الإعلام الحربي _ خاص
قباطية منجم الأبطال ومعقل الجهاد الإسلامي وقبلة المجاهدين ومصنع الاستشهاديين .. في قباطية تضرب جذور التحدي أطنابها.. وفي قباطية يحلق الفخار ويسمو فوق حطام الدنيا.. وفي قباطية يعلن الثأر ان النصر قادم لا محالة .. وفي قباطية تعلو رايات السرايا خفاقة صافعة كل المتخاذلين.. وفي قباطية نشأ القائد حمزة أبو الرب.
تمر علينا اليوم الاثنين الذكرى السنوية الرابعة عشر لاستشهاد الشهيد القائد يوسف أبو الرب أحد قادة سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بالضفة المحتلة والي ارتقى شهيداً بتاريخ 27-12-2002م بعد خوضه اشتباك بطولي عندما حاصرت قوات الاحتلال منزله في بلدة قباطية قضاء جنين.
في قباطية قضاء جنين ولد الشيخ المجاهد يوسف محمد خليل أبو الرب (حمزة أبو الرب) في 31/12/1962 . ونهل العلم في مدارس البلدة حتى وصل الى الصف الثامن الأساسي ولضيق الحال لم يتمكن من إتمام دراسته ليعمل وينفق على أسرته .نشأ حمزة وترعرع في المسجد القديم وسط بلده قباطية .. فدخل الإيمان قلبه و اخذ عدة دورات في تجويد القرآن ... ظل نشاطه مميزا في المجال الدعوي حتى بات يعرف بالشيخ حمزة لورعه ومواظبته على تلاوة القرآن ودروس الوعظ والإرشاد للصغار في مساجد البلدة.. وكان مجوّدا بارعا متقنا لتلاوة القرآن الكريم لأربع قراءات . يوزع وقته بين المسجد حيث يعلم الصغار التجويد والمصارعة بين خدمة والده ووالدته المقعدة وحتى والد زوجته المريض كان يعنى به بنفسه فكان يسترق الوقت الذي يتمكن فيه من الوصول للبلدة خلال مطاردته الطويلة والتي استمرت عام ونصف العام قبل استشهاده رحمه الله ليصل الى بيت حماه ويرعاه.
كان حمزة من الرعيل الأول لحركة الجهاد الإسلامي في منطقة جنين بعد انضمامه للحركة بملازمته المجاهد عصام براهمة. هذا هو الشهيد حمزة الذي تكلمت سطوره الصامتة فكان الرد بمواقفه البطولية و التي ظهرت في الانتفاضة الأولى فكانت مشاركته الفاعلة في مواجهات الحجارة جرح برصاصة في الصدر و لم يثنه ذلك عن مواصلة الجهاد. المجاهد حمزة أبو الرب وهو مهندس العبوات الناسفة كان له دورا فاعلا في زرع العبوات الناسفة و تصنيعها اذ تم ضبط مجموعة العبوات في بيته عام 1991 م .فقد اشترك مع الشهيد إياد صوالحة في تصنيع العبوات .
نذر أبو الرب حياته لتوسيع دائرة نشاط الجهاد الإسلامي وترسيخه في جنين. فكان شغله الشاغل انضمام اكبر عدد ممكن ممن يقع عليه اختياره من صفوة الشباب في البلدة والمناطق المحيطة بها لحركة الجهاد الإسلامي. وكان الشيخ حمزة جواداً معطاءً حنون القلب يبذل في سبيل الله للفقراء والمحتاجين ويؤثر الناس على نفسه. تذكر زوجته موقفا قبل استشهاده بيوم عندما حضرت إحدى النساء ولها عائلة فقيرة وطلبت مساعدة من بيت الشيخ ولكن زوجته لم تكن تملك النقود وعندما حدثت زوجها اخرج من جيبه المبلغ الذي يملكه وحزم لها بعض المؤن من بيته وأرسل زوجته الى بيت تلك المرأة في جنح الظلام لتعتذر لها وتقدم لها المساعدة.
