الإعلام الحربي _ خاص
من أين نبدأ، من كلمات الشهيد المعلم فتحي الشقاقي، والتي صرخ بها عالياً بأن هذه الأمّة على موعدٍ مع الدّم، دمٌ يلوّن الأرض، دمٌ يلوّن الأفق، دمٌ يلوّن التاريخ، ودمٌ يلوّن الدّم، ونهر الدّم لا يتوقّف دفاعًا عن العقيدة والأرض والأفق والتّاريخ، دفاعًا عن الحق والعدل والحريّة والكرامة، أم من كانون أول الشهادة والتضحية، أم من ذلك الدم الذي تسربل بالطهارة والبطولة في أزقة مخيم جباليا، أم من ذلك الدم الممزوج بالإيمان والوعي والثورة.
ففي صبيحة يوم الاثنين "يوم عرفة"، الموافق الثامن عشر من شهر ديسمبر من العام ألفين وسبعة، وتحديداً في الساعة السادسة صباحاً، كانت فلسطين على موعد ارتقاء ثلة من أبنائها الأخيار الذين ما بخلوا عليها بأجود ما يملكون، أنهم الشهداء القادة حسام أبو حبل، محمد الترامسي، أسامة ياسين، سمير بكر، والذين كانوا خارجون لتوهم من تأدية صلاة الفجر من المسجد، وإذ بصواريخ الغدر الصهيونية تطالهم، ليرتقوا شهداء وهم صيام في يوم عرفة.
الشهيد حسام أبو حبل "أبو عبيدة"
كان شهيدنا مؤمناً واثقاً بالله وبإسلامه، هادئاً متزناً، شديد الكتمان، وكان من الملتزمين بالصلاة وخاصة صلاة الفجر، وكان متديناً يعطف على الصغير والكبير، يصل رحمه وأقاربه، محبوباً مبتسماً، كان نعم الزوج لزوجته، ونعم الأب الحنون الرحيم بأولاده، والابن البار لوالديه، والأخ المحبوب من كل من عرفه، فحب شهيدنا لأرضه ووطنه ومقدساته وحبه للشهادة دفعه للبحث عن طريق يسلكه ليواصل مشواره الجهادي، أعجب واقتنع شهيدنا المجاهد بفكر الدكتور المعلم فتحي الشقاقي، وبصوابية منهجه المقدس "الإسلام، الجهاد، فلسطين" الذي أثبت مصداقيته ومصداقية بندقيته وخيار حركته.
التحق شهيدنا في صفوف حركة الجهاد الإسلامي منذ بدايات العام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعون، ومع اندلاع انتفاضة الأقصى، ومع البدايات الأولى لتأسيس سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، كان شهيدنا من أوائل الذين انضموا إلى ذلك الجهاز، وبدأ نشاطه العسكري من خلال رباطه على الثغور وصد الاجتياحات الصهيونية، وتدرج ليصبح أحد ابرز قادته في شمال غزة ومسئولاً مباشراً عن المنطقة الشرقية للواء الشمال، حيث أشرف على تخريج العديد من الدورات العسكرية لمجاهدي السرايا، وفي الليلة التي ارتقى إلى الله شهيدا كان شهيدنا لتوّه يختتم دورة خاصة لإخوانه في المجال التقني، كما كان لشهيدنا الدور البارز في إطلاق دفعات كبيرة من صواريخ "قدس" على المستوطنات المحاذية لقطاع غزة.
الشهيد محمد الترامسي "أبو السعيد"
كان شهيدنا محمد الترامسي صادقاً مخلصاً تقياً ورعاً، صابراً على البلاء، حكيماً في قراراته، ومما يميز الشهيد أبا السعيد صمته الذي كان يخفي وراءه بركاناً ثائراً من الجهاد والمقاومة، لم يكن يتكلم إلا بما هو هام وضروري، إن من يعرفه أو عايشه يدرك أنه لم يكن على صفات عادية، إنما كان مميزاً بكل صفاته وأخلاقه، كان يحب الأطفال الصغار حباً جماً، حتى أن من يعرفه وكان يخالطه يعرف انه كان لا يترك صغيراً إلا ويداعبه ويمسح على رأسه، كان بمقام الأب للكثير من الأشبال الذين تربوا على يديه، كان فارساً مجاهداً صلباً عنيداً لا يخشى في الله لومة لائم، كان شامخاً كالجبال واسع الصدر كالصحراء الممتدة، ليّن الجانب كالغصن الطري، لم يكن يوماً متشائماً بل كان على الدوام يدعو الله أن يرزقه ما يطلب، كان رحمه الله يردد كثيراً من القرآن.
إن ما يميز الشهيد محمد مما جعله يستحق لقب القائد بجدارة، هو مشواره الجهادي الممتد على مدار سنوات انتفاضة الأقصى، قضاها في الدعوة لله، ومن اجل رفع راية الإسلام، ونشر فكر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وتدرج أبا السعيد في السلم العسكري في سرايا القدس، إلى أن أصبح نائب القائد العام للمنطقة الشرقية في شمال غزة، وذلك بسبب نشاطه وخبرته العسكرية، التي صنعت منه قائداً عظيماً.
