د.الهندي: السلطة أعطت الاحتلال صك براءة وتناست دماء ومعاناة شعبنا

الخميس 13 مايو 2010

الإعلام الحربي – غزة:

 

تحل الذكرى الـ62 لنكبة الشعب الفلسطيني هذا العام حاملة معها الكثير من المتغيرات المتناقضة، التي منها ما يبشر بقرب زوال كيان الاحتلال وعودة أصحاب الحق إلى ديارهم، ومنها ما يضع الفلسطينيين في دائرة اليأس والخوف من المستقبل المجهول. فالكيان الصهيوني بعد 62 عاما على إنشائها لم تعد الكيان المخيف، ولم تعد قادرة على تهديد المنطقة بسلاحها وجيشها الذي "لا يقهر"، وتحيط بها التهديدات من كل جانب...في المقابل تأتي الذكرى وتحمل معها عناوين مختلفة، لعل أبرزها عودة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لطريق المفاوضات التي لم تنجز شيئا على مدار سنوات من الزمان، على وقع تزايد عمليات الاستيطان والتهويد وطرد المواطنين من الضفة، والعمل في الخفاء لتوطين اللاجئين، مرورا بالتضييق على الأسرى وأهاليهم، واستمرار أجهزة السلطة في ملاحقة المجاهدين بطرق مختلفة، وليس انتهاء بالتهديدات المستمرة بمهاجمة إيران وحزب الله وسوريا وقطاع غزة... هذه القضايا وغيرها، نوقشت خلال حوار مع عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور محمد الهندي.

 

قرارات شكلية

فقد أكد د. الهندي أن قرار جامعة الدول العربية وقرار منظمة التحرير الفلسطينية باستئناف المفاوضات غير المباشرة هي قرارات شكلية، وأن مطلب أمريكا باستئناف المفاوضات أعلنت عنه هيلاري كلينتون قبل أسبوعين، مشيرا إلى أن اجتماع الدول العربية جاء لإعطاء غطاء عربي للمفاوضات، وقرار منظمة التحرير جاء لإعطاء المفاوض غطاء فلسطينيا.

 

وقال: هذه المفاوضات غير المباشرة تعني أن يأتي ميتشل إلى المنطقة ويجتمع بقادة السلطة وقادة الاحتلال ويظل متنقلا بين رام الله والقدس بدون تحقيق أي قفزة، أما الإيحاء بوجود مؤسسات عربية وفلسطينية تتخذ قرارات فهذا كلام فارغ ليس له أي مضمون سياسي، الموقف يتم اتخاذه في الإدارة الأمريكية ويفرض على الجميع".

 

وفيما يتعلق بجدول المفاوضات بين السلطة والعدو، أوضح د. الهندي بالقول: قالوا إنها ستتناول كل مسائل القضايا النهائية، لكنها ستبدأ بالأمن والحدود، الجدول الصهيوني هو المفروض على الطاولة، وعندما يتناقشون في الأمن، فمتى سيتناقشون في القضايا الأساسية؟ الأمن أصبح الآن قضية من قضايا المرحلة النهائية".

 

بنية السلطة

ويرى عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي وجود مشكلة في بنية السلطة "فعندما تقول هذه السلطة إن خيارها الإستراتيجي هو المفاوضات، وتبقى تتفاوض على مدار ربع قرن، معنى ذلك أنها ربطت حياتها كسلطة بالمفاوضات، ولذلك اتخاذ مواقف بأنه لا عودة للمفاوضات إلا بوقف الاستيطان سيتم كسرها، طالما أن المفاوضات هي منطق السلطة الذي يحكمها معنى ذلك أنها ستعود للتفاوض، وهذه التعنتات بأننا لن نعود للجلوس مع الكيان الصهيوني إلا بوقف الاستيطان مسألة للتسويق الإعلامي".

 

ويعتقد د. الهندي أن الأخطر من ذلك تزايد الاستيطان والتهويد في ظل المفاوضات، معربا عن خشيته من أن يصبح غطاء المفاوضات في المستقبل على حساب مزيد من تهويد الأرض الفلسطينية ومزيد من البناء الاستيطاني.

 

وأشار إلى أن الولايات المتحدة لم تعط السلطة أي تعهد بوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بل جددت التزامها بأمن العدو ويهوديته.

 

ماذا ستجني السلطة؟

ردا على هذا السؤال، قال د. الهندي: لا شيء، إذا كانت هناك نتيجة يمكن تلخيصها في مسألتين، أن المفاوضات تعطي انطباعا بوجود مسيرة سياسية، وهذا الانطباع يفيد العدو في تحسين صورته التي اهتزت أمام العالم بعد العدوان على غزة، نحن نعطيها صك براءة وننسى كل هذه الدماء الزكية التي سالت على أرض غزة، ونعود إلى المفاوضات،  نبرئ إسرائيل ونريحها من الحصار، بعض الدول والمحاكم الأوروبية كانت تلاحق قادة العدو، ولكن عندما يكون هناك مسيرة سياسية تحتاج بعض الوقت للتفاوض حول القضايا الأساسية، معنى ذلك أن المرحلة السابقة طويت وفتحت صفحة جديدة، عنوانها أن الكيان دولة مسئولة تتفاوض مع الفلسطينيين".

