"انتفاضة القدس".. هزَّت ركائز الكيان

الإعلام الحربي _ غزة

تتعاظم "انتفاضة القدس" وتتوسع يوماً بعد يوم في تطور ملحوظ، وسط عجز الاحتلال عن الإمساك بزمام الأمور، رغم استخدامه كافة الوسائل القمعية ضد الشعب الفلسطيني لكبح جماح الانتفاضة ووقف عملياتها التي اتسمت بالفردية. فقد نصب الحواجز، وغرس كاميرات المراقبة في كل الأرجاء، ونشر الجنود، وأطلق العنان لقطعان المستوطنين المسلحين للاعتداء على الفلسطينيين ودهس أطفالهم، وصولاً إلى تنفيذ عمليات الإعدام الميدانية وبالدم البارد، وكل ذلك للحد من أعمال الانتفاضة وإطفاء شعلتها، لكنه مني بالفشل.

وكشفت إجراءات سلطات الاحتلال، ومواقف قادة العدو، وتحليلات الخبراء السياسيين والعسكريين والأمنيين في "إسرائيل" مدى حالة القلق والإرباك والعجز أمام استمرار الانتفاضة واتساع دائرتها، ما دفعهم لاستنفار مراكز أبحاثهم التي سارعت لعقد الندوات والمؤتمرات بحثاً عن حل.

وأقر مؤخراً رئيس أركان الجيش الصهيوني، غادي ايزنكوت، أن "الاستخبارات الصهيونية والأجهزة الأمنية الصهيونية، تفشل عملياً، ولا تملك بعد عدة عمليات طعن ودهس نفّذها الفلسطينيون منذ اندلاع الانتفاضة، في تكريس سياسة ردع. غير أنه لم يعد بمقدور (الاحتلال)، توقّع العمليات المقبلة والمحتملة، أو جمع معلومات سابقة."

وأمام هذا الفشل الموثق، اقترح زعيم "حزب العمل الصهيوني"، و"المعارضة" إسحق هرتسوغ، "الإنفصال عن الفلسطينيين وبأسرع قدر ممكن، وإقامة سور كبير بيننا، هذا هو التعايش الممكن الآن"...

واعترف رئيس حزب "يوجد مستقبل"  يئير لبيد، أنه لم يسبق لكيانه أن كان بوضع "أسوأ مما هو عليه الآن".

فيما رأى وزير الخارجية السابق، وزير حرب العدو الحالي، أفيغدور ليبرمان، أن الحل يمكن أن يكون بالعودة "إلى الاغتيالات وطرد عائلات الشهداء إلى قطاع غزة، وتشديد العقوبات على الفلسطينيين الذين يتم اعتقالهم، ووقف نقل جثث الشهداء وإعلان حالة الطوارئ". أما عندما تولى وزارة الحرب فقد اقترح خطة أطلق عليها إسم "العصا والجزرة" وهي قائمة على قاعدة منح تسهيلات وامتيازات أعدها للتعامل مع الفلسطينيين في الضفة المحتلة ولمن يؤيد التعايش مع اليهود، ومعاقبة من يخطط للمس بهم بشدة وقسوة حسب موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت".

ووفقاً لخطة ليبرمان، ستحصل المناطق الخضراء (التي لم يخرج منها منفذو العمليات) على تسهيلات وامتيازات فوريه تقدر قيمتها بـ(400) مليون شيكل (أكثر من 100 مليون دولار) ومن هذه المناطق: مدينة بيت ساحور حيث ستتم إقامة مستشفى فيها، فيما ستتم إقامة منطقة صناعية غرب مدينة نابلس، وسيقام في قرية بديا ملعب لكرة القدم، وسيجري توسيع المخططات الهيكلية لمدينة قلقيلية، وسيقام ممر اقتصادي بين أريحا والأردن، وفقاً للخطة التي ستمولها الحكومة اليابانية، لكن لن يسمح للفلسطينيين بإقامة مدينة جديدة أخرى في الضفة.

وشدد ليبرمان على أن وسائل العقوبات ستشمل تكثيف عمليات الجيش الصهيوني داخل المناطق التي تخضع للسيطرة الفلسطينية، وسيقوم الجيش بعمليات وضع المخططات الهندسية تمهيداً لهدم منازل منفذي العمليات، وتكثيف عمليات الاعتقال ومداهمة منازل المتورطين بالعمليات ومصادرة أموال وأملاك "الإرهاب" وفق قوله.

