الإعلام الحربي _ غزة
لم يعد قادة الكيان الصهيوني يطيقون صبراً، فالذعر الذي يحيط بهم من كل جانب نتيجة استمرار صمت حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس عن الرد على جريمة استهداف "نفق الحرية"، قد أرهق تفكيرهم وأربك حساباتهم وأقلق نومهم كثيراً، ولربما لو نفذت سرايا القدس ردها الفوري على عملية استهداف هذا النفق، لكان أهون كثيراً على قادة الكيان من أن يعيشوا في ظل هذا الرعب المستمر.
"إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة".. هذا ما ينطق به لسان حال المسؤولين الصهاينة من قادة عسكريين وسياسيين وأمنيين وحتى أعضاء في الكنيست الصهيوني، ذهبوا جميعاً نحو التحذير من الرد القادم والمؤكد لسرايا القدس، ورأى قادة صهاينة آخرون أن ما يزيد من فرص رد الجهاد الإسلامي هو استمرار الكيان في احتجاز جثامين خمسة من شهداء النفق.
واستشهد 12 مقاوماً هم 10 من سرايا القدس واثنان من كتائب القسام خلال استهداف جيش الاحتلال لنفق حدودي شرق مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة في الثلاثين من أكتوبر الماضي، في عملية توعدت سرايا القدس بالرد عليها.
وهدد كل من "نفتالي بينيت" و"إيليت شاكيد" من وزراء حكومة الاحتلال، برد قوي على أي محاولات من غزة لتنفيذ هجمات ضد الكيان الصهيوني. فيما قال مسؤول الجبهة الداخلية في دولة الاحتلال "تامير يديعي" إنه مؤمن أن حركة الجهاد الاسلامي سترد على قصف النفق.
وفي إطار مواصلة الاحتلال استعداده لأي رد محتمل على الجريمة، نشرت قوات الاحتلال الاثنين الماضي، بطاريات القبة الحديدية وسط الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، فيما لا يزال يجري تدريبات عسكرية لجنوده، في إجراء اعتبره روني دانييل المراسل العسكري للقناة العبرية الثانية يصب في إطار الاستنفار الصهيوني المستمر على طول الحدود تحسباً لأي رد عسكري من قبل الجهاد الإسلامي، وقال دانييل: "لا توجد معلومات محددة تؤكد أن الجهاد سيطلق صواريخ لكن الجيش يجهز نفسه لرد ما".
وكان المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية التسوية في الشرق الأوسط "نيكولاي ملادينوف" حذر في تغريدة نشرها على موقع "تويتر" من أن "التصرفات والبيانات" التي وصفها بـ"المتهورة" للفصائل الفلسطينية في قطاع غزة "قد تتسبب في تصعيد خطير".
وفي وقت لاحق، قال جيسيون غرينبلات، المبعوث الأميركي الخاص لعملية التسوية، الثلاثاء الماضي، إن تهديدات حركة الجهاد الإسلامي للكيان الصهيوني تضر بشكل خطير بسكان قطاع غزة.
واعتبرت حركة الجهاد الإسلامي التصريحات الدولية ضد الحركة "غير مقبولة"، مؤكدة على حقها في الرد على جريمة النفق واستهداف رجال المقاومة.
رعب حقيقي
ويقول المحلل السياسي عبد الستار قاسم، إن الكيان يعيش حالة رعب حقيقية بسبب استمرار صمت الجهاد الإسلامي عن الرد، وهو صمت يوحي بأن الجهاد تعد لتنفيذ عملية دقيقة في توقيت حساس وفي العمق الصهيوني، قد تتأخر بحسب الظروف المحلية والإقليمية.
وأوضح قاسم أن الكيان يتوقع أن يكون رد الجهاد الإسلامي عن جريمة استهداف النفق من الضفة الغربية وليس من قطاع غزة، الأمر الذي جعله يقوم بحملة اعتقالات مؤخراً طالت فلسطينيين بينهم القائد البارز في الجهاد الإسلامي طارق قعدان.
