الحقيقة.. يا عصام!

بقلم: علي الخليلي _ جريدة القدس

أنقل لكم بالنص الحرفي، ما ذكره التلفزيون الصهيوني مساء الجمعة 11 كانون الأول (ديسمبر) 1992 ، عن المعركة الكبيرة التي دارت، أو بدأت فجر ذلك اليوم، الجمعة، وانتهت في منتصف نهاره على مدار سبع ساعات، بين الشاب الفلسطيني عصام موسى براهمة ( 29 عاماً) من سكان قرية عنزة قضاء جنين، في الضفة الغربية المحتلة، من جهة، وعدة وحدات عسكرية صهيونية من مختلف التخصصات والمستويات،من جهة ثانية.

قال التلفزيون الصهيوني: "إن وحدة صهيونية خاصة تابعة لحرس الحدود، قدمت إلى قرية عنزة إثر معلومات عن وجود براهمة في أحد منازل القرية، وكانت القوات الصهيونية قامت فور وصول تلك المعلومات، بإغلاق منطقة جنين، ونصب الحواجز على الطرقات، ثم فرضت طوقاً على القرية، وحاصرت المنزل.

وحين حاولت الوحدة الخاصة اقتحام المنزل، أطلق براهمة النار في اتجاهها، من الجيش وحرس الحدود. ￯مما دفع بأفراد هذه الوحدة إلى استدعاء قوات أخر وبموجب قرار اتخذه القادة العسكريون الميدانيون، قصفوا المنزل بالصواريخ المضادة للدبابات وبالقنابل، وهو ما أدى اشتعال النيران فيه، وهدم  معظم أجزائه. وبعد ذلك، قام بعض ضباط وجنود هذه القوات، بمحاولة اقتحام

المنزل وتمشيطه، فأطلق الشاب النار في اتجاههم، مما نتج عنه مقتل الضابط ساسون مردوخ وإصابة جنديين ثم قامت مجموعة أخرى بتخليص الجريحين، واشتبكت مع الشاب المسلح مجددا مما أدى إلى إصابة جنديين آخرين بجراح، وعلى إثر ذلك  قامت قوات الجيش بوضع المتفجرات حول المنزل، ثم نسفته نسفاً فتهدم كله وقتل الشاب المسلح".

وأتبع الجيش الصهيوني هذا الوصف البارد للمعركة الكبيرة الحامية، بوصف أشد برودة، عن وصول رئيس أركان الجيش الصهيوني ايهود براك، وضباط كبار آخرين إلى "مكان الحادث" للاطلاع، ولأشياء أخرى ليس من  المعقول أن يذكرها التلفزيون طبعاً.

ومع أن هذا التلفزيون الصهيوني أكد بنشرتيه المسائيتين نقل الجرحى الأربعة من أفراد الجيش وحرس الحدود إلى المستشفى لتلقي العلاج، وأن جراح أحدهم خطيرة، وجراح ثان متوسطة، وأن ذوي الضابط المقتول قد أبلغوا بمقتله، وبرفع رتبته العسكرية فور ذلك الحادث، فإن التلفزيون لم يذكر حرفاً واحداً عما جرى للجسد الفلسطيني المنسوف.

إلى ذلك كله ولأنني من أشد المتحمسين و"المنظرين" للمسيرة السياسية التفاوضية السلمية، فإنني أجد حرجاً، مثلما الملخوم في مقاربة هذا "الحادث" ولو أنني أقاربه، أو أقترب منه وفق صياغة تلفزيونية صهيونية بحتة.

ولماذا تحصل هذه المقاربة؟ لا أدري، ولكنني أعتقد أن عنزة يثير اسمها بين المعيز والأغنام سخرية، فما قيمة عنزة أو نعجة أو بقرة بين الناس؟ وأن عصام براهمة هو هو، ولدته أمه ليموت في الانتفاضة، موتاً على هذا الجانب أو ذاك الجانب سيان، فقد تجاوزت الحال أيام عز الإحصاء لكل شهيد وجريح، قبل أريع سنوات مثلاً.

وإما أن يشتط بي الهاجس، فأقول إن معركة عصام الأوحد المستفرد، في المنزل الواحد، أمام ما لم يكشف عن عدده من قوات صهيونية، ومن صواريخ وقنابل ومتفجرات، هي معركة منهجية جدا، تحتاج للتدريس المنهجي في الكليات العسكرية لتخريج دفعات الضباط الكبار في العالم العربي وفي عالم الدنيا وعالم الآخرة، فلا بد أن أستغفر الله وأن أعود لرشدي، في رشد المفاوضات الثنائية والمتعددة. فمن الخير لي أن أغوص في إشكالية البحث حول هذا السؤال: ما الأكثر فائدة لنا، أن تتقدم "المتعددة" أو ً لا، والثانية ثانياً أم العكس؟ ولماذا قلنا "جولات" أولى وثانية وثالثة، وثامنة، ولملم نقل "صولات" فتلك من جال يجول جولاً، جولة، وهذه من صال يصول، أم خفتا من "الصالة" ومن "الصالونات" حين تعبر اللغة في مفرداتها وتعابيرها، عن المضمون بانعكاساته وهلوساته؟.

ولا شك أن الصهاينة يتساءلون: كيف؟ ولماذا لم يخرج عصام من المنزل رافعاً يديه؟ ولماذا لم ترعبه الصواريخ والقنابل؟ وكيف تمكنت قبضته من الثبات والرسوخ الواثق على زناد بندقيته الوحيدة في مواجهة جيش بحاله؟ وكيف "جال جولات أربع" على طريقته الخاصة، دون "رعاية" من أحد؟ وهل قتل حقاً وأين جثمانه؟ أسئلة أو تساؤلات مثل هذه لا علاقة لي بها، فهي مثل النشرة الصهيونية البحتة أسئلة وتساؤلات صهيونية بحتة.

ولا أظن أحدا غير الصهاينة أنفسهم سوف يكثرت بتخليد اسم عصام، ومعركة عصام؛ لأنهم ببساطة يحتاجون إلى دراسة "حالة" عصام أكثر مما نحتاج إليها بكثير..

وأنا، الحق أقول، رجل سلام، بالمناسبة وقبلها وبعدها. وأن رجل السلام بالذات لا يخشى قول الحق ومع أن الحقيقة ساخرة دائماً إلا أنه يتشبث بها ولو على قطع عنقه.. يا عصام.

disqus comments here