 

وأردف: المسألة الأخرى والتي عودنا عليها العدو باستمرار هو أن يضغط على الشعب الفلسطيني، هذا الضغط أعتقد أنه سيترجم على الأرض بمصادرة مزيد من الأراضي الفلسطينية، والتوسع في زيادة طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية، وقد بدأ العدو بطرد أو إبعاد بعض الفلسطينيين إلى غزة والأردن، والمسألة تتسرب دون أن ينتبه لها أحد، وهي مع الوقت وفي ظل استئناف المفاوضات ستتسع".

 

المسألة الفلسطينية

ويوضح د. الهندي أن السلطة لا تملك من أمرها شيئا، وأن الكيان لديه مشاكل وهناك تباين في وجهات النظر بين حكومة نتنياهو والإدارة الأمريكية، خاصة أن الإدارة الأمريكية تعاني في العراق وأفغانستان ولم تحقق أي نجاحات، مبينا أن هذا التباين في وجهات النظر حسم في النهاية لمصلحة حكومة إسرائيل، وتراجع أوباما عن ممارسة أي ضغوط على الاحتلال، ومارس ضغوطا على الفلسطينيين والعرب للعودة إلى المفاوضات، بدون شرط وقف الاستيطان.

 

واستطرد بالقول: المسألة الفلسطينية توظف لعلاج قضايا إقليمية، ليس هناك أفق لتحقيق انطلاقة في المسيرة السياسية في ظل المواقف الصهيونية الثابتة، لا خلال أربعة شهور ولا بعد سنوات، القضايا الحقيقية للصراع "اللاجئون والقدس والمستوطنات والحدود" ليس فيها أي اختراق، يتم التعامل مع القضية الفلسطينية لتبرير التوتر في المنطقة، واستئناف المفاوضات يساوي إدارة هذه المفاوضات من أجل كسب رأي عام إقليمي ودولي يستغل لعلاج مشاكل الإدارة الأمريكية في المنطقة".

 

ويبيّن أيضا أن الكيان لديه مشاكل في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الملف النووي الإيراني، معتقدا أن التصعيد ضد إيران وسوريا ولبنان وغزة خيار مطروح، ولكنه لا يعالج القضية، وستبقى كل الخيارات مفتوحة وصعبة.

 

حرب إقليمية

وردا على سؤال: هل الحرب الإقليمية تعالج مشاكل الكيان الصهيوني؟ أجاب د. الهندي بالنفي، حيث أضاف: التصعيد ضد أي طرف سيكون له ثمن، الكيان لو كان متأكد من تحقيق نجاحات لشنت عدوانا قبل أشهر، فهي جربت في لبنان عام 2006، ورأت صمود أهل غزة في 2009، وإذا أقدم الكيان على ضرب إيران فستكون ردة فعل إيران قوية، فالدولة الاحتلال لم تعد هذا الكيان الذي يخيف الجميع ويردع الجميع، على العكس الكيان اليوم يمكن ردعه".

 

وفيما يتعلق بالأنباء التي تواترت حول تسليح الولايات المتحدة للكيان الصهيوني بأسلحة متطورة لمواجهة حزب الله والمقاومة بغزة، قال: هذه حرب نفسية، العدو لا يحتاج إلى سلاح، ولو كان  يحتاج للسلاح، فما قيمة الإعلان عنه، فهي مسلحة إلى أسنانها بكل أنواع الأسلحة الأمريكية".

 

الكيان الصهيوني بعد 62 عاماً

"بعد 62 عاما على النكبة، الكيان الصهيوني لم يعد هذا الكيان الذي يوائم عقيدته مع واقعه السياسي، ولم يعد هذا الكيان الفتي المعافى المستنفر الذي يخرج في حروب خاطفة تستمر ساعات أو أيام ويخضع المنطقة، أسطورة الجيش الذي لا يقهر تبخرت، هذا الجيش يمكن قهره ويمكن دحره خطوة بعد خطوة إلى الوراء" أوضح عضو المكتب السياسي للجهاد الإسلامي ردا على سؤال: أين يقف الكيان الصهيوني بعد 62 عاما على تأسيسه.

