شهادة المحرر المبعد عطا فلنة رفيق درب الشهيد عصام براهمة

الاعلام الحربي _ خاص

شهادات من مجموعة عشاق الشهادة

كنت قد انتميت إلى صفوف حركة الجهاد الإسلامي في 1989/09/01م قبل أن أتعرف على الشــهيد القائد عصام براهمة. وفي 1992/03/01م ذهبت أنا وشــقيقي عبد الكريم (أبو محمد) إلى قرية (عنزة) قضــاء جنين للقاء أحد أصدقاء أبو محمد الذي كان معه في الســجن حيث كنت أقود الســيارة، وكان أخي يحدثني عن بطل من أبطال فلســطين، عن أســطورة الصبر والتحدي في مقارعة الاحتلال والمحققــين في ســجون الاحتلال الذين قد عرفت صبرهــم وجلدهم، وعن قصة اعتقاله وعن الأحداث التي حدثت معهم في ســجون الاحتلال الصهيوني، وعن البار بوالديه والمحب لبلــده، وعن الطالب الجامعي الراعي لغنم والده حيث كان يبيع منها ليشتري الأدوات القتالية بثمنها، وعن الشاب المؤمن والمجاهد في سبيل اﷲ.

وصلنا إلى قرية عنزة الصغيرة التي تقع على الجانب الأيمن من الشارع الواصل من نابلس إلى جنين. وبدأنا البحث عن الشهيد القائد عصام براهمة. قالوا لنا إنه يرعي الغنم وهو الآن في الجبل الفلاني. بدأنا ننادي عليه من الجبل المقابل له. سمع صوتنا وجاء إلينا وســلمنا عليه، وفي هذه اللحظة تعرفت على من سيؤثر في حياتي الكثير الكثير. بعد ذلك أخذنا الشهيد القائد عصام براهمة إلى بيته البسيط في القرية ورحب بنــا كل الترحيب حيث فرح كثيراً برؤيتنا وحدثنا عن الأحداث التي حصلت معه بعد خروجه من السجن وإعلانه تحوله لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بعد أن كان ضمن صفــوف حركة فتح التي لم تدخر أي جهد ليبقي في صفوفها، ثم قاموا بعد ذلك بعدة محاولات لإقناعه ومارسوا الإغراءات والضغوطات عليه للتراجع عن انتمائه للجهاد الإسلامي، فبقي ثابتاً على موقفه. وكان يرشد من جاء إليه ليرده عن موقفه إلى الصواب والرشــد والطريق الصحيح إلى الإســلام الجهادي المقاوم، ثم بعد ذلك تواعدنا على اللقاء مرة ثانية في وقت قريب حيث كنت أنتمي في ذلك الوقت لحركة الجهاد الإســلامي منذ العام 1989م. وعرف الشــهيد القائد عصام أني مــن أبنــاء الحركة، وفي اللقاء الثــاني بدأنا العمل معاً، وبدأنــا التواصل الحركي والتخطيط لأعمال جهادية.

في اللقاء الثاني اتفقنا مع أخي الشهيد القائد عصام أن ينتقل إلى قريتنا صفا الواقعة غــرب رام اﷲ. وبعد وصولنا طلب مني أن نذهب إلى بلدة دورا دون علم أحــد بذلك، فذهبنا عن طريق القدس إلى الخليل وفي طريق بئر الســبع وإذا بأخي الشهيد القائد عصام ينادي على أحد الركاب الذي كان في سيارة تمر من أمامنا اسمه (فــواز عمــرو) وإذ به هو الذي كنــا أتينا إليه، فذهبنا إلى بيته في بلــدة دورا وتحدثنا واتفقنا على العمل معاً حيث كان الأخ المجاهد فواز المسئول عن الاتصال الخارجي مع الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام الأول لحركة الجهاد الإسلامي.

وبدأ العمل الجدي في هذه المرحلة وأخذنا بعض الســلاح من بلدة دورا إلى قرية عنزة. وكنا نلتقي كل أسبوع معاً، وعندما كنا نذهب إلى بيت أخي الشهيد القائد عصام كان والداه يستقبلاننا بلطف وخوف من مستقبل مجهول لابنهم عصام، وكانا يقولان لنا إن الشهيد القائد عصام مشغول في الأرض ورعاية الأغنام والجامعة ولا نريد أن يسجن مرة أخر￯، وهو الآن قد خطب ونريد أن نزوجه بأقرب وقت.

