22 عاماً على ارتقاء هاني عابد.. ولازالت شهادته نبراساً يضيء طريق الحق

الأربعاء 02 نوفمبر 2016

الإعلام الحربي _ خاص

اثنان وعشرون عاما مرّت على اغتيال المجاهد هاني عابد، من قيادات العمل السياسي في حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، ولا زالت ذكراه حاضرة في وجدان كل من عرفوه، وعاشوا معه ميلاد الفكرة الجهادية الإسلامية الأولى في فلسطين والتي أسس لها وصاغ أركانها الشهيد المؤسس د.فتحي الشقاقي، لتثمر بعد ذلك كواكب لا تنتهي من جيل العقيدة والقرآن، جيل الوعي والإيمان والثورة، القادر على إعادة صياغة المرحلة بفكره ودمه وأشلائه المباركة.

الثاني من نوفمبر لعام 1994م، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والرياح العاتية تعصف بالأجواء، وقصف الرعود يزلزل الأركان، منذرة بوقوع شيء عظيم وجلل... فإذا بالمآذن تصدح، والجماهير الغاضبة تزحف باتجاه شارع اليرموك وسط مدينة غزة، حينها أدرك الجميع أن حدثا غير طبيعيا قد وقع... وبالفعل، فها هو اسم المجاهد الكبير هاني عابد يتردد بين الجميع، مؤكدين نبأ استشهاده في الانفجار الصهيوني الآثم الذي استهدفه بينما كان يهم بقيادة مركبته على بوابة مبنى كلية العلوم والتكنولوجيا بمدينة خان يونس والتي كان يعمل فيها محاضراً في مادة الكيمياء... لتشتعل فلسطين بعد ذلك ثورة لا تنتهي في وجه الكيان الغاصب.

وفي ذكرى استشهاد القائد العابد هاني عابد، ها هو "الإعلام الحربي" يسلط الضوء على سيرته الجهادية لتكون نبراساً يضيء عتمة الطريق لكل السائرين نحو درب الجهاد والاستشهاد.
 

قائد من أسرة مجاهدة
في العام 1962م، كانت فلسطين على موعد مع ميلاد أحد قادتها المجاهدين، هاني عابد، الذي ينتمي لأسرة فلسطينية مجاهدةً، هُجّرت قسرا عن قريتها الأصلية "سمسم" في العام 1948، جراء إقدام العصابات الصهيونية على ارتكاب العديد من المجازر الوحشية بحق أهالي القرية المستضعفين. ليستقر بها المقام في مخيم جباليا للاجئين بقطاع غزة.

وفي ذلك المخيم، ترعرع شهيدنا القائد العابد، حيث شاهد بأم عينيه جرائم الاحتلال التي تستهدف أبناء شعبه، وتلقى شهيدنا المجاهد تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، ومن ثمّ أنهى دراسته الثانوية بتفوق كبير، ليلتحق بعدها في الجامعة الإسلامية، تخصص (فيزياء وكيمياء) حيث حصل على درجة البكالوريوس بتقدير جيد جدا، وهو ما أهله للحصول على درجة الماجستير في "الكيمياء" من جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، ليكون بذلك أصغر طالب يحصل على "الماجستير" في "النجاح".

منذ نعومة أظفاره، تميز شهيدنا المجاهد، عن باقي أقرانه، حيث كان هادئاً وذكياً ويتمتع بسرعة فائقة في الحفظ، كما تميز بسرعة بديهيته في حل المساءل الحسابية وهو لازال طفلاً لا يتجاوز عمره الأربع سنوات وذلك وفق ما قالته شقيقته الكبرى "أم محمود" لـ "الإعلام الحربي" موضحة أنه كان يقرأ آيات من القرآن الكريم مرة أو مرتين فتحفظ في ذاكرته، كما تميز بسرعة بديهته في العمليات الحسابية منذ سنواته الأولى.

وأكملت حديثها قائلةً:" لم يكن مستبعداً أن يلتحق شقيقي " أبا معاذ" بصفوف المقاومة الفلسطينية، وان يكون أحد رموزها الفاعلين، فبيتنا كان منذ بداية احتلال الكيان الصهيوني لكامل التراب الفلسطيني، ملاذاً أمناً للمقاومين ونقطة انطلاق لهم نحو تنفيذ العمليات الجهادية ضد الاحتلال، فيما كان "هاني" ابن الأربع سنوات العين التي ترقب لهم الطريق وتؤمن لهم مسار الخروج من المعسكر، حيث كان يستكشف الطريق للمجاهدين والمقاومين خشية من تواجد قوات صهيونية خاصة".
 

"ابو معاذ" كلمة السرّ..
وتعرف شهيدنا المجاهد هاني عابد "أبو معاذ" على فكر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين منذ بداية نشأة وتكوين الفكرة الجهادية، في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، عقب دخوله الجامعة الإسلامية حيث أصبح مسئولاً وأميراً للإطار الطلابي التابع لحركة الجهاد الإسلامي والتي كانت تعرف باسم "المستقلين". كما عمل شهيدنا على توزيع مجلة "الطليعة" التي كانت ناطقة باسم الحركة وذلك في العام 1984م.