 

وأضاف قائلا: الكيان الصهيوني اليوم كيان ينخر فيه الفساد من أعلى رأس الهرم مرورا بكل المسئولين، هي خليط مختلف من البشر والعرقيات، وهي تعاني من قنبلة الديموغرافيا، بين البحر والنهر ليس هناك أغلبية يهودية، ومعدل المواليد مرتفع عند العرب المسلمين، لا تقف أنظمة رسمية وجيوش جرارة لا تعرف أهدافها في مواجهة دولة الاحتلال، بل تقف قوى المقاومة التي تلتحم مع تاريخها وعقيدتها وأهدافها".

 

صراع طويل

وعن وضع المقاومة الفلسطينية في الذكرى الثانية والستين للنكبة تحدث د. الهندي قائلا: صحيح أن إمكانات المقاومة متواضعة وضعيفة، ولكنها على الأقل حددت أهدافها وتمسكت بثوابتها وهي تراكم إمكانيات وتجارب، وهذا الصراع لا يحسم في ضربة واحدة، ولا يحسمه جيل بعينه، وهذا صراع طويل ممتد في أعماق التاريخ والعقيدة والسياسة، وسينعكس على كل الأوضاع في المنطقة".

 

مصير مشترك

ولدى سؤالنا عن تأثير الانقسام المستمر على القضية الفلسطينية، يرى د. الهندي أن الانقسام هو الذي يقصم ظهر الشعب الفلسطيني "فكل الفلسطينيين في الداخل والخارج توّاقون لطي هذه الصفحة وإعادة اللحمة وترتيب البيت الفلسطيني، والتوحد من أجل مواجهة المصير المشترك، وخاصة أن العدو في النهاية هو عدو للجميع".  وتساءل الهندي: ولكن على ماذا نتوحد؟ إذا لم يكن لدينا مرجعية وطنية واحدة نعود إليها في حال الاختلاف، فمعنى ذلك أننا سنعاني من الانقسام باستمرار، ونحن دعونا لبناء هذه المرجعية التي هي منظمة التحرير لتكون ممثلة حقيقية لكل القوى السياسية الفلسطينية الفاعلة على الساحة.

 

وزاد بالقول: المسألة الأخرى التي توحد الناس هي برنامج سياسي يمثل الحد الأدنى للفصائل ويؤكد على التمسك بالثوابت الفلسطينية التي أجمع عليها شعبنا على مدار سنوات الصراع، أما أن تكون مصالحة يتم توظيفها لخدمة العملية السياسية فهذه مسألة تعقّد التوصل إلى مصالحة حقيقية وتعمّق الأزمة، وتفتح المجال للضغوط الخارجية". ودعا د. الهندي مصر لبذل مزيد من الجهد والمثابرة في ملف المصالحة ولتكون وسيطا يقرب وجهات النظر المختلفة دون أي اشتراطات أو ضغوط.

 

الضغط على الأسرى

وفي موضوع القرارات الصهيونية الأخيرة بالضغط على الأسرى في السجون لحث ملف تبادل الأسرى، أوضح د. الهندي أن الكيان طوال الوقت يمارس ضغوطا على الأسرى، وأن المسألة غير مرتبطة بملف شاليط أو غيره، فإدارة السجون متغطرسة تمارس سياسة العزل وتقتل الأسرى وتجرّب عليهم الأدوية وتمنع زيارة الأهل وتذلهم أثناء الزيارة..". معربا عن اعتقاده بأن هذا الأمر له علاقة بتخفيف الضغط على الأصوات المتعالية في الكيان الصهيوني لإنجاز الصفقة بأي ثمن.

 

التوطين مسألة معقدة

وفيما يتعلق بموضوع توطين اللاجئين الذي يسير على قدم وساق في الخفاء بدعم من دول عربية، أوضح القيادي في الجهاد الإسلامي أن هذه المسألة معقدة، وأن الأجواء لا تبشر بخير "فعندما يكون هناك تهجير إلى كندا ودول اسكندنافية أخرى، تتشكل مخيمات فلسطينية بسيطة، ولكنها نواة، هذه مسائل تعطي إشارات لمخططات خطيرة طويلة المدى بدأ الكيان الصهيوني وحلفاؤه يمارسونها في ملف التوطين واللاجئين، وهذا المخطط يحتاج إلى فضح".

 

إنجازات وهمية

وحول الحملة المسعورة التي تشنها السلطة الفلسطينية ضد المقاومة والمقربين منها في الضفة الغربية، ولاتي لم يكن آخرها فصل عشرات المعلمين وسجن آخرين على خلفيات أمنية، أوضح الهندي أن هذه الحملة مستمرة ضد روح المقاومة والشعب الفلسطيني. وقال: عندما تتعدى القضية ملاحقة المقاومة العسكرية إلى ملاحقة الناس في أرزاقهم وملاحقة أي نشاط اجتماعي أو سياسي أو ثقافي، فمعنى ذلك أن هناك منهج خطير، السلطة هي في خدمة ما يسمى بالتنسيق الأمني، كي يستمر ضخ الأموال إلى شرايينها.