الإعلام الحربي _ غزة
قسوة حياة المخيمات وشمسها العنيدة جعلت منهما طفلين بقلب رجلٌ واحد، أخذا من الحجارة لعبةُ يطاردان بها مغتصب أرضهما ومُهجر أهلهما، كبرا بين أحضان أسرتين جعلتا من استبداد عدوٍ سليط واعتداءاته المتتالية قصصاً تُنسج، ليتحولا من طفلين لاجئين إلى ثائرين وبطلين، هما رفيقا الشهادة أنور سكر وصلاح شاكر، منفذا عملية«بيت ليد» الاستشهادية.
وفي ذكراها الثانية والعشرين الذي صادف أمس الاحد، تحتفظ عملية «بيت ليد» الاستشهادية بشرف صدارة العمليات الفدائية الأكبر في تاريخ النضال الفلسطيني، سواء من حيث كونها باكورة العمليات الاستشهادية المزدوجة أو من حيث الدقة المتناهية في اختيار ورصد الهدف، وكذلك عدد الجنود القتلى نتيجة العملية.
رفيقا الشهادة
بين أزقة وشوارع مخيم رفح الصمود الذي اشتعل غضباً من نار الاحتلال، تربى "صلاح شاكر" ليرى الظلم يزداد كلما ازداد حبه لأرضه الذي تمنى أن يرويها من دمائه الطاهرة، وفي حي الشجاعية كان رفيقه "أنور سكر" يعيش بروح المحبوب الثائر يرتوي بعشق بلاده الطاهرة ويروي ظمأه بنور ضيائها المسروق.
توالت الأيام واقترب الغضب من الفيضان، وخلف الكواليس قادةٌ لم يناموا ليلهم ليجدوا هدفاً يشفي صدورهم وبذات الوقت يكون ضربةٌ تنقش الألم على وجوه أعدائهم، وبعد دراسات معمقة ورصد دقيق استمر عدة أسابيع كان الهدف "مفترق بيت ليد" حيث يوجد فيه محطة تجمع الحافلات لنقل الجنود الصهاينة.
وبعد انتهاء القيادة العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي من دراسة مخططات العملية ورصد الهدف بدقة والتأكد من ازدحام المفترق المستهدف واكتظاظه بجنود جيش الاحتلال وقع الاختيار على الرفيقين "أنور سكر وصلاح شاكر"، ليتوهج كل منهما فرحاً ويزداد شوقهما للشهادة التي طالما تمنياها.
نقطة الصفر
وفي صباح يوم 22/10/ 1995م، كان أنور وصلاح ينتظران بشغف امتلاء المكان بالجنود، وعندما دقت الساعة لتعلن اقترابها من التاسعة والعشرين دقيقة زاد المكان جمالاً في عين الشهيد أنور سكر المكتحلة برؤية الشهادة، فتقدم بضع خطوات باتجاه فريسته وكبر وفجر جثمانه الطاهر بهم.
دقائق مرت سريعاً تعلوها صرخات الكيان بعملية تفجير وقعت في صفوفهم، وصلاح ينتظر دوره وعينه تراقب الأشلاء تتطاير هنا وهناك ليزيده المشهد شجاعة وشوقاً للحاق برفيقه.
وما هي إلا لحظات معدودة، حتى بدأ الحشد يزداد وسيارات الإسعاف تصل المكان، حتى أصبح المشهد مغرياً يزيد قلب صلاح تشوقاً، فتقدم بين صفوفهم وفجر جسده الطاهر لتتطاير أشلاء الجنود الصهاينة مرة أخرى، وتصبح حصيلة العملية مقتل 24 جندياً وإصابة 80 آخرين حسب اعترافات العدو.
الوداع الأخير
ويستذكر عبد الله سكر، شقيق الشهيد "أنور سكر" المنفذ الاول لعملية "بيت ليد"، آخر ساعات لشقيقه بين أحضان عائلته قائلاً: "كان أنور في ساعات غروب يوم 21 يناير1995، يتصرف بغرابة كأنه ودعنا دون علمنا، حيث أخذ جميع أفراد العائلة إلى أستوديو التصوير المجاور للمنزل والتقط صورة مع كل فرد، وصورة جماعية للعائلة".
ويكمل عبد الله حديثه "حينما شعر والدي بالقلق والاستغراب من تصرف أنور سأله لماذا تفعل هذا؟ فأجابه أريد أن أبقى بجانبكم دائما وتتذكروني وأكون شرفاً لكم، فلم نأخذ بكلامه كثيراً لأنه عادةً يردد تلك الكلمات، وعاد الجميع للبيت وبقيت أنا ماسكاً بيد أنور فهو كان قدوتي وقوتي، وبعد دقائق طلب مني شراء المكسرات من المحال المجاورة، وعند عودتي لم أجده وبقيت أبحث دون فائدة".