وكنا نتفهم موقفهما، ونخرج ونذهب إليه عن طريق آخر، وكان ينصحنا أن نصبر، وأن مــن يختار هذا الطريق عليه أن يتحمل كل المصاعب. ونحن نعرف أنهما طيبان وخيران، ولكن حرصهما على ابنهما عصام كبير. ومن شدة خوفهما عليه كان يقول لي: "أتمنى أن أكون مطارداً لأكون حراً من قيود والدي حتى أتفرغ للعمل الجهادي".

وفي 1992/07/15م اقتحمــت قــوات الاحتلال قريــة عنزة لاعتقال الشــهيد القائد عصام فلم تجده في البيت فطلبت من أهله أن يســلم نفســه، ولكنه رفــض، وبدأ مرحلــة جديدة من حياته هــي مرحلة المطاردة، وباع نفســه ﷲ تعالى وزهد في الدنيا الفانية وما فيها.

في هذه الفترة بدأ الشــهيد القائد عصام بجمع شــمل المجموعات التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، وبدأ بمشاورتنا بالبحث لاختيار اسم مشترك للمجموعات الجهادية في الضفة الغربية حتى تم الاتفاق على اسم (عشاق الشهادة) فصار القائد الأعلى، وتوليت أنا العمل في رام اﷲ. والخليل كان لها قيادتها ومثلها نابلس. وكان يخبرني عن العمليات البطولية في جنين على طريق نابلس وماذا تفعل هذه العبوات الناسفة والمواد التي يصنعها بيده مع إخوانه.

وما هي إلا فترة قصيرة حتى شاع أن الشهيد القائد عصام أصبح المطلوب الأول للاحتلال الصهيوني في الضفة، فتغيرت الأحوال وتغير وضع أهله، وعادوا إلى طبيعتهــم الطيبــة مــن الكرم والشــهامة وحــب الضيف حيث إنهــم أصبحوا يعتبرونني مثل ابنهم عصام أنا وكل الإخوة الذين يحضرون إلى منزلهم، وهذا فخر لنا.

كان الشــهيد القائد عصام _ رحمه اﷲ _ المحبوب الأول لأهل بلدته وكل مــن أراد أي شيء منــه كان يلبيه له عــلى الفور، وكل من يضيع لــه شيء يتوجه إلى الشهيد القائد عصام ويعيده له، وكان يعرف مفاتيح كل بيوت قريته عنزة.

وسكان قريته عنزة جميعهم فلاحون طيبون ووطنيون يحبونه ويحبون ما هو عليــه. كانوا يقولون له افتح بيوتنا واعتبرها بيتك! افعل بها ما تشــاء! كل واشرب ونم في هذه البيوت.

في يوم من الأيام كنــا نريد أن نذهب إلى رام اﷲ والخليــل. وكنا في العادة قبــل أن نخرج من قرية عنزة ندخل إلى مقبرة عنزة ونقرأ الفاتحة على روح الشــهيد المجاهد حســن براهمــة ورامز براهمة. وعندما خرجنا وسرنا بين أشــجار الخروب _ وكان هناك أشواك كثيرة _ أخرج الشهيد القائد عصام من جيبه رصاصاً وبذره عــلى الأرض بــين الأشــواك! تعجبت من فعلتــه وقلت له: خبئهــا في مكان آمن عندما تعود تأخذها! "رد علي مبتسما" عندما أعود سأجدها بانتظاري قلت له: "كيف؟" قال: " يأتي هنا أشبال ورعاة غنم ويلمونها وعندما أعود يعطونني إياها وكل ما يجدون".ﹰ

 

كان الشــهيد القائــد عصــام _ رحمــه اﷲ _ في قريــة عنــزة جنديـاً جاهزاً كاملاً بلبســه وســلاحه وتأهبه لأي معركة مع الاحتــلال، وتعاهدنا معاً على قتال هــذا الاحتلال بكل أشــكاله وعدم مس أي عربي ولــو كان عميلاً حتى لا نقع في الشبهات.

في هذا الوقت كنت متزوجاً، ولي بنت اسمها سجود عمرها أشهر معدودة كان أخي الشهيد عصام يحبها كثيراً ويلاعبها، ويحب قريتنا صفا ويرتاح فيها كثيراً. هــذا ما قاله لي أخي الشــهيد القائد عصام، وكذلك قال لي أخــي المجاهد فواز إن الشــهيد القائد عصام لا يرتاح إلا في صفا. وكنت أنا أقدمه للناس بوصفه صديق من القدس عندما يسألونني عنه.

