لماذا استهدف خطاب التصعيد الصهيوني حركة الجهاد الإسلامي؟

بقلم/ أ. ثابت العمور

الحرب سجال والصراع ممتد وهذه الأرض لا تتسع لأكثر من شعب واحد هو الشعب الفلسطيني، والمعركة متعددة والمواجهة متدحرجة وهذا حال الأمر ومحددات الواقع الراهن والمستقبلي مع العدو الصهيوني، ولا نمني النفس بالأماني ولا نسقط الحرب من الحسابات فالمواجهة مع الاحتلال الصهيوني هي الأصل وما دون ذلك استثناءات، بما في ذلك التهدئة وحتى تغيير قواعد الاشتباك.

لم تكن المقاومة الفلسطينية في يوم من الأيام مجرد ردة فعل على جرائم الاحتلال ولا تخضع حساباتها وفقا للفعل ورد الفعل ، وبالتالي الذهاب صوب التصعيد والمواجهة غير محكوم بهذه المعادلة إطلاقا، المقاومة حق وفعل ومفاعلة ومستمرة وخطاب التهديد والوعيد لا موضع له ولا موقع في حساباتها.

وإن اختصاص الاحتلال الصهيوني لحركة الجهاد الإسلامي بنصيب الأسد في خطابه التحريضي وتوعدها ان هي ردت على جريمة قصف النفق التي استشهد خلالها 12 شهيداً من سرايا القدس وكتائب القسام، يدلل على  أن الاحتلال لم يفهم المعادلة بعد وأن حساباته ضيقة آنية ومحدودة وذاكرته كذاكرة السمكة، كان عليه قبل أن يهدد ويتوعد أن يستعيد ذاكرة السجال بينه وبين حركة الجهاد الإسلامي.

خطاب التهديد الصهيوني هذا يأتي في عدة سياقات ومستويات بعضها محلي فلسطيني داخلي والبعض الآخر خارجي إقليمي ، وهو يعني أن الاحتلال يريد أمرين الأول تحييد جبهة غزة إذا ما ذهب صوب الشمال، والثاني يقينه بأن الجهاد الإسلامي عمليا دخل المواجهة وأن جريمة النفق لن تمر، وما بين هذا وذاك اختبار إستراتيجية حركة الجهاد الإسلامي المعلنة من قبل أمينها العام الدكتور رمضان عبد الله والمتعلقة بتوحيد الجبهات، الأمر الذي يعني بأنه لن يكون متاحا للاحتلال ترف وأريحية فتح الجبهات والتفرد بها، وهذا ينقلنا للمستوى الآخر من سياقات المتغيرات الإقليمية والمتعلقة علنا بنية الاحتلال مهاجمة حزب الله في لبنان. 

مستوى التدحرج الحاصل في غزة بدا في خطاب التصعيد الصهيوني اكبر مما عليه ذات الخطاب فيما يتعلق بالجبهة الشمالية ومدلول ذلك أن إدارة حركة الجهاد الإسلامي للمعركة قد آتت أكلها وأن الرسائل كلها قد وصلت ومرت وتلقاها الاحتلال كما هو مخطط، ويعني أيضا أن الاحتلال يريد استباق تنفيذ هذه الرسائل ولا يريد تحييد غزة فقط ولكنه لا يريد فتح الجبهة معها وفيها.

أمر آخر لا يمكن إخراج الخطاب الصهيوني منه وعنه، وهو حالة الاصطفاف الحاصلة إقليميا، وقد بات الكيان الصهيوني مؤخرا جزءاً من هذه الحالة بل مكوناً رئيساً فيها، وجزء من الخطاب الموجه لحركة الجهاد الإسلامي يعني أن ضوءاً أخضر عربياً رسمياً قد مُنح للاحتلال إذا ما قرر الخروج للشمال أو الجنوب، وهاته لها حضورها وقد سبق للاحتلال أن أعلن نيته الخروج للحرب بغطاء عربي رسمي .