نامت عيون المحبين تلك الليلة بعد ساعات طويلة من انتظار أنور على أمل رجوعه صباحاً، لكنهم في اليوم التالي وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً استفاقوا على أصوات التكبيرات التي صدحت من منابر مساجد حي الشجاعية، معلنة استشهاد أنور سكر ورفيقه صلاح شاكر بعدما نفذا عملية "بيت ليد".
ويتابع شقيق الشهيد "استشهاد أنور لم يكن صدمة لقلوبنا، لأنه نال ما كان يتمناه، فقد كان ينتظر الشهادة بشغف ويطلب من الجميع الدعاء له بالالتحاق بموكب الشهداء، ويُكافئ من يدعو له، ولكون الشهادة شرف كبير يمنحه الله لمن أراد من عباده الصالحين"
ألم الفراق
اثنان وعشرون عاماً مضت على الفراق ومازال الحزن العميق يحتل قلب والدة الشهيد صلاح شاكر، فكيف يزول الألم وقد كان صلاح أنيس وحدتها وضياء بيتها وضحكة وجهها في ذلك الوطن البأس، وبالرغم من أن نجلها نال شرف الشهادة التي تمناها إلا أنها تَبكِيه دمعاً كلما مره طيفه من أمامها.
وتقول والدة الشهيد "تربى صلاح وهو يرى ظلم الاحتلال لأهله ووطنه وكلما كبر كبرت معرفته بقداسة وإسلامية أرضه المحتلة، فكان دائما يتابع الأخبار ويحترق قلبه من ظلم المحتل، حتى أصبح يحدثني دائماً عن الشهادة وتمنيه لها، والتحق بصفوف المجاهدين في حركة الجهاد الإسلامي لعله يجد من يدفعه لتحقيق حلمه بنيل الشهادة في سبيل الله والدفاع عن الوطن".
وتصف والدة الشهيد نجلها بخيرة شباب رفح، حيث كان طيب القلب بشوش الوجه وعلى علاقة طيبة بعائلته، بارا بوالديه ومحبا لإخوانه، لطيفاً مع أصدقائه يسعى دائما للاقتراب منهم ومساعدتهم، أحبه أهالي مدينته ووصفوه بالوطنية والصلاح.
وتوضح أنه بالرغم من السنوات الطويلة على عملية "بيت ليد" التي نفذها صلاح، مازال اسمه يتردد دائماً، ومازلت بطولته تشرفنا، مشيرة إلى أن حركة الجهاد الإسلامي في كل عام في ذكرى استشهاده تقدم لفتات جميلة تؤكد على تمسكهم بذات النهج الذي سار عليه صلاح ورفيقة أنور سكر.
ردود الأفعال
وهنا عند سماع خبر الاستشهاد توقفت نبضات القلوب وتحجرت الدمعات في العيون وهي تشاهد أحداث العملية الاستشهادية على شاشة التلفاز، وترى أشلاء الصهاينة تتناثر في كل مكان ليعم الفرح في كل منزل وشارع في قطاع غزة، فقد رحلا قمران من أقمار حركة الجهاد الإسلامي ، وأصبح وهج الشهادة في يناير عطراً فواحاً يكشف مكنون الحب والعشق الدفينين في قلوب محبيهما.
وبكل فخر وصف عبد الله عملية "بيت ليد"، بأنها أكبر ضربة للعدو الصهيوني منذ بدأ الصراع الفلسطيني الصهيوني إلى اليوم، وأنها كانت درساً لن ينساه الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي بأكمله، خاصة لأن القتلى كانوا من الجنود الذين يقتلون أبناءنا.
وبعد ساعات من تنفيذ عملية "بيت ليد" وبعد حالة الهلع والذعر التي أصابت الكيان الصهيوني، خرج رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك إسحاق رابين، ليعلن عجزة عن إيقاف العمليات الاستشهادية وهزيمته أمامها، حيث قال: "ماذا تريدون مني أن أفعل؟ هل أعاقبهم بالموت وهم جاءوا إليه؟!".
ومع تزايد غضب الشارع الإسرائيلي ومطالبة قيادته بالانتقام والرد على تلك الهزيمة التي وقعت في صفوفهم، أعلن "رابين" بدء سياسة الاغتيال والتصفية تجاه من ثبت وقوفهم خلف العملية.
وطالت يد الموساد الصهيوني العقول المدبرة لعملية " بيت ليد" وعلى رأسهم مؤسس الجناح العسكري للحركة محمود الخواجا، وكذلك اغتيال مهندس الأحزمة الناسفة للعملية المهندس محمود الزطمة.
المصدر / الاستقلال

