الشهيد المجاهد "محمد البحيصي": رجل المهمات السرَّية

الإعلام الحربي _ خاص

طوبى لمن باع نفسه رخيصة في سبيل الله تعالى، طوبى لمن قدم كل ما يملك في سبيل قضية نبيلة عادلة، طوبى لمن اجتهد وعرف الطريق فسار فيه دون تردد أو تراجع، طوبى لمن حمل السلاح، وسار في كل ساح، وتقدم الصفوف بإقدام يصحبه الكفاح، فكتب الله له شهادة يلقى فيها الصحاب، بجنة من ريحان، أعدها الله لمن سار على درب الصلاح، في زمن الفتن والتناقضات، فيا سعد من اختصه الله بشهادة يختم بها حياته بارتياح.

كحباتِ الندى التي تبللُ أغصانَ الأشجارِ وأوراقَها كان محمد البحيصي ،كيف لا وهو الذي سَعُد أهلِه بقدومه، فاستقبلوه كما يستقبلُ الظمئانُ كأسَ الماء، رغم أنه لم يكن بكرَ عائلتِه فهو ابنهم الثالث، إلا أن فرحتَهم بقدومِه كانت أكبرَ من أن تصفها كلماتٌ أو تعبرَ عنها مصطلحات.

الميلاد والنشأة

كانت انطلاقته المباركة في السادس من شهر مارس، لعام ألفٍ وتسعمائةٍ وستة وتسعون ، في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، قريةُ الجمالِ والحقول الخضراءِ والقلوبِ المترعةِ بالحبِ والحنانِ والموشحة بأشجار النخيل الشامخة.

ودرس شهيدنا في المدارس الابتدائية والاعدادية للاجئين بمدينة دير البلح حيث كانت بداية حياته التعليمية،  ثم انتقل بعدها لمدرسة المنفلوطي وأنهى دراسة الثانوية العامة في العام 2009م.

وتنحدر عائلته من قرية السوافير الشرقية التي هجروا منها عنوة على يد الاحتلال الصهيوني ليستقر بهم المقام بمدينة دير البلح وسط القطاع.

وعائلته كما الكثير من العائلات المجاهدة في فلسطين حافظت على واجبها المقدس اتجاه وطنها ومقدساتها، فقدمت الشهداء منهم : عدنان، وعبد الله  قبل أن يترجل الهُمام محمد ليسجل لهذه العائلة أن أبنائها ليسوا أغلى من فلسطين، كما عبر والد الشهيد محمد البحيصي حين قال :" فلسطين أغلى من أرواحنا فهي يرخص لها كل غالي فداها وابني محمد سار بالاتجاه الصحيح لينال رضا ربه" .

وتتكون أسرة شهيدنا من والديه واثنين من الاخوة وثلاثة من الأخوات، فكان ترتيبه الثالث في الذكور.

صفات نبيلة

وفي حوار جمع "الاعلام الحربي "بأصدقاء وأقرباء الشهيد أجمعوا  أن الشهيد " محمد" كان  يتسم بالكتمان الشديد والسرّية التامة وهذا الذي وفقه في عمله منذ أن بدأ مسيرته الجهادية في العام 2012م مع اخوانه في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي .

ويصفه أحد اًصدقائه: "محمد كريم جداً وذو أخلاق عالية، كما أن عمله العسكري لن يثنيه عن ممارسة حياته الاجتماعية من صلة أرحام وغيرها ".

وعندما سألنا والد الشهيد محمد عن صفات نجله تبسم للحظات ثم قال: "محمد أخلاقة فوق الرائعة فعلى الرغم من أنه في جيل الشباب إلا أن الالتزام والهدوء والأخلاق الرفيعة كانت تنبع منه"، سائلاً المولى عز وجل أن يتقبله في علياء المجد مع الشهداء والصديقين.

حياة ملؤها الجهاد

من يخلصْ النية لله ويعزم على الجهاد في سبيله، فإنه لا ينتظرُ من يدلُه على الطريق، فعليه أن يسعى جاهداً للالتحاق بركبِ المجاهدين، وهكذا كان شهيدنا محمد البحيصي .

وكسائر الشهداء الذين ارتبطوا بالمسجد منذ بداية حياتهم، ارتبط شهيدنا رحمه الله بمسجد "يافا" بحي بشارة بالمدينة، فكان ملازماً للمسجد مقتدياً بحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) :"سبعة يظلهم الله بظله ... منهم رجل تعلق قلبه بالمساجد ".

واختار شهيدنا العمل مع التنظيمات الاسلامية، فقلبه تعلق بفكرهم وجهادهم، فحطت به الرحال وانتظم مع رفاقه في حركة الجهاد الاسلامي في عام 2010م ، فكان يحرص على المشاركة في الفعاليات والمهرجانات التي كانت تنظمها حركة الجهاد في المنطقة الوسطى وقطاع غزة،  فكان خير مثال للعنصر الفعال في مدينة دير البلح .

وأمام إخلاصه ومثابرته ذل والعطاء تم اختياره ليكون جندياً في صفوف سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الاسلامي في العام 2012م .

تلقى شهيدنا محمد العديد من الدورات العسكرية، وشارك بالرباط في سبيل الله، وكذلك شارك في أكثر من مناورة عسكرية، وارتقى الشهيد محمد ليصبح بعد فترة من الوقت آمر مجموعة في المشاة، ثم وقع الاختيار عليه ليكون ضمن وحدة الإسناد ( هاون 60) ، وعندما تم تفعيل  وحدة الأنفاق تم اختيار ليكون ضمن الجيش السرّي الذي يعمل الليل بالنهار ليصنع فجر الحرية.

وساهم شهيدنا محمد البحيصي في الاعداد انطلاقا من قوله تعالى : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" فعمل في مجال تربيض صواريخ ( 107) مع اخوانه المجاهدين نظرا لسريته التامة فكان لا يتحدث مع أحد عن وضعه العسكري ودوره الذي يقوم به.

موعده مع الحور العين

خرج الشهيد كعادته ليقوم بواجبه الجهادي المقدس، في وحدة الأنفاق وبالتحديد شرق خان يونس قرب بوابة (كسوفيم) في يوم الاثنين الثلاثون من شهر أكتوبر من العام ألفين وسبعة عشر؛ ليقصف الاحتلال الصهيوني النفق على المجاهدين، ويفقد الاتصال معه، فهب لنجدتهم مجموعة من سرايا القدس على رأسهم الشهيد القائد عرفات مرشد أبو عبدالله مسئول لواء الوسطى، ونائبه الشهيد حسن رمضان أبو حسنين وأخوة آخرين الشهيد حسام جهاد السميري والشهيد عمر نصار الفليت والشهيد أحمد محمود أبو عرمانة مع اثنين من كتائب القسام الشهيد مصباح شبير والشهيد محمد الأغا، ويستمر البحث عنهم أربعة أيام دون العثور عليهم؛ لتعلن سرايا القدس عن استشهادهم في بيان رسمي صادر عنها يوم الجمعة الموافق 3/11/2017م، وتمكنت قوات العدو الصهيوني من البحث عنهم من خلف الخط الزائل على حدود قطاع غزة وتعلن عن انتشال جثامينهم واحتجازها والشهداء هم: شادي سامي الحمري، بدر كمال أبو مصبح، أحمد حسن السباخي، محمد خير الدين البحيصي، علاء سامي أبو غراب.

disqus comments here