وأعلن جيش الاحتلال الاثنين الماضي، أنه اعتقل الأسير المحرر قعدان (47 عاماً)، بتهمة أنه أحد قياديي الحركة البارزين في محافظة جنين، التي تعتبر أحد معاقل "الجهاد الإسلامي" في الضفة الغربية.
وبيّن قاسم أن الكيان يفضل تنفيذ الجهاد الإسلامي ردها العسكري عن الاستمرار في حالة الترقب والذعر الذي يعيشه بسبب استمرار صمت الجهاد عن الرد، مضيفاً: "الكيان لا يستطيع حتى الآن تحديد مصدر رد الفعل الذي وعدت به الجهاد الإسلامي وهذا بحد ذاته يقلق منامه كثيراً ويجعله مستنفر طواقمه العسكرية على كافة الجبهات، وهذا يستنزف منه طاقات وأموالا طائلة".
وتوقع المحلل السياسي أن الجهاد الإسلامي سيقوم بعملية دقيقة وليس بشن حرب مفتوحة، متخذاً بعين الاعتبار الحالة الفلسطينية التي تشهد مصالحة فلسطينية داخلية، وحرصاً على عدم جر الشعب إلى حرب جديدة، مشيراً إلى أن الاحتلال نفسه يخشى من هذه الحرب لعلمه المسبق أن المقاومة باتت أكبر وأقوى من أي وقت مضى.
استنزاف قدرات الاحتلال
المحلل السياسي المتخصص في الشأن الصهيوني، وديع أبو نصار، يرى أن الجهاد الإسلامي نجحت حتى الآن في إدارة حرب نفسية استنزفت قدرات السلطات الصهيونية الأمنية والعسكرية.
وقال أبو نصار : "أتعس ما في الأمر بالنسبة إلى الكيان أنه مؤمن بوجود رد عسكري من الجهاد الإسلامي ولكنه لا يعرف من أين ستأتي الضربة، وهذا بحد ذاته سبب لأجهزته الأمنية والعسكرية إرهاقاً كبيراً في ظل استمرار المستويات السياسية بحالة التكهن والتهديد وهي حالة تؤشر إلى مدى الإرباك الذي تعيشه كافة المستويات الصهيونية".
وبيّن أن هذا الموقف يؤكد أن إدارة المواجهة العسكرية لم تكن يوماً متعلقة بالمقارنة بين العدد والعتاد بين طرفي المواجهة، بقدر أهمية طريقة إدارة المواجهة واستنزاف طاقات العدو حتى قبل القيام بأي فعل.
ومن جهة ثانية، يرى أبو نصار أن نتنياهو يحاول تهويل الذعر الصهيوني من الخطر المحدق، في سبيل تصدير أزمته الخاصة بالفساد ومحاولة جر الرأي العام الصهيوني إلى قضية أخرى بعيداً عن شبهات الفساد التي تدور حوله.
ولفت النظر إلى أن الكيان الصهيوني يبدع في مجال كسب التعاطف الدولي، وهو الأمر الذي يفسر انحياز مسؤولين دوليين إليه رغم جريمته، من خلال استغلال جريمة قصف النفق بالترويج إلى أنه يتخذ موقفاً دفاعياً وليس هجومياً.
ولكن المحلل السياسي نبه إلى أن حكومة الاحتلال تحاول جر الفلسطينيين إلى مربع المواجهة من أجل تحقيق أهدافها المتعلقة بحرف أنظار الرأي العام الصهيوني عن قضايا فساد نتنياهو، أو لزيادة تأييد الشارع الصهيوني له.
واختتم حديثه بالقول: "يجب على الجهاد الإسلامي والفلسطينيين التنبه لهذه المسألة وعدم منح نتنياهو هذه الفرصة من خلال اتباع رد فعل قد يقود إلى تصعيد كبير ضد قطاع غزة".
المصدر/ الاستقلال