وكان عندنا رجل بسيط وطيب اسمه عبد حسين. كنت عندما أذهب إلى العمل يبقى الشهيد القائد عصام مع والدي ومع عبد حسين، وكان الشهيد المجاهد عصام يحبه كثيراً ويطلب مني أن أحضره إلى قرية عنزة؛ لأن أهل عنزة سيحبونه.

كان والدي ووالدتي يعتبران الشهيد القائد عصام أعز مني ومن إخوتي. وكنا نطلب منه أن يتزوج ويســكن في بيتي حيث كانــت خطيبته موافقة على العيش معه في أي مكان، ولكن الشــهيد القائد عصام لم يوافق؛ لأنه يريــد أن يتفرغ للعمل الجهادي وبعدها يتزوج.

بدأ الشـهيد القائد عصام بتشــكيل مجموعة عشاق الشــهادة في محافظات مختلفــة منها جنين ونابلــس ورام اﷲ والخليل وبدأ بتعليمهــم وتدريبهم على كيفية صناعة العبوات الناســفة. في هذا الوقت انضم إلى مجموعة رام اﷲ الأسير المجاهد محمد فوزي فلنة فصار بيته مخزناً للأسلحة والعبوات الناسفة التابعة لحركة الجهاد الإسلامي.

عندما كان الشهيد القائد عصام يريد أن يتنقل معي بسيارتي الخاصة أثناء مطاردته يحمل هوية أحد أصدقائه وهو شبيه له بشكل كبير مع توكلنا الكامل على اﷲ ودعاء أخي الشــهيد عصام بأن يحفظنا اﷲ. ســبحان اﷲ! لا نعرف كيف كانت تفتح لنا الحواجز الصهيونية الثابتة والطيارة مع وجود الســلاح في السيارة. كانت معنــا رعاية اﷲ وحفظه، فعميت أبصارهم عنا، كنا نمر من القدس قادمين من رام اﷲ إلى الخليل والعودة إلى جنين، ولم يوقفنا أحد بحمد اﷲ.

في 6/10/1992م استشــهد الشــهيد المجاهــد حســن براهمة ابن عم الشــهيد القائــد عصام، وكان الشــهيد القائد عصام قد خرج مــن عنزة قبل يومين متجهـاً إلى صفــا بصحبتي، وكنت قــد أوصلته إلى الخليل؛ لأنــه كان يجهز لعملية كبيرة مع مجموعة من الخليل. وفي صباح ذلك اليوم سمعت من إذاعة القدس خبر استشهاد الشهيد المجاهد حسن وإذا بأحد أصدقاء الشهيد عصام من عنزة يدخل بيتنــا طالباً هوية الشــخص التــي كان يحملها عصام تمويهاً أنهــا هويته؛ لأن المنطقة خضعت لإجراءات عســكرية. كان يوم السبت، وكانت القدس مغلقة فقلت له: "غدا إن شاء اﷲ سأذهب إلى عصام وأخبره بما حدث وأحضر لك الهوية".

وفي اليوم التالي ذهبت إلى بلدة دورا بالخليل فوجدت الشهيد القائد عصام يســتمع إلى الإذاعــة وإلى أخبار عنزة، فأخبرته بما حصل، فقــال لي: توكل على اﷲ، وأعطــاني الهوية لأوصلها، وطلب مني العودة بسرعة. بعدها فعلا ذهبت من بلدة دورا  إلى جنين في ساعتين، ووصلت للمكان المتفق عليه في قرية جبع بجنين بالقرب من قرية عنزة، ومن هناك دخلت إلى عنزة بصعوبة، وذهبت إلى بيت العزاء لأعزي بصديقي وأخي الشــهيد المجاهد حسن، فاســتقبلني أهل عنزة بالترحيب، وكانوا يعرفونني، وبدأوا يسألونني عن الشهيد القائد عصام، فجاءني أخو الشهيد المجاهد حســن وقال لي إن أبي مريض وعمتي مريضة وأمــي وباقي أهلي يبكون وحزينون على الشهيد حسن، ولن يوقفهم عن هذا إلا عصام. اذهب وأحضره لنا.

وفعلاً عدت إلى بلدة دورا، وبعد أن وصلت حدثت أخي الشــهيد القائد عصام بكل ما حدث في عزاء الشــهيد المجاهد حســن وبما شــاهدت، وكتبت بياناً رســمياً ينعى الشهيد المجاهد حسن، وتوعدنا بالانتقام الشديد له ولكل الشهداء.

