"عصام براهمة".. خرج من وسط النار بعد 9 ساعات ليلهب قلوب الصهاينة

الإعلام الحربي – خاص

من عنزا جنين يتدفق الفخار شلالا..على ترابها الطاهر جبلت دماء الشهداء .. مع نسيمها العليل تعبق رائحة الشهادة.. يشق أمواج العزة فيها فارس شجاع.. يمتطي صهوة الكبرياء.. يشهر سيف الجهاد الإسلامي.. يزأر معلنا نفير الثأر.. يزرع الموت في دروب الصهاينة.. فارس متمرد يفيض بالعطاء .. يتوشح بالبطولة .. ويخفق طالبا الشهادة وليس غير الشهادة.

تمر علينا اليوم الاثنين الذكرى السنوية الخامسة والعشرون لاستشهاد الشهيد القائد عصام براهمة أحد مؤسسي الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بالضفة المحتلة والي ارتقى شهيداً بتاريخ 11-12-1992م بعد خوضه معركة بطولية مع قوات الاحتلال التي حاصرته بجنين وقد قتل ضابط صهيوني وأصيب 4 جنود آخرين.

الميلاد والنشأة

ولد شهيدنا المجاهد عصام موسى عبد الرحمن براهمة في قرية عنزة قضاء جنين بتاريخ الخامــس من مايو/أيار 1963م، ونشــأ في ظل أسرته المكونة من ســتة أفراد ويأتي ترتيبه الثاني من حيث العمر، له ثلاثة إخوة وأختان.

ترعرع الشــهيد الفارس عصام في ظل قريته الصغيرة حيث البيئة القروية الهادئــة والعادات والتقاليــد الأصيلة وحيث الحياة الزراعية والرعوية. ونشــأ منذ

صغــره على حــب القريــة والأرض والوطن، وكان منــذ صغره متمســك بالدين وتعاليمه الســمحة، خلوقاً يحــب جميع الناس، وعندما أكمل السادســة من العمر التحق بمدرســة القرية وبدأ المرحلة الابتدائية فيها، وكان من التلاميذ المتفوقين في دروسهم، طالباً مهذباً ونشيطاً، وقد عرف بالشجاعة منذ نعومة أظافره حيث تميز بالجرأة والقوة الكبيرة. وبعد أن أنهى المرحلة الإعدادية في قريته الصغيرة انتقل إلى مدرسة قرية سيلة الظهر المجاورة لقريته حيث يوجد في هذه القرية مدرسة ثانوية.

المشوار الجهادي

خلال مرحلة دراســته الثانوية كان لشهيدنا المجاهد عصام دور بارز على صعيد النشاط السياسي، حيث كان ينظم الإضرابات ويقود المظاهرات التي كانت

تخرج من المدارس احتجاجاً على الاحتلال، وبعد أن أنهى دراســته الثانوية انخرط في صفــوف حركــة فتح حيث لم تكن قد ظهرت حركة الجهاد الإســلامي بشــكل فاعــل ومؤثر، وقام خلال هذه الفترة بتنظيم آخرين مكوناً بذلك خلية عســكرية، وقام بتدريبهم على الســلاح، وقد اشتهر بمهارته في التدريب ودقته في التصويب، وبالرغم من اهتماماته السياسية فإن ذلك لم يمنعه من مواصلة تعليمه فالتحق بكلية المجتمــع العصرية في رام اﷲ وكان يدرس هندســة ديكور، ويعتبر شــهيدنا المقدام عصــام أول شــاب في قريته ينخــرط في العمل العســكري.

