الإعلام الحربي _ غزة
كانت دعوات القدر أقوى من محاولات رفقاء الشهيد عرفات مرشد أبو عبدالله منعه من النزول إلى النفق لخطورة الأوضاع وانتشار الغازات السامة في المكان لكنه لم يستجب لدعواتهم وصرخ فيهم : " رفاقي يموتون حياتي ليست أغلى منهم» وهب مسرعا لإنقاذ حياة جنوده حتى مُزق قميصه في أيديهم ولم يلتفت وقاوم امساكهم له، حتي نزل إلى النفق وكانت تلك آخر لحظات حياته.
أبو عبدالله (48 عاماً)، عضو المجلس العسكري في سرايا القدس وقائد لواء الوسطي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، أفنى حياته في خدمة قضيةٍ آمن بها ووطن حفر في قلبه منذ نعومة أظافرة، فلم يتوان للحظة في تلبية النداء والمشاركة في الحروب التي يشنها الاحتلال الصهيوني على أبناء شعبه.
عاش سنوات عمرة وهمه الأول تعزيز عمله الجهادي وتتويجه بالشهادة التي طالما تمناها، اذ كان أحد قادة معركة البيان المرصوص وشارك في ضرب المغتصبات الإسرائيلية وأهمها تل أبيب، وحاول الاحتلال الصهيوني انهاء أعماله الجهادية من خلال محاولات اغتيال عدة، وقصف منزلة خلال العدوان الأخير على القطاع 2014، لكن جميعها باءت بالفشل.
وترك أبو عبدالله الدنيا الفانية ورحل الى النعيم الأزلي، إثر استهداف نفق لسرايا القدس شرق مدينة خانيونس من قبل العدو الصهيوني، تاركاً خلفة زوجته وأبناءه يرتدون ثوب الحزن والأسى لفراقه، لكن علامات الفخر تتوج رؤوسهم متعهدين بالمسير على دربه وأخذ ثأرهم .
استقبال التهاني
في منزل متواضع ضم ذكريات عائلة صغيرة، كانت تجلس الزوجة المكلومة، تستقبل وفود المعزيات بل المهنئات، بدموع لا تتوقف عن السيل على وجنتيها، لكن هامتها مرفوعة وعلامات الصبر والثبات تعلو وجهها.
بصوتٍ مخنوق ودموع حبيسة سردت أم عبد الله زوجة الشهيد تفاصيل أخر لحظات حياته، قائله: " قبل ساعات من استشهاده عاد أبو عبد الله الى المنزل ظهراً على غير عادته، احتضن أولاده وقبلهم واحداً تلوا الاخر وجلس يتبادل الحديث معهم ويطمئن على دروسهم قبل أن يخلد إلى النوم، وما هي الا لحظات حتي جاءه اتصالاً فخرج مسرعاً دون أن ينطق بكلمة واحدة" .
وتتابع والغصة تعترض صوتها:" بعد ساعة من خروجه سمعنا عبر الإذاعات المحلية عن اخبار تتحدث عن قصف الاحتلال لنفق مقاومة على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس، حينها شعرت وكأن صخرة وقعت على قلبي ولم استطع بعدها تمالك نفسي وبدأت بالبكاء دون معرفة السبب، وبقيت على هذا الحال حتي مغيب الشمس".
أما عن لحظة تلقيها خبر استشهاد زوجها، تحدثت والألم يعتصر قلبها: " كان الجميع يعلمون خبر استشهاده ويرفضون اخباري، حتى جاءت شقيقاتي واحده تلوا الأخرى الى منزلي لأتيقن أن مكروهاً قد أصاب زوجي، فبدأت أتوسل لهن أن يخبرنني بما حدث له، فكانت الصدمة الكبرى استشهاده".
عم الصمت ارجاء المنزل، وما هي الا لحظات حتي بدأ الجميع بالبكاء باستثناء زوجته أوفت بوصية زوجها " الصبر والثبات وعدم البكاء حينما تسمع خبر استشهاده"، فلجأت الى ربها داعيةً اليه أن يتقبله قبولا حسناً ويجمعهما في جنات الخالد، ولسان حالها يردد " اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها".
إنسانية القائد
رغم قسوة حياته العسكرية التي انعكست على شخصيته، الا انه كان الأب الحنون والقلب الجامع ليس فقط لأبنائه بل لكل من تعامل معه، فلم يكن يرد أي شخص يطرق باب منزله سائلاً عن حاجة لدية سواء مادية أو معنوية إلا وكان ملبياً له، وكان نعم الأب والأخ لأهل بيته فقد وجدوا فيه قلباً رقيقاً عطوفاً.
وتعود أم عبدالله بشريط ذاكرتها قائلة : " كان أبو عبد الله يقضي جل وقته خارج المنزل ليل نهار بحكم عمله الجهادي، باستثناء يوم الجمعة اذ كان يخصصه للعائلة ولأبنائه كي يعبر عن اشتياقه لهم والاطمئنان عليهم و توصيتهم بأن يسيروا على دربة بعد استشهاده".
وتنهي الزوجة الصابرة حديثها" أبو عبد الله كان دائما يتحدث عن الشهادة ويتمناها، ويشعر بقربها في كل مره يتعرض بها للاغتيال ويتألم لأنه لم يكن شهيداً على أُثرها، وحينما يسمع بخبر استشهاد أحد الشباب كان يتمنى لو انه بجانبه ويدعو بأن يرزق بها ".
مواكب التشيع
وشهد صباح يوم الثلاثاء الماضي، أجواء مُلبدة بالغيوم غابت فيها الشمس عن سماء قطاع غزة، حزنًا على وداع سبعة كواكب من مجاهدي القطاع، الذين ارتقوا في قصف غادر من الطائرات الحربية الصهيوني لنفقٍ شرق محافظة خان يونس، جنوب القطاع.
وشيّع آلاف الفلسطينيين، الشهداء؛ عرفات مرشد أبو عبدالله، وحسن أبو حسنين، وأحمد أبو عرمانة، والشهيد عمر الفليت، والشهيد حسام السميري، من "سرايا القدس" الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والشهيدين مصباح شبير ،ومحمد الاغا من كتائب القسام.