تصف ام محمد زوجته حياتها معه فتقول:" كان الشيخ متقشفا يؤثر للآخرة على الدنيا" لا نكاد نطلب غرضا من كماليات البيت حتى يبادر بالرفض لأنه يعتبر أي شيء يفيض عن حاجاتنا الأساسية ابتعادا عن الآخرة التي يحلم بها ويتوق اليها " حتى تعودنا منه على النمط من العيش ". اعتقل الشيخ المجاهد أربع مرات وقضى خلف القضبان الصهيونية ما مجموعه سنوات خمس . ابو الرب وهو اب لاربع اولاد وابنتين بات المطلوب الأول في جنين بعد كشف أمر تخطيطه لعدة عمليات استشهادية وتأسيس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في جنين.
في خضم سياستها التعسفية للعقاب الجماعي قامت سلطات الاحتلال الصهيوني بهدم البيت المكون من طابقين على محتوياته وتشريد أسرته وذلك بتاريخ 28/9/ 2002 مما حدا به لاستئجار بيت قريب من الطريق العام في مدخل قباطية محاط بعدة بيوت.
انها ليلة 26/12/2002 المطر ينهمر غزيرا والبرد قارص والأجواء عاصفة .. لكنها لم تكن كأي ليلة شتاء أخرى في قباطية فقد تحولت سماء البلدة الى اللون الأحمر بعد اطلاق دفعات من المضيئات .بعد ان حاصرت قوة عسكرية صهيونية بيت الشيخ حمزة "أبو اسلام" وبدأت مكبرات الصوت تصدح منادية على "يوسف أبو الرب "أي حمزة بالخروج من البيت وتسليم نفسه. مرت ثلث ساعة على هذه الحال . دون أي رد فعل.
وعن هذه الليلة تقول ام محمد:" ما ان سمعنا صوت المكبرات حتى عرفنا فورا ان هذه الليلة لن تمر دون دماء .. " تحرك الشيخ حافي القدمين باتجاه المطبخ الذي يبتعد عن مرافق البيت وقد هب منتشيا وهو يردد سأستشهد أخيراً!!"
أم محمد زوجة الشيخ حمزة تقول:" في تلك الليلة بدأ الشيخ ينظف بندقيته ويعبئها بالذخيرة وقد ملأ جيوبه بكميات منها" ثم نظر إلي وقال:" سأستشهد بإذن الله وستكونين ملكة متوجة على حوريات الجنة ".
وتضيف:" لم تكن المرة الأولى التي يتحدث بها الشيخ عن الجنة والرحيل إليها والشهادة التي يتمناها ولكن شيئا في صوته جعلني أوقن ان أمنيته ستتحقق في تلك الليلة ".وتضيف: " تجمدت الدموع في عيني وحاولت إخفاء توتري لكنه التفت الي وقد شعر بما انا فيه وأوصاني بالا ابكي ولا أنوح ولا اصرخ بعد استشهاده وطلب مني ان أوزع الحلوى احتفالا وابتهاجا".
مضت فترة قصيرة من الوقت ثم أجبرت القوة الصهيونية عائلة الشيخ حمزة على الخروج من المنزل .كل من زوجة الشيخ "أم محمد" وأولادها محمد وعبد والصغير مصطفى والبنات أسماء وإسلام جلسوا على الوحل والمطر ينهمر غزيرا فوق رؤوسهم .. ثم بدأ إطلاق النيران .. .تقول أم محمد:" استعد الشيخ وتحصن في مكان آمن بعيد عن مرمى النيران واخذ يطلق كل باغتين معا ونيرانه تصيب الجنود وسرعان ما حضرت سيارات الإسعاف لتنقل الجرحى الذين تعالى صراخهم .. رأيت وأولادي أكثر من خمس جرحى واقسم جيراني على وجود قتلى بينهم فقد غطي جثث اثنين منهم بأكياس سوداء ونقلتهم المروحيات".
