الإعلام الحربي _ خاص
يمر يوم الثالث عشر من ديسمبر، عند كثير من الناس كيوم طبيعي مثل باقي الأيام، ولكن عند من عرف "الملثم الأول" و"الاستشهادي الأول" في فلسطين، لم يكن يوماً عادياً، بل كان يوم ارتقاء فارس من فرسان الشعب الفلسطيني والقوى الإسلامية المجاهدة "قسم" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، منفذ أول عملية استشهادية في فلسطين، إنه الشهيد المجاهد أنور عبد الله عزيز "أبو أحمد"، أحد فرسان القوى الإسلامية المجاهدة "قسم"، حيث سجلت منطقة "نحال عوز" شرقي مدينة غزة قبل ثلاثة وعشرون عاماً واحدة من أهم العمليات البطولية التي أثلجت صدور شعبنا الفلسطيني الذي كان ضحية اعتداءات جنود الاحتلال ومستوطنيه فأوقعت فيهم عدد من القتلى الجرحى ناهيك عن حالة الخوف والذعر الذي دب في كل أرجاء الكيان.
والشهيد أنور عبد الله عزيز، هو من مخيم جباليا ولد في العام ألف وتسعمائة وخمسة وستون، ونشأ وترعرع في جنبات المخيم وفي أزقته كان لعبته المفضلة، والتحق بمدارس وكالة الغوث حتى أنهى الثانوية العامة بنجاح، ليلتحق بعدها للدراسة الجامعية حيث درس دبلوم تربية, ومن ثم درس دبلوم صناعة.
وفي ذكرى استشهاده وبعد مضي ثلاثة وعشرون عاماً على ارتقائه شهيداً بإذن الله، قام "الإعلام الحربي" بإجراء مقابلات صحفية مع كلاً من شقيقه تيسير عزيز "أبو عبد الله"، وزوجة الشهيد "أم أحمد"، بالإضافة إلى نجل الشهيد أحمد، وكذلك "أبو حمزة" أحد مجاهدي القوى الإسلامية المجاهدة "قسم" والذي عاش مع الشهيد في ذلك الزمن الجميل بمقاومته وعزته وعنفوانه.
وتحدث شقيقه تيسير لـ "الإعلام الحربي"، عن بدايات الشهيد ورحلة حياته المحفوفة بالمصاعب والآلام، قائلاً :" توفي والد الشهيد أنور، وهو لا زال في سن العاشرة من عمره، مما كان له الأثر الكبير في صقل شخصيته وتحمله للمسؤولية منذ الصغر"، مضيفاً أن الشهيد أنور كان مثالاً للتواضع والمحبة والغيرة على وطنه ودينه، حيث تربى في بيئة المساجد فشب شاباً يافعاً ملتزماً مواظباً على أداء الصلوات جميعها في مسجد الشهيد عز الدين القسام.
وأكمل حديثه قائلاً: "كان أنور متميزاً بالذكاء الشديد والإيمان العميق والصبر على البلاء، كما يصفه أحد إخوانه "بالصبور" لشدة صبره وعدم اهتمامه بالدنيا وهمومها اللحظية وبحثه الدائم عن الآخرة وما يقرب إليها من عمل.
وأوضح أن الحس الإسلامي نما وكبر معه منذ الصغر ، وذلك بفضل تردده على مسجد أبو خوصة في مخيم جباليا"، منوهاً إلى أن الشهيد أنور تعرف على فكر حركة الجهاد الإسلامي بعد معركة الشجاعية حيث كان لها الأثر الكبير في توجهه لحركة الجهاد والانضمام لصفوفها كمقاتل عاشق للشهادة وباحث عنها في كل زاوية من زوايا الوطن.
وفي معرض حديثه عن مشاركة الشهيد أنور في بداية الانتفاضة المباركة وبالتحديد مع حادثة المقطورة الشهيرة، قال شقيق الشهيد: "ذهب شهيدنا مع جمع غفير إلى المقبرة لدفن شهداء حادثة المقطورة، وبعد الدفن تلثم شهيدنا، وخطب خطبة رائعة أذهلت الجماهير كلها، حيث كان أول ملثم في الانتفاضة في هذا الوقت بحيث سمى بعدها "بالملثم الأول"، حيث كان لخطبته دور هام في تأجيج مشاعر المتظاهرين، داعياً إياهم للهجوم على معسكر الجيش القابع وسط المخيم، وبالفعل توجه الأهالي هناك، والفضل يعود بعد الله، لشهيدنا أنور، والذي كان يعد سابقة غير مألوفة على الإطلاق، ودارت مواجهات عنيفة استمرت لساعات طويلة عجز خلال الاحتلال عن وقف الشباب الثائر والغاضب على الاحتلال.
من جانبها، أشارت أم أحمد زوجة الشهيد أنور عزيز، إلى أن الشهيد أبلغها في ليلة استشهاده بأنه سيذهب إلى موعد مهم جداً، مضيفةً أنه خرج مدة قصيرة ومن ثم عاد إلى البيت حيث رأت النور يشع من وجهه كالملاك.
ولفتت إلى أنه أوصاها بضرورة إيقاظه مبكراً لكي يصلي صلاة الفجر، وكان ذلك يوم الإثنين حيث كان الشهيد صائماً، وفي الصباح الباكر سمع المخيم بأن هناك عملية لأول مرة تحصل في ذلك الوقت، عندها علمتُ أن منفذ العملية زوجي أبو أحمد، قلت الله يرحمك يا زوجي العزيز, وصليت ركعتين شكر لله تعالى".