وبعد مرور ســنة على دراسته في كلية المجتمع العصرية تم اعتقاله وذلك عام 1986م، وكانت هذه المرة الثالثــة التي يتم فيها اعتقاله حيث اعتقل أول مرة في مدينة جنين أثناء اشــتراكه في مظاهرات عارمة ســنة 1982م وقد اعتقل مرة ثانية عــام 1984م، ولكنه في المرة الأولى والثانية لم يمكث في السجن فترة طويلة، بل كان يخرج ليكمل المشوار ويتابع نشاطه السياسي، لكنه في هذه المرة - أي الثالثة - حكم عليه بالسجن الفعلي لمدة أربع ســنوات بالإضافة إلى سنتين مع وقف التنفيذ، وأثناء وجوده داخل السجن لم تفتر عزيمتــه ولم تلن قناته بل واصل نضالاته وراء القضبان مما أثار حقد وغضب إدارة السجن عليه حيث كان يعاقب باستمرار بحرمانه من زيارة الأهل لفترة طويلة أو وضعه في زنزانة انفرادية، ولكن هذه الأســاليب الخسيســة لم تكن تنال من كبريائه وشموخه.

طريق الجهاد الإسلامي

عندما تفجرت الانتفاضة المباركة في الســادس من أكتوبر/تشرين الأول من العام 1987م كان شهيدنا المجاهد عصام لا يزال قابعاً في عرينه وراء القضبان، وكان خلال فترة اعتقاله وحتى الشهور الأخيرة قبل الإفراج عنه ملتزماً في صفوف حركــة فتح، وأثنــاء وجوده في الســجن اتصل بشــباب حركة الجهاد الإســلامي وحاورهم وناقشــهم ووجد عندهم ما يتلاءم مــع فطرته وعقيدته وطموحه، وبما أنه إنسان مخلص ومتجرد فلم يتردد في الالتحاق بصفوف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بعد أن وجد أن أطروحات هذه الحركة لا تختلف قيد أنملة عما يجول في خاطره.

والجدير بالذكر أن شــهيدنا المقدام عصام وأثناء وجوده في صفوف حركة فتح داخل السجن كان يتميز بتدينه ويؤم إخوانه في الصلاة ويخطب بهم الجمعة.

رحلة الانتماء والعمل العسكري

عندما خرج شــهيدنا الفارس عصام من السجن فوجئ أهل القرية أنه قد ترك حركة فتح والتحق بصفوف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وكان معظم شــباب قرية عنــزة في تلك الفترة يعتبرون من أنصار حركة فتــح، وكانوا ينتظرون خروج الشــهيد القائــد عصام لينظم صفوفهم، لقد خرج الشــهيد المجاهد عصام من الســجن يوم الخميس الســابع عشر من مايو/أيار 1990م، وكان هذا التاريخ نقطة تحول في حياة أهل القرية، ولقد حاول شباب القرية جميعهم أن يقفوا في وجه شهيدنا المجاهد عصام ويمنعوه من نشر أفكار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والعمل لصالحها وتحت رايتها، لكن كل المحاولات باءت بالفشــل وتحطمت على صخرة صمود الشهيد المجاهد عصام وقناعاته الراسخة بالحل الإسلامي الجهادي، وقد تعرض إلى ضغوط كثيرة لثنيه عن الســير في طريق الجهاد، لكنه لم يكن يعبأ بما يلاقي، بل كان يزداد إصراراً وعنفواناً وعناداً كلما ازداد الضغط.

لم يكن شــهيدنا الفارس عصام يحب الظهور كما يفعل بعض الشباب، بل كان يمارس نشــاطه العســكري بسرية تامة، ورغم أنه كان مسئولا كبيراً في الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين (جناح عشاق الشهادة) إلا أن ذلك لم يمنعه من المشــاركة في المواجهات مع قوات الاحتلال الصهيوني وغالباً ما يكون في مقدمة المظاهرات.

ورغم نشــاطه الســياسي والجهادي لم ينس شــهيدنا القائــد عصام حياته العائلية وأموره الشخصية حيث كان لوالده غنم كثيرة، وكان شهيدنا البار يساعد والده في رعي الغنــم وفي الأعمال الزراعية كحراثة الأرض وقطف الزيتون.

