هاني عابد .. القلم الذي مزّق وعد "بلفور"

الخميس 03 نوفمبر 2016

الاعلام الحربي _ غزة

هو مهندس الإعلام المقاوم وصاحب معادلة "الدم" ويكون في الميدان، والآخر على "الورق والأثير" حيث يصنعه جنود الحقيقة من الرجال حتى يؤرخوا للمرحلة، إنه الشهيد القائد هاني عابد (أبو معاذ)، مدير عام صحيفة "الاستقلال"، وأحد أبرز قادة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

امتطى "أبو معاذ" صهوة الجهاد نحو علياء المجد والخلود، في الثاني من نوفمبر/ تشرين ثاني من العام 1994، بعد أن طالته يد الشاباك الصهيوني، بزرع عبوة ناسفة بسيارته في مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة.

خرج شهيدنا في حينه كأجمل ما يكون الشهداء متوجهاً إلى كلية العلوم والتكنولوجيا حيث يعمل محاضراً هناك، وفي الساعة الثالثة عصراً من ذات اليوم، أدار مقود سيارته فانفجر به ليصاب إصابات خطيرة وينقل على إثرها إلى مستشفى ناصر بمدينة خانيونس ليلقى الله شهيداً مخضبًا بدمائه.

وظنّ الاحتلال باغتياله مهندس الإعلام المقاوم أنه سيخمد شعلة "الاستقلال"، التي أوقدها لمقارعة الاحتلال في كل آن، ويكسر شراعها الصلب، الذي لم ولن ينكسر أمام الرياح العاتية، لكنها ستبقى تُبحر حتى تصل إلى مينائها وترسو على ضفة الوطن الحر المستقل بحدوده الجغرافية والتاريخية.

ميلاد القائد

في مخيم جباليا الثورة، وُلد الشهيد هاني عابد في العام 1962، لأسرة فلسطينية تعود أصولها إلى قرية "سمسم" الواقعة في شمال شرق قطاع غزة والتي هُجِّرت منها إبّان عام 1948م إلى أن استقر بهم المقام في قطاع غزة.

وبدأ رحلته الدراسية بشهادة البكالوريوس في الجامعة الإسلامية بغزة عام 1985، وواصلها بشهادة الماجستير في جامعة النجاح بنابلس، في الضفة المحتلة عام 1988، إذ لم يكن "قلمه العلميّ" يقل في تألقه عن نظيره "الأدبي" أو "الصحافي".

عمل الشهيد محاضرًا في كلية العلوم والتكنولوجيا بخانيونس منذ عام 1993م حتى تاريخ استشهاده، وتنقل في مواقع قيادية عدة في حركة الجهاد الإسلامي، أبرزها توليه منصب مدير عام صحيفة "الاستقلال"، إلى أن استُشهد بعد صدور عددها الثاني.

مناسبة مزدوجة

"أم معاذ" زوجة الشهيد هاني عابد، أوضحت أن "ذكرى استشهاد زوجها تمثل مناسبة مزدوجة بالنسبة للعائلة، تحمل الفرح لاستشهاده وارتقائه لعلياء المجد والخلود، وألم في ذات الوقت حينما نفتقده في كل مفاصل الحياة التي نعيشها"، مؤكدة أن ذكراه الطيبة ستبقى تسكنهم.

وفي حديثها لـ "الاستقلال" أخذت تستذكر أبرز المحطات التي جمعتها بزوجها وابن عمّها بالقول: "المحطات كثيرة، كان بمثابة الزوج الوفيّ، الصادق، والناصح والمرشد لي".

وللشهيد "عابد" خمسة من الأبناء، ثلاثة من البنات واثنين من الذكور (ولاء، معاذ، محمود، أفنان، وقسم).

وعن سبب اسم ابنته الأصغر "قسم"؛ أشارت إلى أن أبو معاذ أوصى بهذا الاسم؛ تيمناً باسم الجهاز العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في حينه، قبل أن يطلق عليه "سرايا القُدس".

وتعود بشريط ذكرياتها إلى الوراء، لتضيف: "لحظة استشهاده كانت صعبة للغاية؛ لأن باستشهاده فقدت الزوج والأب والأم، لكنني كنت بمثابة الزوجة الصابرة المُحتسبة، التي احتسبت زوجها شهيداً في سبيل الله، وطالبت من جميع الحاضرين في مجلس العزاء بعدم البكاء".