وقد تدرج شهيدنا في العديد من المهام التنظيمية، ما جعله عرضة للملاحقة الدائمة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، وحول ذلك تقول شقيقته الكبرى إن "أبا معاذ" كان كلمة السرّ لتنظيم الجهاد في الوقت العصيب، فهو يعتبر حافظ أسرار الحركة في غزة، خاصة أسرار جناحها العسكري "القوى الإسلامية المجاهدة- قسم " سرايا القدس، كما كان نقطة الوصل بين الداخل والخارج "، مشيرةً إلى أنه نظراً لملاحقة الاحتلال له بصورة مستمرة، حرص على إخفاء كافة الأوراق والملفات السرّية معها.

فعلى الرغم من إعلان الاحتلال الصهيوني انسحابه من قطاع غزة، في العام 1994م، تمهيداً لتسليمه للسلطة الوطنية الفلسطينية على اثر اتفاق "أوسلو" إلا أنهم قبل ثلاثة أيام من رحليه حاصروا منزله الكائن في شارع اليرموك بمدينة غزة، في محاولة لاعتقاله، إلا أنه كان قد غادر المنزل قبل ذلك بساعة واحدة.
 

أول معتقل سياسي في سجون السلطة

ومع قدوم السلطة إلى ارض الوطن، واندحار قوات الاحتلال عن قطاع غزة،كانت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، من أوائل المبادرين إلى تنفيذ العمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال، حيث تمكن مجاهدو الحركة، من قتل اثنين من جنود الاحتلال بالقرب من معبر بيت حانون "ايرز" شمال قطاع غزة، وحينها وجهت سلطات الاحتلال أصابع الاتهام إلى الشهيد القائد "أبومعاذ"، حيث سارعت أجهزة الأمن الفلسطينية إلى اعتقال شهيدنا ليكون بذلك أول معتقل سياسي في سجون السلطة الفلسطينية، حيث تم اختطافه من مقر صحيفة الاستقلال الكائن في شارع الوحدة وسط مدينة غزة، وبقي في السجن لمدة ثمانية عشر يوما.

وأشارت أم محمود خلال حديثها إلى أن الشهادة في سبيل الله كانت حاضرت في وجدان شقيقها حتى بعد اعتقال على أيدي أجهزة الأمن الفلسطينية، فكثيراً ما كانت تشاهده يبتهل بالدعاء لله في صلاته أن يلحقه بركب الشهداء مع رفاق دربه أمثال صديق عمره الاستشهادي أنور عزيز الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة، مضيفةً :" الأيام الأخيرة من حياة شقيقي كانت ملفتةً للنظر وخصوصاً بعد تكرر محاولات اعتقاله من قبل الاحتلال وأجهزة السلطة، حيث أوصاها قبل استشهاده بعدة أيام بأمه وأبنائه وزوجته خيراً إذا ما تعرض لمكروه".

وتطرقت "أم محمود " خلال حديثها المفعم بالحب إلى عديد الصفات النبيلة والأخلاق العالية الرفيعة التي كان يتميز بها الشهيد " هاني"، قائلة:" رغم مرور اثنان وعشرون عاماً على استشهاده اشعر أنه يعيش بيننا يواسينا يشاركننا أفراحنا وأتراحنا، فصورته كما سيرته حاضرة دوماً في عقول وقلوب كل من عرفه"، مؤكدةً أنها في كثير من الأحيان تشعر بالحاجة الماسة إلى وجود شقيقها " أبا معاذ" جنبها في كثير المواقف والمناسبات.

ولم تخفِ شقيقة أبو معاذ مدى حرصه على أهمية تفعيل دور المرأة المسلمة في كافة مجالات العمل المحافظ على عفتها وكرامتها، وخاصة العمل المقاومة للاحتلال، مؤكدةً مدى تشجيعه لها للخروج للعلم والعمل..

ونبهت" أم محمود " إلى مدى حرص الشهيد القائد هاني عابد على توحيد الصفوف، وخاصة بين التيارات الإسلامية لمواجهة قوى الاستكبار العالمي الذي تقوده أمريكا والكيان الصهيوني ومن يصير تحت جناحهما، مشيرةً إلى حجم الألم الذي كان يعتصر وجدانه عندما يشاهد المنافسة بين التنظيمات الإسلامية أوالقوى الوطنية قد دخلت مساراً غير المسار الطبيعي لها، ألا وهو التنافس على الخير والدفاع عن فلسطين.

وكان شهيدنا عقب انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من قطاع غزة، في العام 1994م، قد عمل برفقة عدد من إخوانه المجاهدين وبإشراف مباشر من د.فتحي الشقاقي، على تأسيس صحيفة "الاستقلال" الأسبوعية، حيث تولى رئاسة التحرير فيها.

وبعد صدور العدد الأول من الصحيفة، التي تعتبر ناطقة بلسان المقاومة الفلسطينية، تمكنت قوات الاحتلال من اغتيال شهيدنا المجاهد "أبو معاذ" وذلك من خلال تفجير سيارته الخاصة قبالة باب كلية العلوم والتكنولوجيا في خان يونس، حيث تمت عملية الاغتيال بعد أشهر معدودة من خروجه من سجون السلطة الفلسطينية. فإلى جنات الخلد يا شهيدنا المجاهد.

وفي نهاية الحوار وجهت أم محمود عديد الرسائل إلى كافة التيارات الإسلامية دون استثناء إلى ضرورة الوحدة في مواجهة غطرسة الاحتلال، داعيةً الجميع إلى الحفاظ على تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى من خلال التمسك بخيار المقاومة لا خيار الاستسلام والتهدئة .