وبعد عام من خروجه من السجن خطب فتاة من قريته في 5 مايو/أيار من العام 1991م وكان ذلــك التاريخ ذكرى ميلاده، وفي هذه الأثناء التحق شــهيدنا المجاهد عصام بجامعة القدس المفتوحة ليدرس إدارة أعمال، وبدا خلال هذه الفترة مثال الطالب الخلوق والبطل الشــجاع والابن البار والخطيب المخلــص الوفي.

وبعد مرور فترة من الزمن على انخراطه في العمل السياسي والعسكري بدأت المخابرات الصهيونية بمراقبته وتتبع أخباره عبر عملائها وفي الخامــس من يوليو/تموز 1992م داهمت قوات الاحتلال الصهيوني منزل شــهيدنا المجاهد عصــام من أجل اعتقاله، لكنها فشــلت في ذلــك وبعد أن منيت المخابرات بالفشل طلبت من أهله تسليمه لهم، لكنه رفض ذلك ومنذ ذلك التاريخ اختط لنفســه طريقاً آخر. طريق المطاردة، لقد فضل أن يعيش مطارداً على أن يســلم نفسه لليهود فريســة سهلة. فضل أن يلتحف الســماء ويفترش الأرض، فضل حياة العزة والإباء على حياة الذلة والهوان والاستسلام، فضل الكهف المظلم المــليء بالأفاعي مع العزة والكرامة على القصور والفراش الوثير مع الذل والهوان، لقد اختار طريقه بقناعة راســخة، وكان يعرف معالمها ونهايتها، لقد كان يعرف أن الكهف ملجؤه والصخور والأشــجار أصدقاؤه، وأن الترقــب والحذر الدائم هو الســلاح الفعال في حياة المطارد، وسرعان ما اعتاد شــهيدنا القائد عصام على حياة المطاردة والمواجهة المكشوفة مع قوات الاحتلال الباغية، لقد ألف هذه الحياة رغم قسوتها؛ لأن هذه الحياة (حياة المطاردة) لم تخلق إلا لمثل هذا البطل ولأن هذا البطل لم يخلق إلا لمثل هذه الحياة، ولقد حاول أهله جاهدين أن يقنعوه بتسليم نفسه، لكنه رفــض هذه الفكــرة، ولم يقتصر الأمر على أهله، بل شــارك في هذه المحاولة الكثير من أهل القرية ظناً منهم أنهم يقدمون بذلك النصيحة لشهيدنا المقدام، ولم يكونوا يعلمون أن حساباته تختلف عن حساباتهم، وكان يردد باستمرار أن من اختار درب الجهــاد والاستشــهاد لا يهمــه أي شيء لا مال ولا بنون ولا دنيــا ولا أي شيء غير الجهاد في سبيل اﷲ، ومنذ ذلك الحين أعلنها حرباً ضروساً ضد الصهاينة، وأصبح المســئول العســكري لحركة الجهاد الإســلامي في فلســطين في منطقة جنين، وكان يدرب المجاهدين على السلاح ويكون المجموعات العسكرية، وقد أطلق على هذه المجموعات العســكرية مجموعات عشاق الشهادة وبدأ يشن حرباً لا هوادة فيها ضد الأعداء من الصهاينة المحتلين.

لم يقتصر دور شهيدنا القائد عصام على التخطيط والتوجيه، بل كان يشترك في معظم العمليات العســكرية التي تحدث في منطقة جنين، ولقد أبدع على صعيد العبوات الناســفة حيث كان يزرعهــا على طريق جنين– نابلــس ويصطاد الجيبات العسكرية اصطياداً، لأنه كان يتحكم بتفجير العبوة الناسفة يدوياً، وهذا الأسلوب النوعــي في حينــه أدى إلى قتــل وجرح الجنود الصهاينة لاســيما أن هــذا النوع من العمليات لم يكن أحد قد عمل بها سابقاً في تلك الفترة.

