في ذكراها الثلاثين

"معركة الشجاعية".. دماء عبدت طريق المقاومة

الإعلام الحربي _ غزة

في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر للعام 1987 كانت فلسطين المحتلة على موعد مع نقطة تحول كبرى في مسيرة العمل الجهادي، ويوم تفتّق فيه خيار الجهاد الإسلامي، خيار الوعي والإيمان والثورة؛ ليزهر تشرين زكياً من الشهادة والانتصارات.

ويستذكر الشعب الفلسطيني في يوم السادس من تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام معركة الشجاعية البطولية التي نفذها ثُلةٌ من المقاومين الأبطال، من أقمار حركة الجهاد الإسلامي، وكانت بدايةً لتحطيم هيبة كيان الاحتلال وجيشه الذي قيل بأنه لا يُقهر، وتأريخاً لفصل جديد من فصول المواجهة مع العدو الصهيوني.

30عاماً مرت على ذلك المشهد التاريخي الفذ، الذي لا زال ينبض بالحياة مع كل فجر جديد، ففي الوقت الذي كان فيه العمل الوطني الفلسطيني قبل الانتفاضة يدخل عنق الزجاجة ويعاني من إحباطات متعددة؛ كانت حركة "الجهاد الإسلامي" تقود العمل المُسلَّح، وتنفّذ أهم العمليات العسكرية النوعية معلنة ميلاد جيل جديد من الاستشهاديين الذين رضعوا حليب العزة والكبرياء، عشقوا الشهادة والجهاد وفلسطين.

ففي حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، كانت البداية وكان اللقاء الأوّل، حيث التقت مجموعة جهادية فذة من أبطال حركة الجهاد الإسلامي مكونة من 5 أفراد وهم الشهداء: (محمد الجمل، وسامي الشيخ خليل، وزهدي قريقع، وأحمد حلس, ومصباح الصوري) واشتبكوا مع قوات الاحتلال بعد شهور من المطاردة حتى فاضت أرواحهم الطاهرة إلى علياء المجد والخلود، وسالت دماؤهم لتروي أرض فلسطين المباركة، مسطرين بذلك أروع ملاحم العز والفخار، وليتفجّر بعدها بأيام قليلة بركان الانتفاضة الأولى عام 1987م.

وتُعتبر معركة الشجاعية، الشرارة الأولى للانتفاضة الفلسطينية، ومفجرة الثورة العسكرية الإسلامية ضد الاحتلال.

كسرت نظرية الأمن

الأسير المحرّر خالد الجعيدي ورفيق درب شهداء معركة الشجاعية في الأسر، قال: "إن معركة الشجاعية البطولية تعتبر من العمليات النوعية في تلك المرحلة الهامة في تاريخ قضيتنا الفلسطينية، والتي كانت بداية للانتفاضة الأولى»، مؤكداً أن هذه المعركة استطاعت بهمّة أبطالها أن تكسر نظرية الأمن الصهيوني؛ بعد عملية الهروب الكبير لهؤلاء الأبطال من سجون الاحتلال.

وأضاف الجعيدي إن "تلك الكوكبة من الشهداء الذين كان شعارهم في تلك الفترة "الله والجنة" هم أبطال بحق، ونحن عايشناهم في السجون وخارجها، هم شباب ربَّانيون، متميزون بانتمائهم ودينهم وأخلاقهم وحبِّهم لفلسطين"،لافتاً إلى أن ما كان يميزهم أنهم كانوا يتحلون بالانتماء الحقيقي للفكرة، وكان الشعار لديهم هو أن الموت في سبيل الله أسمى الأمنيات، ولذلك أكرمهم الله بنجاح المعركة ونعمة الشهادة.

وبيّن الأسير المحرّر أن "معركة الشجاعية بحكم نوعيتها وتميّزها ودقة تنفيذها في إيلام العدو وقربها من موعد انطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987 كانت الشرارة لبداية العمل المسلَّح لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين".

