الشهيد القائد "محمود الحيلة".. قائد صلب وقلب رحب

الإعلام الحربي _ غزة

لم يكن مجرد قائد أو مؤسس لأهم الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، فقد أفنى حياته في خدمة قضيةٍ آمن بها، ووطن حُفر في قلبه منذ نعومة أظافره، فلم يدخر جهداً أو مالاً من أجل تقوية وإعلاء كلمة الحق، إنه أحد مؤسسي الجهاز العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وعضو المجلس العسكري لسرايا القدس محمود عبد ربه الحيلة "أبو هنادي" (69 عاما) الذي وافته المنية إثر مرض عضال ألم به.

القيادي البارز في سرايا القدس أبو هنادي ترك الدنيا الفانية ورحل الى النعيم الأزلي، تاركاً خلفه جيلا من المقاتلين الذين يعملون ليل نهار في ميادين الإعداد والمقاومة، والذين عاهدوه بالاستمرار في البناء والتمكين.

عاش سنوات عمره وهمه الأول تعزيز قدرات أبناء سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، حتى كحل عينية برؤية صواريخها  تصل مغتصبات العدو في ثلاث حروبٍ متتالية، لكن القدر لم يمهله أكثر ليري غرسه يثمر مزيداً من القوة والصلابة، فقد وافته المنية يوم الاثنين الماضي على فراش المرض.

حياة جهادية

تسعة وستون عاماً، قضاها أبو هنادي بين النفي والاعتقال والمطاردة من قبل عدوٍ لا يعرف سوى لغة القتل والتخريب، فما كان منه الا أن يحمل في داخله ثورة رافضة لوجود الاحتلال الصهيوني، كيف لا وقد شاهده يٌهجر عائلته وأبناء شعبة أمام عينيه ويستوطن أراضيهم عام 48م.

ويعدّ القائد  الحيلة الرجل الأول الذي دمر الاحتلال منزله في قطاع غزة؛ بعدما توغلت جرافات الاحتلال عام 1970م، وجرفت منزله في منطقة معسكر خانيونس جنوب القطاع، وقد تعرض لأكثر من استهداف ومحاولة اغتيال من الاحتلال وطائراته.

بنبرة فخرٍ وغزة، يقول القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أبو أحمد المدلل:" إن القيادي أبو هنادي كان منذ صغره يحمل في قلبه غضباً كبير ورفضاً قوياً لوجود الاحتلال الإسرائيلي، بعدما قامت قوات الاحتلال بتهجيره وعائلته من أراضي الـ 48 إلى قطاع غزة، وبدأ مشواره الجهادي في بدايات الثورة الفلسطينية إلى أن طرد من قبل الاحتلال وعاش حياته مشرداً في ساحات الوطن العربي، لكنه كان على تواصل مستمر مع الخلايا العسكرية في فلسطين". 

وأضاف المدلل":" إنه عاد إلى قطاع غزة في التسعينيات مع بداية وجود السلطة الفلسطينية، واستمر بعمله الجهادي بعد أن انضم إلى حركة الجهاد الإسلامي في إحدى الدول العربية وتعرف على الدكتور فتحي الشقاقي»، مشيراً إلى أنه كان مدرباً للشباب المقاومة في مناطق متعددة في الوطن العربي قبل عودته للقطاع.

وبين المدلل، أن القائد أبو هنادي كان له باعُ طويل في تجنيد وتدريب الشباب والعمل الجهادي، وعمل في صفوف حركة الجهاد الإسلامي في كثير من الساحات، وشارك في تأسيس "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

وكان عضواً في مجلسها العسكري. يؤدي رسالته بأمانة وإخلاص شديدين قائداً وقدوةً في التضحية والعطاء ولم يبخل بالعطاء حتى آخر لحظة في حياته.

إنسانية القائد

رغم قسوة حياته العسكرية التي انعكست على شخصيته، الا انه كان الأب الحنون والقلب الجامع ليس فقط لأبناء تنظيمه بل لكل من تعامل معه، فلم يكن يرد أي شخص يطرق باب منزله سائلاً عن حاجة لدية سواء مادية أو معنوية إلا وكان ملبياً له، وكان نعم الأب والأخ لأهل بيته فقد وجدوا فيه قلباً رقيقاً كالنسيم.  

ويعود المدلل بشريط ذاكرته قائلاً: "عندما كنا نباغت أبو هنادي بزيارة إلى بيته، كنا نجده جالساً أمام منزله وحوله أطفال الحي يلاعبهم ويمرح معهم كأنه طفل مثلهم رغم فارق السن، وحينما يكون مع الشباب كان الضحك والمزح لا يفارقه وكان يتعامل معه وكأنهم أبناؤه يحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم".

لم يُرزق أبو هنادي بالولد لكنه لم يكن يوماً يشعر بالحزن لذلك، فقد عوضه الله بأبناء حركة الجهاد الإسلامي حتى لا يفارقه أبناؤه  في أي لحظه من حياته، عاشوا معه وكأنهم أبناءه يُطيعون أوامره ويستمعون لنصائحه، يأخذ بيدهم إلى المساجد ويعلمهم على السلاح والقتال في الميدان، إلى أن ترك خلفه جيلاً لا يخشى الموت.

 ويؤكد المدلل، أن أبو هنادي كان لا يعطي للحزن مكاناً في حياته، يمتلك روحاً مرحة  ثائرة  قوية وصلبة، وبالرغم من أن المرض كان ينهش كل أنحاء جسده الا انه كان يتعالى على وجعه ويمضي في طريقه مع أبناء التنظيم ولم يغب عنهم ابداً، اخلاصاً منه وانتماءً لفلسطين والمقاومة.

حديث الشهادة

في كل لحظة كانت تمر من حياة القائد أبو هنادي، إلا وكان حلم الشهادة يتزين أمام عينية خاصة في كل مرة يتعرض بها للاغتيال من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي واصابته بجروحٍ منها البالغة والبسيطة، لكن إرادة الله تبقى أقوى من كل شيء فلم يقدر له أن يستشهد في ساحات القتال، وقد رحلت  روحه الطاهرة بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض.

وينهي المدلل حديثه:" أبو هنادي كان دائما يتحدث عن الشهادة ويتمناها، ويشعر بقربها في كل مره يتعرض بها للاغتيال ويتألم لأنه لم يكن شهيداً على أُثرها، وحينما يسمع بخبر استشهاد أحد الشباب كان يتمنى لو انه بجانبه ويدعو  بأن يرزق بها".

وفي موكب جنائزي مُهيب شيعَ الآلاف من جماهير شعبنا الفلسطيني في محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، ظهر الاثنين الماضي، جثمان الحاج محمود الحيلة أبو هنادي، أحد مؤسسي الجهاز العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وعضو المجلس العسكري للسرايا، الذي وافته المنية إثر مرض عضال ألم به.

المصدر/ الاستقلال

disqus comments here