ولقد أدرك العدو خطورة بقــاء مثل هذا البطل طليقاً يزرع الموت في كل مــكان ويصطاد منهم العديد ويبث الرعــب في قلوبهــم ولذلك قرر جهــاز المخابرات اللعين مطاردته بشــكل مكثف ودائــم من أجــل إلقاء القبض عليه أو عــلى الأقل إبقائه في حالــة دفاع عن النفس وشل قدرته على التفكير بالمهاجمة، ولكون المخابرات كانت تفشل في كل محاولاتها للقبض عليه.

شديد التدين حذر له حس جهادي عميق

حدث أحد المجاهدين أن الشهيد القائد عصام براهمة كان شديد التدين، يكثــر من تلاوة القرآن، حــذراً، له حس جهادي عميق، نظيفـاً في تعامله مع أبناء شــعبه حتى مع الذين حاولــوا التضييق عليه خوفاً من لمعان ســيرته واحترامه بين الناس وتأثيره عليهم خاصة الفتية والنشء من أبناء قريته والقرى المجاورة.

ذات يوم وصلت أنباء عن انتشــار عســكري ومراقبة وحواجز عسكرية بالقرب من مســقط رأس الشــهيد القائد عصام، فتعاون بعــض الإخوة وبطريقة سرية على تأمين مكان آمن بعيداً عن المكان للحفاظ على حياة ذلك المجاهد الكبير والذي يحتاج إليه الجميع.

فتم نقله مع المساء إلى الجبال المحيطة ومن ثم واكبه أحد الإخوة إلى مكان يبعد عن قريته مسافة 6 كم تقريباً، وفي أحد الأودية الوعرة أوقف شهيدنا القائد عصام السيارة التي كانت تقله ونزل وطلب منهم العودة، وهمس في أذن أحدهم أنه سيبيت هنا في هذا الوادي عدة ليال، وطلب منه مرافقته ليعلم مكان اختبائه وليوصل له الطعام بعد ثلاثة أيام، فســار معه ذلك الشــاب ووقفا معاً أمام صخرة كبيرة، فطلب شــهيدنا المجاهد عصام من الشاب مساعدته لإزالتها فوافق الشــاب باستغراب شديد، وبعد عناء أزيحت الصخرة فإذا هي بوابة لكهف عميق قديم، دخل شــهيدنا القائد عصام إلى داخل الكهف وأضاء شمعة كانت بحوزته، فأضاءت بعض جوانب الكهف وأخرج من جيبه بعض قطع الخبز وكمية من الماء وكمية قليلة من الطعام المتواضع وأنزل عن عاتقه رشاشــه المعبأ بالرصاص وحمل بيمينــه القرآن وطالب رفيــق دربه أن يغلق الكهف بتلك الصخــرة وألا يعود إليه إلا بعــد 3 أيام وألا يخبر أحداً، وقال: كان يقرأ القرآن ويتقرب من اﷲ بالإكثار من الصــلاة والذكر ففعل رفيق دربه مــا أمر به، وعاد حائــراً إلى قريته وبعد ثلاثة أيام ركب دابتــه قاصداً ذلك الوادي بغرض التحطيــب الظاهري للتمويه ووصل مع المســاء وربط الدابة بعيداً عن المكان وتقدم خلســة خوفاً مــن أن يراه أحد، اقترب من الصخرة التي تشــكل باب الكهف فنادى بصوت منخفض "عصام.. عصام" واقترب أكثر وأصغى لصوت الشهيد القائد وهو يرتل القرآن من كتاب اﷲ بصوت جميل، فأزاح الصخرة بعناء ودخل إليه بالطعام فرآه ســاجداً بيده كتاب اﷲ وأمامه الشمعة المشتعلة على يمينه، هالة من السكينة والوقار وإشراق من الخضوع والخشوع للعلي القدير.