الاصطفاف والتموضع ليس حالة طارئة في تاريخ المنطقة وعلى مداراته المتعددة والمختلفة كانت الحركة الوطنية الفلسطينية عموما والمقاومة على وجه التحديد تحاول ألا تكون جزءاً منه لكن مقتضيات مواجهة الاحتلال والتصدي والصمود أمامه تقتضي أن يكون هناك ظهير للمقاومة وان يكون ظهيراً داعماً ومسانداً، وبالتالي دائما يجد الفلسطينيون أنفسهم جزءاً من الاصطفاف المفروض عليهم لأنه باختصار لا يمكنهم الوقوف خارجه أو على مسافة منه، والآن قد بات الاحتلال الصهيوني جزءاً ومكوناً من مكونات الاصطفاف، وبالتالي لا يمكن تجاهل ما يحدث وغض الطرف عنه.

الجهاد الإسلامي مبكرا قرأت هذه الحالة وتجاوزتها في الفكر وفي الممارسة ولم تخضع حساباتها لمقتضيات هذه المعادلة، فهي ليست جزءاً من معركة سياسية فلسطينية داخلية أو صراع وليست جزءاً من حكومة وحساباتها محكومة فقط بفلسطين كل فلسطين وتقدم المقاومة والاشتباك مع العدو على ما سواه، وردها هو جزء أصيل من عقيدتها وفكرها وتكتيكها وإستراتيجيتها.

ورغم ذلك لا يمكن النأي بالنفس عما يحدث وحسابات حركة الجهاد الإسلامي لا ترتبط بالرد فقط على جريمة النفق لكنها جزء أيضا مما يحدث في المنطقة العربية ويقع على رأس ما يحدث استهداف القضية الفلسطينية، لاسيما عندما يقول بنيامين نتنياهو « أن ما يحدث في أرض الواقع في الدول العربية السنية غير مسبوق ولم نشهده في الماضي». دفء العلاقات العربية بالاحتلال الصهيوني يعني عمليا أن طعنة ما قد حدثت في ظهر المقاومة الفلسطينية، وهذا تحد آخر تخوضه وتواجهه المقاومة الفلسطينية.

إن جزءاً من خطاب الاحتلال الصهيوني ووعيده هو إدراك الاحتلال بأن الحسابات العسكرية المتعلقة بحركة الجهاد الإسلامي مختلفة، عندما نفذ الاحتلال جريمة النفق قدم خطاباً غير مسبوق، خطاباً غلب عليه التبرير والدفاع وقدم رواية انه لم يكن يعلم ان هناك قيادات في النفق وانه لم يكن ينوي استهداف هذا العدد وان الشهداء سقطوا نتيجة دخول النفق عقب قصفه وان النفق كان خارج حدود قطاع غزة، لاحقا استدرك الاحتلال تبعات خطابه ومفاعيل هذا الخطاب عسكريا ونفسيا، وبالتالي جزء من خطابه الحالي هو استرجاع للردع لا عمليا ولكن على مستوى الخطاب أيضا ومستوى الرسائل، لذلك تصدر منسق المناطق للأمر وخص الجهاد الإسلامي بالخطاب.

يعلم الكيان الصهيوني أن حسابات الجهاد الإسلامي مختلفة وهو يقر بذلك ويشير إليها ويعلم بأن فاعلية ردعه تجاه الجهاد الإسلامي اقل من سواها واضعف لذلك يجمع حركة حماس في خطاب الوعيد والتهديد وذلك من اجل تفعيل تهديده.

جزء من خطاب الاحتلال الصهيوني هو تعويض عن حالة الاستنزاف الحاصلة على حدود قطاع غزة الاحتلال لا يمكنه الاستمرار في هذه الحالة، وبالتالي هو يريد التعويض من خلال خطاب التهديد والوعيد في محاولة لاستعادة الثقة لجنوده والتقليل من تبعات الاستنفار عسكريا ونفسيا، والجهاد الإسلامي التقطت ذلك ووظفته. لذلك خصها بالخطاب واستهدفها، وما بين الخطاب والاستهداف في عملية النفق يجري الاحتلال الصهيوني مراجعاته وحساباته على الجبهة الفلسطينية وهو يعلم بأن حسابات حركة الجهاد الإسلامي مختلفة، وجزء من قصف النفق اختبار لمسارات المواجهة مستقبلا، وعندما أفضت العملية لنتائج مختلفة يحاول استدراك الأمر بخطاب تهديد ووعيد.

disqus comments here