كان للشهيد القائد دوراً بارزاً في قيادة سرايا القدس في شمال قطاع غزة، حيث بدأ بتشكيل المجموعات والسرايا العسكرية، واخذ يدرب إخوانه على السلاح وإعداد العبوات الناسفة والأحزمة، كما كان لهو الدور البارز في تشكيل الوحدة الصاروخية في شمال غزة، التي كانت مهمتها دك المستوطنات الصهيونية بالصواريخ القدسية المظفرة.
وكان للشهيد حضور متميز في صد الاجتياحات التي يتعرض لها شمالنا الصامد، من خلال الاشتباكات المسلحة وزرع العبوات، حيث أبتكر شهيدنا أبا السعيد طريقة تفجير العبوات عن طريق الهاتف النقال "الجوال"، حيث أن الكثير من إخوانه في الجهاد والمقاومة شاهدوه وهو يفجر إحدى جرافات الاحتلال في منطقة الشيخ زايد.
الشهيد أسامة ياسين "أبو علي"
تميز شهيدنا أسامة ياسين بالسرّية التامة، حيث انه رجل أمن من الدرجة الأولى، ويمتاز كذلك بالكتمان وهو قليل الكلام، وطبعه هادئ، كما كنت تربطه علاقة أسرية عائلية بجميع أفراد العائلة، وكان يمثل العمود الفقري لعائلته.
في منتصف عام ألفين أربعة انضم شهيدنا أبا علي إلى صفوف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ونظراً لخبرته العسكرية في إطلاق الصواريخ والتصنيع، اختارته قيادة سرايا القدس للعمل ضمن صفوف السرايا، حيث أن الشهيد قام بتجهيز العديد من الأحزمة الناسفة لعدد من الاستشهاديين منهم الاستشهادي أسامة زقوت والاستشهادية ميرفت مسعود.
وفي آخر عملياته، قام هو وعدد من مجاهدي السرايا بإطلاق عدد من صواريخ القدس المظفرة، والتي أصابت عدداً من جنود ومجندات العدو الصهيوني قبل أيام من استشهاده.
الشهيد سمير بكر "أبو عماد"
لقد كان سمير بكر منذ صغره محبوباً من جميع إخوانه ومن كل من عرفه، وتميز بصفات لم تكن إلا في القليل من الشباب، وكان دائماً مطيعاً لوالديه، وهادئاً منذ صغره ومبتسما في كل المواقف والأحوال، وتميز بالتزامه بالمسجد منذ نعومة أظافره، ويعرف بأنه كثير القيام بالليل وخاصة بشهر برمضان وواصل لرحمه، بالإضافة لصفة خفة الحركة وسرعة إنجاز العمل.
في منتصف العام ألفين وأربعة انضم شهيدنا أبا عماد لصفوف حركة الجهاد الإسلامي، ولنشاطه الكبير وسرعته البديهية تم ترشيحه للعمل في إطار جناحها العسكري سرايا القدس، ليصبح بعد ذلك أحد قادة سرايا القدس في شمال غزة، وأيضاً مسؤول تدريب المجاهدين، ومسؤول الإمداد العسكري في المنطقة الشرقية في لواء الشمال.
ومع انتقاله للعمل ضمن صفوف سرايا القدس، واصل أبا عماد طريقه الجهادي بكل شجاعة وتفاني، حيث قام بالمشاركة في قصف الكثير من صواريخ القدس وعلى جميع المغتصبات المحيطة في قطاع غزة، كما شارك في صد الكثير من الاجتياحات التي تعرضت لها شمالنا الصامد.
الشهادة
ما أروعه من قدر وما أسعدها من لحظة أن تتعانق وتلتقي وتصعد أرواحهم سوياً، إنه قدر الشهداء وقدر المجاهدين المرابطين على ثرى الوطن الحبيب، هناك رجال لا يتركون التاريخ يصنعهم فهم يصنعون التاريخ وبدمائهم يسطرون للعالم اسطع صفحات المجد والبطولة والفداء والبذل في سبيل الله، رجالاً لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فهم يمضون في طريق ذات الشوكة بكل إقدام وبسالة.
حيث أنه وفي مثل هذا اليوم، صعدت أرواح أخوة كانوا بالنسبة لمن عرفهم وعايشهم بالتوأم الذي لا يفترق، وكانوا بالنسبة للكثيرين كأنهم رجل واحد، فعاشوا سويا وجاهدوا في سبيل الله سوياً وارتقوا إلى جنان الخلد بإذن الله سوياً، فكانوا نعم الشاهد على زيف هذه المرحلة، وغادروا هذه الدنيا ليؤكدوا لنا أنه لا طريق إلا طريق الشهداء.



