معركة الشهادة

يوم الخميس الموافق 1992/12/10م كان الشــهيد القائد عصام براهمة يجوب شوارع القرية بصورة مكشوفة، وكان قد مر في شارع وسط القرية وزار أهله وأصدقاءه، وبعد آذان العصر توجه إلى منزل أحد أصدقائه بصحبة عدد من رفاقه حيث ذهبوا لتناول وجبة العشــاء، وبعد أذان المغرب صلوا جماعة بإمامة الشــهيد القائد عصام وأثناء وجودهم في هذا البيت حضر صديق آخر وطلب من الشــهيد القائد عصام مرافقته إلى مكان ما، وبالفعل ذهب معه بعد أن أخبر أصدقاءه أنه لن يغيب كثيراً، وكان بيت هذا الصديق الذي رافقه الشــهيد القائد عصام يقع في أول البلد من جهة الشــارع الرئيسي وقريباً من الدوار الرئيسي، بل على الدوار مباشرة، إن اســتجابة الشــهيد القائد عصام للذهاب إلى هذا المنــزل تعتبر مغامرة؛ لأن مثل هذه المنازل تشكل خطراً على مطارد مثل شهيدنا المجاهد عصام بسبب موقعها غير الآمين.

وما أن دخل شهيدنا القائد عصام إلى هذا المنزل حتى كانت القوات الخاصة تحيط به من كل جانب، وكانت هذه القوات قد تمكنت من دخول القرية في شاحنة عربيــة مليئة بالكراسي وتنك الزيت، وكان ســبب دعوة الشــهيد القائد عصام إلى هذا المنزل وجود شاب من نابلس يدعي أنه من مجاهدي أحد الفصائل الفلسطينية ويريد مقابلته لأمر هام وفور تطويق المنزل من قبل القوات الخاصة بدأت السيارات العسكرية تتدفق إلى القرية بأعداد كبيرة ترافقها سيارات الإسعاف وعدد كبير من ســيارات الضباط بالإضافة إلى طائرتين مروحيتين حطت في الســهل القريب من القريــة، في هذه الأثناء بدأت مكبرات الصوت تطالب أهل المنزل بإخلائه فوراً كما تطالب شهيدنا القائد عصام بالخروج رافعاً يديه للأعلى ووجهه للخلف مؤكدين له بأســلوب ســاخر أنه لا مجال للمقاومة، ومــا أن أكمل أهل المنــزل الخروج منه حتى جاء رد شهيدنا المقدام عصام على هذا النداء الشيطاني اللعين عنيفاً وواضحاً ومدوياً.

لقد جاء رده رشــقات مباركة من بطــل مطارد ومظلــوم ومتمترس في أكناف بيت المقدس يقارع اليهود نيابة عن أمة الإســلام الغارقة في سباتها العميق،

وقد استطاع هذا البطل بعون اﷲ قتل قائد القوات الخاصة وذلك منذ بداية المواجهة واســم هذا القائد (ساســان مردخاي) وقد جرح بالإضافة إلى هذا القائد عدد من الجنــود الذين بدأوا يصرخون ويبكون كالكلاب التي يطاردها أســد، ولقد كانت كثافة النيران وأزيز الرصاص المدوي يشــيران إلى وجود اشتباك عنيف، وحقاً لقد كانت معركة، بل ملحمة بطولية نادرة؛ لأن أحد طرفيها فارس من فرســان الجهاد الإســلامي عاهد اﷲ أن يســير على هذا الدرب حتى الشــهادة، وقد استمر إطلاق النار بين الطرفين قرابة الساعتين بعدها قام الجيش بإحراق كل ما حول المنزل حيث كان هناك كمية كبيرة من إطارات الســيارات القديمة مما تســبب في دخول سحب مــن الدخــان إلى المنزل، وكانــت رائحتها تكاد تخنق كل من تواجــدوا بالقرب من المنزل، لكن شــهيدنا القائد عصام الذي عاهد اﷲ على الشهادة كان يعيش في كنف اﷲ ورعايتــه وكان يرد عليهــم برصاصه الذي لا يخطئ الهــدف.

وبعد ذلك قاموا بإحراق المنزل الــذي كان يحتوي على 45 تنكة زيت وبرميل من الكاز وبرميل من البنزين يســتخدمه صاحب المنزل لتشغيل ماتور قص الخشب وكذلك جرتان من الغاز بالإضافة إلى الأثاث الضخم الذي كان يملأ المنزل.

