلبه وحنانه رغم شخصيته القوية والصارمة تجاه أعدائه.

أعادت أم باسل شريط ذكرياتها الجميل والبسمات تزين ملامحها لتقص علينا موقفاً يبين حنان شقيقها قائلة: " كان الدكتور لا يستطيع أن ينام بدون أن يطمئن عليَ، فكل يوم بعد عودته من العمل من المدرسة النظامية بالقدس، يجدنا نائمين فيقوم بتنبيهنا من النوم ويحضر لنا العشاء و يجلس ليتحدث معنا طويلا، فننام أثناء حديثه فينقلنا إلى الفراش ويتفقدنا طوال الليل". مشيرةً إلى أن ذكريات الطفولة مازلت عالقة بذاكرتها وكأنه مازال أمامها.

الدكتور فتحي الشقاقي من مواليد مخيم رفح بمدينة غزة 4-1-1951،حيث هجرت اسرته الى غزة عام 1948من قرية زرنوقة القريبة من يافـا بفلسطيـن المحتلة. تربى أبناء الدكتور الشقاقي (خولة،ابراهيم،اسامة) على عشق والدهم فرغم كل شيء كان يخصص وقتاً للعب والمرح معهم، فكان نعم الوالد القائد.

وتضيف أم باسل:" كان الشقاقي يحب أبناءه جدا يخصص لهم وقتاً ليراهم ويلاعبهم، أحبهم جميعاً لكن كان لخوله النصيب الأكبر من قلبه نظراً لما تميزت به من ذكاء حاد فكان لا يقوى على فراقها وأثناء عمله يطلب من أصدقائه أن يحضروها إليه، فتبدأ مرحلة غزل قائلاً: "إني أحب الورد، لكني أحب القمح أكثر".

محب للناس

لم يكن الحب فقط لأبنائه وعائلته فقد كان للناس نصيب كبير من قلب الشقاقي، الذي عرف بالكرم و الجود والعطاء، فكان محباً للخير يمد يد المساعدة للجميع، وبعد أن أتم دراسة الطب في جامعة الزقازيق في مصر، قام بافتتاح صيدلية طبية يعالج بها جميع المرضي المقتدرين والمحتاجين دون أخذ مقابل.

وتستذكر أم باسل، أحد المواقف حين قال والده له من باب المزاح: " أنت فاتح الصيدلية سبيل لماذا لا تقتضي أجراً؟ فأجاب أجري هو أن أرى الناس بخير والابتسامات تعلو ملامحهم" لافتة إلى أن الدكتور كان يقوم بمساعدة النساء وكبار السن في نقل المياه إلى بيوتهم.

صديق رائع

لم يكن الشقاقي مجرد صديق لدى أصدقائه، فكان "رجل البندقة الذي لا ينكسر، رقيقاً من الداخل كحمامة السلام، قريباً كالمطر، دافئاً كبحر أيلول" جملة قالها احد رفقاء الشقاقي لتكون وصفاً لشخصيته التي يندر أن يتصف بها أحد كما أوضح شقيقه الاصغر خالد الشقاقي.

ويقول الشقاقي لـ"الاستقلال"،" كان الدكتور مثلاً رائعاً بين أصدقائه كل منهم يلقبه بلقب يحاكي شخصيته، منهم من وصفة بالقائد الإنسان، ومنهم من قال رجل البندقية وغيرها من الألقاب التي هي فخر لكل من لقب بها"، مشيراً إلى أن ابا ابراهيم كان محباً لأصدقائه يسعى للاجتماع بهم يعمل على حل مشاكلهم، وكان يتميز بقوة الإقناع و رأيه السديد وهذا ما جعلهم دائما يلجئون إليه بكافة أمورهم .

مشاعر د. الشقاقي الجياشة وقلبه الرقيق الذي تأثر بفراق والدته، جعله ينظم لها الشعر منذ صباه و يهديها القصائد في كل عيد أم، وكان محباً لكتابات صافيناز كاظم، وأشعار محمود درويش.

ويتابع: " الدكتور عندما كان صبيا كان كل مصروفه اليومي يشتري به كتباً وروايات ليكون ملماً بكل شيء، وأسس مكتبته الخاصة بالبيت التي مازالت حتى اليوم تحتوي على كافة الكتب التي اقتناها طيلة حياته".

حب الشهادة

ويستذكر أخر حواراً كان له مع الدكتور الشقاقي قائلا:" كنت أقيم معه بنفس المنزل، فقبل استشهاده ببضعة أيام طلبت أن أنفصل عنه بمنزل أخر، ففرض بشدة قائلاً:" لن أعيش كثيراً فاليوم أنا موجود وغدا احتمال أن أكون عند الله".

"عشت أكثر مما ينبغي" جملة كان يرددها الشقاقي كثيراً ليهيئ قلوب محبيه وأشقائه لخبر استشهاده، إلى أن نال مبتغاة وأصبح قمر الشهداء.
ويقول الشقاقي: "استشهاد الشقاقي لم يكن صدمة لقلوبنا، كان ينتظر الشهادة بشغف ويقول انه عاش كثيراً و يتمني بعجله اللحاق بموكب الشهداء، ولكون الشهادة شرفاً كبيراً يمنحه الله لمن أراد من الشهداء"، مشيراً إلى أن حكايات الشهداء و الثناء عليهم كانت تحتل الصدارة في كلمات و خطابات الشقاقي.

موعد مع الشهادة

وفي ظهر يوم الخميس 26/10/1995م في جزيرة مالطا، أطلق أحد عناصر الموساد الإسرائيلي رصاصاته الغادرة صوب مؤخرة رأس القائد والمفكر الدكتور فتحي الشقاقي، لتغطي الدماء جسده الطاهر،ويرتقي بعدها شهيدا دفاعا عن الوطن.

وتوقفت نبضات القلوب وتحجرت الدمعات في العيون وهي تشيع جثمانه الطاهر، وصدحت حناجر النساء بالهتافات في وداعه، وعم الحداد كل منزل وشارع، فقد رحل المعلم وبقي بالقلب حاضراً، فأصبح وهج الشهادة في أكتوبر عطراً فواحاً يكشف مكنون الحب و العشق الدفينين في قلوب محبيه.

 

المصدر / الاستقلال