وطالب الجعيدي المقاومة بكافة تشكيلاتها العسكرية وفي مقدمتها سرايا القدس أن تواصل طريق الجهاد والمقاومة، وأن تعمل على تطوير قدراتها وتحسين نوعية أدائها القتالي؛ لأن هذا العدو الصهيوني الذي نواجه إرهابي لا يرحم أحداً"، قائلاً: " على المقاومة وحركة الجهاد الإسلامي أن تعمل ليلاً ونهاراً من أجل تطوير قدراتها".

الفرار من السجن

البداية كانت عندما رسم أقمار الجهاد الخمسة خطة للهروب من سجن السرايا المركزي بمدينة غزة الذي كان تابعاً لقوات الاحتلال في حينه أثناء احتلالها لقطاع غزة، حيث استعد المجاهدون الأبطال للقاء الله عز وجل فكانوا رهباناً بالليل، لِحاهم تقطر دموعاً من خشية الله وطمعاً في الشهادة والجنة.

كانت ليلة عيد لليهود تقام فيه الحفلات يتخللها الشرب والسُكر، وبعد القيام في ليلة كثيفة الضباب قرَّر المجاهدون الهروب، وقاموا بفتح ثغرة بإحدى نوافذ حمام السجن، وقفزوا منها واحداً واحداً على سطح الطابق الأول لورشة تقف فيها سيارات لضباط الاحتلال، وقفزوا منه إلى الأرض، وقطعوا المسافة جرياً حتى الكافتيريا التي كان يتناول فيها الجنود الصهاينة طعامهم، إلى أن وصلوا إلى سور الكافتيريا وقفزوا فوقه بعد أن مرُّوا من أمام ضباط الاحتلال دون أن يروهم حيث كان لطف الله ورعايته يحفُّانهم حتى تمكنوا من الهرب.

بعد أن تمكن هؤلاء الأبطال من الهرب وطعن أمن الاحتلال في مقتل؛ حاول العدو بشكل مستميت وباستخدام كافة الأساليب الوصول إليهم لما يشكلونه من خطر كبير على أمن الاحتلال بعد تنفيذهم لأخطر العمليات العسكرية والنوعية .

موعد مع الشهادة

اجتمع هؤلاء الأبطال الخمسة وأخذوا عهداً على أن يعلموا العدو الصهيوني دروساً في المقاومة والثبات، وتعاهدوا على الجهاد والقتل في سبيل الله، ومضوا بخطا واثقة نحو الجنة في طريقهم لتنفيذ عملية استشهادية، فتصدت لهم قوة صهيونية خاصة في منطقة الشجاعية في الـ 6 من تشرين الأول/ أكتوبر ودار حينها اشتباك عنيف بين المجاهدين وقوات الاحتلال؛ ما أدى إلى مقتل ضابط مخابرات صهيوني يدعى "فيكتور أرجوان" وإصابة آخرين.

وبعد أن أصابت رصاصات العدو أجسادهم الطاهرة ابتسموا وكبَّروا بأعلى صوتهم معلنين عهدهم فرحين بوعد الله، فأطلقوا مزيداً من رصاصاتهم نحو جنود الاحتلال، إلى أن قبَّلت دماؤهم أرض فلسطين الزكيّة، وأشعلوا شموعهم وأضاء نورهم الطريق للملايين، لتكون دماؤهم مرحلة جديدة من الجهاد والنضال.

(محمد الجمل، سامي الشيخ خليل، مصباح الصوري، زهدي قريقع، أحمد حلس) .. أرواح كانت تقاتل على أرض الشجاعية الباسلة، تقاتل بعنفوان المجاهدين ليسطروا بدمائهم بدء مرحلة الجهاد من جديد، وليؤكدوا على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى أن جذوة الصراع ما زالت متَّقدة حتى زوال كيان الاحتلال واسترداد فلسطين كل فلسطين دون تفريط بأي شبر من أرضها المباركة.

disqus comments here