وبدأت ألســنة اللهــب تخرج من المنزل، ولم يكن الجيران يرون ســوى نار حمراء متوهجة تخرج من شــبابيك المنزل التي انهارت وأصبحت رماداً بفعل النار.

وخلال هذه الفترة ســكت صوت رصاص شــهيدنا القائد عصــام واعتقد الناس والجيش بل تيقنوا أنه قد مات، بل أصبح رماداً من شــدة النيران، لكنهم غفلوا أن اﷲ الذي قال للنار ﴿يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم﴾ (الأنبياء: 69 ) قد حمى وليه المجاهد في سبيله من ألسنة اللهب وسحب الدخان الخانق.

بعد هذه العملية الإجرامية التي ارتكبها العدو تيقنوا بل اطمأنوا أن هذه النيران التي أشــعلوها وأذابت الإســمنت المســلح قد بخرت لحم وعظم شهيدنا القائد عصام، ولذلك وبعد فترة من الزمن قاموا بإحضار إطفائية وأخمدوا النيران، ثم قاموا باقتحام المنزل بحثاً عن بقايا جثة شهيدنا القائد عصام، لكنهم فوجئوا مرة أخــرى برصاصه يعلن لهم أنه مازال على قيد الحياة.

عند ذلك جن جنونهم وقاموا بقصــف المنزل بالصواريخ حتى لم يبق منه شيء. وعندئذ ســكت رصاص البطل. وكان آخر ما سمعه الجيران من صوت سلاح شهيدنا القائد عصام صوت رصاص مسدس ويبدو أن ذلك بسبب نفاد ذخيرة الرشاش الذي كان بحوزته، وكان ذلك قرابة الساعة الثالثة والنصف من الفجر، وهذا يعني أن المعركة استمرت قرابة تسع ساعات.

بعد ذلك حضرت جرافتان من الحجم الضخم وبدأتا بجرف المنزل وحمل الركام بعيداً عن القرية، وذلك من أجل البحث تحت المنزل عن ملجأ حيث تولدت عندهــم قناعة أنه لا يوجد إنســان يمكن أن يظل على قيد الحيــاة في ظروف كالتي مر بها شــهيدنا القائد عصام إلا أن يكون موجــوداً في ملجأ محصن ومن حقهم أن يتوهموا ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون باﷲ وقدرته التي هي بلا حدود.

ويقــال إن هناك ســبباً آخر لجرف المنزل وهو من أجــل إخفاء آثار ومعالم هذه الجريمة البشــعة والتي هي آثار شــاهدة على هزيمة الجيش الذي يقال عنه إنه لا يقهر، هكذا عاش شــهيدنا البطل عصام شــامخاً وقضى نحبه شــامخاً لا يلين ولا يســاوم، ولقد ودعه أهل القريــة وأهالي القرى المجاورة وإخوانــه من أبناء حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التي قضى نحبه وهو يحمل رايتها، لقد ودعوه بموكب مهيب تخللته زخات الرصاص من أبناء الجهاد الإسلامي، وأعلنوا أنهم جميعاً ســائرون على نفس الــدرب غير هيابين ولا مترددين وأنهم لن يحســبوا حساباً لصواريخ المجرم رابين وزبانيته الأنذال.

وفي الوقت الــذي ارتقى فيه الشــهيد القائد عصــام براهمة شــهيداً كان المجاهــدان عطــا فلنة ومحمد فلنة في غياهــب الزنازين، الأســير المجاهد عطا كان موجوداً آنذاك في زنازين سجن الخليل، وكان يمارس عليه أبشع التعذيب والتحقيق من قبل ضباط نازيين وعملاء عصافير الخزي والعار لكي يستغلوا قصة استشهاد الشــهيد القائد عصام براهمة للحصول على معلومات أكثــر، وبتلك الطريقة علم المجاهدان عطا ومحمد باستشهاد الشهيد القائد عصام براهمة.

disqus comments here