أما البروفيسور الصهيوني آرييه إلداد فقد سجل في صحيفة (معاريف) ان موجة العمليات الفلسطينية التي اندلعت قبل عامين من اليوم، كانت تهدف في الأساس لصياغة وعي جديد بين الفلسطينيين، يتم من خلاله إطلاق اسم "الانتفاضة الثالثة" على هذه الموجة. وطالما أنه لا يوجد تاريخ دقيق لانطلاق هذه الموجة فإن الخبراء والمحللين يجدون صعوبة في تحديد تاريخ دقيق لإعلان نهايتها.

إجراءات أمنية جديدة لمواجهة الانتفاضة

ومؤخراً، وضعت "اللجنة الأمنية الخاصّة" التي عيّنها وزير الأمن الدّاخليّ، غلعاد أردان، قبل قرابة الشّهرين ونصف الشّهر، تقريراً ضمنته توصياتها "الأمنية" التي اشتملت على خطّة جديدة لتأمين الأماكن العموميّة في الداخل المحتل، حيث ستزداد وحدات الأمن المسلّحة المنتشرة في الأماكن العموميّة، ناهيك عن نصب كاميرات توثّق كلّ حركة، وبناء غرفة تحكّم خاصّة مركزيّة لكلّ موقع عموميّ، يكون على اتّصال بالشّرطة المحليّة.

كما أوصت اللجنة بإدخال تعديل قانونيّ يلزم السّلطات المحليّة باستصدار ما أسمته "ترخيص أمن" من الشّرطة الصهيونية، وذلك في كلّ "مقرّ يتواجد فيه على الأقلّ 10 محلّات تجاريّة، ويمتدّ على مساحة 1000 متر مربّع على الأقلّ".

هذا وقامت حكومة العدو الصهيوني في وقت سابق بسلسلة من الاجراءات الأمنية المتشددة، منها إلغاء 500 تصريح للفلسطينيين للسفر عبر مطار بن غوريون الصهيوني.

وكانت الحكومة الأمنية المصغرة (الكابينيت) قد أصدرت عدة قرارات، في محاولة منها للحد من الهجمات الفلسطينية، شملت إغلاق مقار وسائل الإعلام الفلسطينية التي تساهم فيما وصفته الحكومة بـ"التحريض". وقررت استكمال بناء الجدار الفاصل في منطقة ترقوميا جنوبي الضفة المحتلة، وتشديد العقوبات على مشغلي العمال، الذين لا يحملون تصاريح للعمل داخل "إسرائيل"... وإقامة الجدار المانع للأنفاق الهجومية على حدود قطاع غزة.

فاعلية الانتفاضة في التأثير الاقتصادي على "إسرائيل"

لم يكن الاقتصاد الصهيوني يوماً بمعزل عن التطورات الأمنية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد كشفت تقارير اقتصادية صهيونية عن مدى الضرر الذي أصاب الكيان بفعل هذه الانتفاضة، مشيرة إلى أن إجمالي حجم تلك الخسائر يتخطى خمسة مليارات شيكل شهرياً، وأن موجة "الاضطرابات الحالية" تنذر بالمزيد من الخسائر الاقتصادية، وتهدد بحالة من الركود.

ولفت آخر تقرير لموقع "nrg" الإخباري الصهيوني، أن الاقتصاد الصهيوني يواجه مخاطر حقيقية، متوقعاً أن يتم تقليص المخصصات المالية المقتطعة لجوانب الرفاه الاجتماعي بشكل حاد، وضخ المزيد من الأموال لصالح الأمن، إضافة إلى مؤشرات على حالة من الركود الاقتصادي، وارتفاع نسب البطالة.

وقدرت مصادر صهيونية أن القطاعات الأكثر تضرراً تشمل قطاع السياحة في المقام الأول، ثم قطاعات أخرى مثل التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية، حيث إن هذه القطاعات في غاية الحساسية إزاء الوضع الأمني، وتتضرر بشكل فوري ومباشر حال تدهوره.

ورأت المصادر أن من بين المحاور التي أثّرت على اقتصاد العدو خلال الانتفاضة إلغاء التصاريح الصهيونية للعمال الفلسطينيين، الأمر الذي أدّى لارتفاع تكاليف العمالة في (إسرائيل)، إضافة الى استمرار وتزايد المقاطعة الأوروبية لبضائع ومنتجات المستوطنات.

وذكرت صحيفة "مكور ريشون" العبرية، أن ثمن شهر من الانتفاضة سيكون خمسة مليارات شيقل من الدخل القومي العام، وغالبيته من حساب قطاع السياحة الذي تلقى ضربة قاسية في القدس المحتلة مع انخفاض الحجوزات الفندقية بنسبة وصلت إلى 50% منذ بداية شهر تشرين أول الماضي (2015)، مقدرة أن ثمن عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار سيكون خسارة الاقتصاد الصهيوني لـ 10.5 مليار شيقل.

disqus comments here