بدوره تحدث أحمد نجل الشهيد والابن الأكبر له قائلاً: كنت أبلغ من العمر أربعة أعوام عند استشهاد أبي, كبرت وترعرعت في أسرة متدينة وكنت فخوراً بأن والدي منفذاً لأول عملية استشهادية في فلسطين, وكان والدي عنواناً للتسامح والصدق في حياته, وكان الناس ينظروا لي باحترام وتقدير وذلك تقديراً ووفاءً منهم لصنيع والدي، حيث أن هذه النظرة ما زالت إلى يومنا هذا, وأنا فخوراً جداً بوالدي أنور رحمه الله وتقبله في علياء المجد".
من جانبه أوضح أبو حمزة أحد مجاهدي القوى الإسلامية المجاهدة "قسم" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أحد الذين عملوا خلال الفترة التي نشط بها الشهيد أنور عزيز في صفوف "قسم"، قائلاً:" الشهيد أنور كان يمتاز بالإيمان والوعي الثوري الذي يشكل شخصيته الجهادية، والتي برزت ما قبل الانتفاضة الشعبية عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانون، حيث أنه ساهم بشكل عملي في تأجيج روح الجهاد والمقاومة والمواجهة لدى الشباب في منطقته بشكل خاص وفي مخيم جباليا بشكل عام".
وذكر أبو حمزة، إلى أن الشهيد تعرض للاعتقال عدة مرات على يد قوات الاحتلال الصهيوني تراوحت مدتها ما بين العام والعام والنصف، مبيناً أنه ومنذ أن تعرف الشهيد على فكر حركة الجهاد الإسلامي، أصبح أحد الأشخاص الذّين يشار لهم بالبنان, وذلك لإيمانه ووعيه وثقافته ونشاطه وجرأته وصلابته، التي أهلته الانضمام إلى صفوف القوى الإسلامية "قسم"، ويصبح أحد مجاهديها الأفذاذ ولا أبالغ أن قلت أنه كان أحد قادة تلك المرحلة العصيبة من حياة شعبنا وقضيتنا وأمتنا.
وأردف المجاهد قائلاً: "أن كلاً من الشهداء أنور عزيز وأيمن الرزاينة ومقلد حميد، كانوا بمثابة توأم لا يفترقوا عن بعضهم البعض، حيث كانوا يتنافسون على العمل الجهادي بشتى أنواعه، بما فيها الرصد وإطلاق النار وانتهاء بالإقدام على تنفيذ العمل الاستشهادي"، موضحاً أنه وبتاريخ الثاني من أغسطس من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعون، وبعد رصد ومتابعة لتحرك لآلية صهيونية التي تواجد فيها عدد من ضباط الشرطة العسكرية الصهيونية في منطقة الشيخ عجلين، قام بإطلاق النار على الآلية الصهيونية، ما أدى إلى مقتل قائد الشرطة العسكرية في المنطقة وإصابة خمسة من الشرطة العسكرية، وانسحب شهيدنا بسلام من المكان.
وبالنسبة لعمله في مجال صناعة المتفجرات والأحزمة الناسفة، بين أبو حمزة، أن الشهيد أنور عزيز، كان من المميزين في هذا المجال، حيث أن الشهيد المهندس محمود الزطمة "أبو الحسن"، كان يعتبره أحد أمهر الأشخاص الذّين تعامل معهم في هذا المجال، وتوقع له أن يكون له شأن كبير في صناعة الأحزمة.
وبخصوص العملية الاستشهادية والتي قام بها الاستشهادي القائد أنور عزيز "أبو أحمد"، ذكر أنه وفي صباح يوم الثالث عشر من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعون، توجه الشهيد أنور، إلى منطقة الخط الشرقي في منطقة شرق غزة وتحديداً منطقة "نحال عوز"، حيث كان شهيدنا يقود سيارته المفخخة والمحملة بأكثر من ثلاثة عشر كيلو من المواد المتفجرة، وعند اقترابه من رتل عسكري صهيوني، قام بتفجير جسده الطاهر وسيارته المفخخة، مما لارتقائه شهيد ومقتل وإصابة العديد من جنود الاحتلال.
واختتم أبو حمزة حديثه، بالتأكيد على خيار الجهاد والمقاومة والتي زرعها الدكتور المعلم فتحي الشقاقي في نفوس المجاهدين، مشيراً إلى أن هذا الخيار هو الخيار الأصوب والأقرب لتحقيق النصر والتمكين بإذن الله.
الجدير بالذكر، أن الشهيد أنور عزيز قام قبل استشهاده بالتبرع ببيت كان يعود له لإقامة مسجد، وذلك لكي ينشئ جيلاً قرآنياً مؤمناً بعدالة قضيته مدافعاً عن دينه ووطنه، وتكريماً له ولروحه الخالدة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، أطلق على هذا المسجد اسم "مسجد أنور عزيز"، كذلك أطلق على ساحة في وسط مخيم جباليا بساحة الشهيد أنور عزيز، لكي يبقى اسمه منارةً وشعلة لكل الأجيال القادمة.