وأعربت زوجة الشهيد عابد عن فخرها بصحيفة "الاستقلال" التي لم تتوقف عن الإصدار كما أراد الاحتلال بعد اغتياله لزوجها، بل تصدرت صُحف المقاومة وسارت على نهجه الذي خطّه بدمائه، مُشددة على أن إرث زوجها المتمثل بـ "الاستقلال" ستبقى نبراساً للإعلام المقاوم.

ترك بصمة في حياتي

"ماذا نفعل في هذا اليوم ؟ لابد لنا أن نُستشهد" .. بتلك الكلمات التي خطّها شهيدنا "أبو معاذ" قُبيل استشهاده بساعات في مقدمة بيان حركة الجهاد الإسلامي في ذكرى "وعد بلفور المشؤوم" عام 1994م، تستذكر “أم محمود" شقيقها "هاني" الذي كان بالنسبة لها وحسب وصفها من علمها أبجديات الحياة، إذ تقول: "تعلمت من شقيقي هاني الكثير، لقد علمني حب الله تعالى والتقرُّب منه، وأن يكون لي بصمة في هذه الحياة، كذلك علمني وزرع في قلبي وعقلي حب الجهاد والمقاومة المتمثل في نهج حركة الجهاد"، مؤكدةً أنها ستبقى على ذات الطريق والنهج الذي استُشهد من أجله.

وهي تتنقل بين صفحات ذاكرتها، أضافت أم محمود لـ"الاستقلال" أن "هاني اتصف ومنذ نعومة أظافره بالذكاء والشجاعة وتحمل المسؤولية، فضلًا عن خُلقه الرفيع والتزامه بأداء الصلوات الخمس في المسجد، وتميزه وتفوقه الدراسي في مراحل دراسته بدءًا بالمرحلة الابتدائية ومرورًا بالمرحلتين الإعدادية والثانوية ووصولًا إلى المرحلة الجامعية"، مبينةً أن ذكاءه الشديد تمثل في سرعة حسابه للمعادلات الرياضية، وإتقان حفظه لآيات القرآن الكريم والأناشيد الإسلامية.

وعن مكانة صحيفة "الاستقلال" في قلبه؛ أكّدت أنها كانت تعني له الشيء الكثير، إذ أولاها جُلَّ وقته واهتمامه، موضحةً أن إصراره على تسميتها بهذا الاسم جاء ليبين للجميع أن "الاستقلال" الحقيقي للوطن السليب لا يمكن أن يتحقّق إلَّا من خلال السير على درب المقاومة والجهاد والاستشهاد بعيدًا عن معاهدات الذل والخنوع.

وتُعد عملية الاغتيال الجبانة بحق مؤسس صحيفة "الاستقلال" ومديرها العام الأول، الأولى بعد قدوم السلطة الفلسطينية عام 1993، ليدلل على جُبن الاحتلال عن مواجهة الرجال، ولتؤكد ضُعف سلطة أفرزها اتفاق هزيل سُمي اتفاق "أوسلو".

الاعتقال

كانت محطته الأولى في الاعتقال سنة 1991م، على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني بتهمة إيواء أحد أقربائه وحكم عليه بستة أشهر ورُحّل إلى معتقل النقب الصحراوي، وفي أعقاب قيام أعضاء الجناح العسكري للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمالي قطاع غزة قتل خلالها اثنين من الجنود الصهاينة، قام الكيان الصهيوني باتهام الشهيد بالمسؤولية عن العملية والتخطيط لها وتعرض بعدها لمحنة القيد على أيدي السلطة الفلسطينية وليكون أول معتقل سياسي في سجونها.

وفي أول رد فعل على جريمة الاغتيال أقدم الاستشهادي "هشام حمد" من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي على الثأر لـ"عابد" بعد أيام من اغتياله، حيث قام بتاريخ الحادي عشر من نوفمبر من العام 1994، بتفجير دراجة هوائية كان يقودها في مجموعة من جنود الاحتلال على حاجز "نتساريم" العسكري جنوب المدينة؛ ما أسفر عن مصرع خمسة من جنود الاحتلال وإصابة 10 آخرين.

المصدر/ الاستقلال