وتضيف أم محمد:" حالة من السخط والغضب سيطرت على قائد الهجوم فتوجه إلي وأجبرني على التحدث مع الشيخ عبر مكبرا الصوت ومطالبته بالاستسلام "وفي خطوة ماكرة اخبرني انه سيعتقل الشيخ وسأتمكن من زيارته ان هو سلم نفسه ولكني كنت واثقة من خداعهم فحمزة يعرف انه مطلوب للتصفية وليس للاعتقال وإدراكه لهذه النقطة يجعله يستميت في المقاومة ولا يسلم نفسه ليصفى أمام أعيننا ".
وبالفعل قامت أم محمد بما طلب منها ولكن الرد كان حاسما فاستمر حمزة بالمقاومة واطلاق النيران حتى أصاب جندي آخر !. عندها بدأ قائد الهجوم باتخاذ أسلوب آخر للقضاء عليه فرسم بمعاونة الأسرة مخطط للبيت ثم طلب من "العبد" الابن الأوسط للشيخ بالدخول لاستقصاء مكان والده ومعرفة عدد المقاومين معه .
دخل عبد إلى البيت وغاب قرابة الربع ساعة توقف خلالها اطلاق النار ثم خرج وعلامة الفرح ترتسم جلية على وجهه . أكد للقائد ان والده بمفرده وانه يرفض الاستسلام . وعندما رجع بين أفراد الأسرة التي تنتظر أحداث تلك الليلة في العراء اخبر والدته بما رأى فقال:" كان والدي في أقصى حالات الاسترخاء والهدوء رغم اصابته بشكل طفيف وقد تحصن بالمطبخ وكان قد احتسى الشاي وطلب مني ان اهتم بالعائلة وعبر عن سعادته بقرب الرحيل الى الجنة وقال (اخبرهم أني سأقاوم حتى الرمق الأخير) وقال بالحرف الواحد:( من أرادني فليدخل ويواجهني رجلا مقابل رجل.")
أي رجل انت يا حمزة!. هكذا كان لسان حال الجيران ينطق بدون كلمات .. سيما بعد إطلالة الصبح على قباطية .. وقدوم تعزيزات أخذت تقصف البيت بقذائف "الانيرجا" مما ادى الى اشتعال النيران في جزء منه . وبدأت الجرافة تهدم البيت ولآخر لحظة كانت القوة الصهيونية واثقة أن حمزة برفقة ثلاثة أو أربعة مقاومين .
ثم اخرج جثمان حمزة من تحت الأنقاض وجاء قائد الهجوم واخبر محمد أن والده مات! فلم يتمالك محمد نفسه وهجم على الضابط واشتبك معه بالأيدي وهو يردد " سأنتقم منكم يا قتلة" فانهال عليه الجنود بالضرب المبرح حتى انهار وارتمى على الأرض وسط صراخ والدته وإخوته.
تقدم قائد الهجوم من العائلة المفجوعة بفقد الشيخ حمزة رب الأسرة ومعيلها وقال:" يوسف قاتل أرسل عمليات داخل الكيان الصهيوني وقتل أبرياء! وقد كنا نريده حيا لنقتله". لقد عبر هذا القائد الصهيوني عن العقلية الإجرامية لمن يتشدق بالمبادئ الإنسانية ويمثل أمام الدنيا البراءة .
لم يكن مقتل يوسف أبو الرب ضربة قاسية وجهت لحركة الجهاد الإسلامي كما ظن الكيان الصهيوني بل ومضت قوية جعلت سرايا القدس على أهبة الاستعداد وسرعان ما جاء الرد على استشهاده في عملية استشهادية نفذها الاستشهادي ربيع احمد كامل زكارنة وهاني زكارنة وقتل فيها صهيوني وجرح 4 آخرين وذلك في مستوطنة قاديش قرب جنين بتاريخ 12/1/2003. وكذلك في اليوم التالي لاستشهاد القائد حمزة أبو الرب، اقتحم الاستشهاديين أحمد الفقيه ومحمد شاهين مستوطنة عتنائيل – جنوب مدينة الخليل – فمكنوا من قتل 4 صهاينة وأصابوا 7 آخرين.