وذهبنــا إلى مكتب في الخليل وأرســلنا البيان إلى إذاعة القــدس، وعدت بعدها أنا والشهيد القائد عصام إلى صفا.

وفي اليـوم الثاني أرســلني الشــهيد المجاهد عصــام إلى عنــزة للاطمئنان وإحضــار والدته وخطيبتــه، وفعلاً ذهبت وكانت هذه المــرة ترافقني أمي إلى قرية عنــزة، وصلنا القرية فأكرمونا وقاموا بواجب الضيافة لنا، ثم عدنا ومعنا أم عصام وخطيبته إلى بيتنا للقاء الشهيد القائد عصام، فجلس معهما مدة طويلة من الوقت. وقمنا بواجبهما. وبعد يوم عندما اطمأن الشهيد القائد عصام على الحالة الأمنية في عنزة قرر أن يعود إلى بلدته، فأخذته وأمه وخطيبته إليها، فدخلناها دون أن يلاحظنا أحد. ودخل الشــهيد القائد عصام إلى بيت الشــهيد المجاهد حسن. وكان صوت البكاء لازال في البيت حتى لحظة دخول الشــهيد القائد عصام، فسمعت أصوات الضحك والفرح في البيت حيث كانوا يقولون إذا عاد الشــهيد القائد عصام فكأن الشهيد المجاهد حسن عاد، وفعلاً هذا ما حصل.

بعد ذلك اتفقنا مع الشــهيد القائد عصام على الإسراع بالعملية التي بدأنا التجهيز لها في منطقة رام اﷲ، وطلب مني أن أحمل المواد التفجيرية وأنقلها إلى قريتي صفا. وكان أن اشــتريت كل مــا يلزم للعملية من جرة غاز تــزن كيلوجرامين، ثم ذهبــت إلى عنزة وأحضرت الشــهيد القائد عصام إلى صفــا وذهبنا إلى منطقة قريبة من القرية، وبدأنا تصنيع العبوة وعند الانتهاء من صناعتها كنا قد اتفقنا على المكان الذي ستوضع فيه العبوة.

أخذنا العبوة وخبأناها في نقطة قريبة من مكان العملية، بعد ذلك ذهبت أنا وأخي الشهيد عصام إلى أحد الهواتف في قرية بيت عور التحتا، واتصل الشهيد القائد عصام بالشهيد الدكتور فتحي الشقاقي وأخبره أننا جاهزون (للعرس) هذه الليلــة لتنفيذ العملية. وفعلاً بعد صلاة المغرب من يوم الجمعة 1992/10/16م توجهنــا مــع عصام برفقة أخي الأســير المجاهد محمد فوزي فلنــة إلى المكان الذي تتواجد فيه العبوة فحملها الشــهيد القائد عصام والأسير المجاهد محمد فلنة مشياً عــلى الأقدام من جبل مقابل للمكان المحدد لوضعها فيــه، وهذا الجبل يقع ما بين قريتي صفا وبلعين وقريتي خربتا ونعلين بمحافظة رام اﷲ ومستوطنة متتياهو.

أكملت طريقي إلى قرية بلعين وصليت العشــاء في مســجدها جماعة، ثم عــدت إلى المجموعــة التي يفــترض أنها قد أتمــت وضعها في مكانهــا وإذ بأفرادها ينتظرونني في المكان المحدد، وقالوا إنهم لم ينتهوا بعد. لقد نســينا اللافتة التي كتب عليها عصام تبني العملية وأنها للجهاد الإســلامي، لمجموعات عشــاق الشــهادة وأنها جاءت انتقاماً للشهيد حسن براهمة وللشهداء والأسرى.

وركبوا معي فنقلتهم إلى نقطة قريبة من مكان العملية. وفي الطريق إلى قرية خربتا، وبعد نزول الشهيد المجاهد عصام ومحمد فوزي بدأت أسير على طريق قرية خربتا ذهاباً وإياباً حتى لا أبتعد عنهم وأكون جاهزاً فور انتهائهم من وضع العبوة الجانبية في طريق مستوطنة متتياهو.

بعد انتهائهــم من وضعها صعدوا معي في الســيارة وخرجنــا من المكان بسرعــة حتى لا تنفجــر العبوة ونحن موجودون في المنطقــة. ونحن في الطريق بدأ الشــهيد القائد عصام يذكرنا باﷲ، وطلب منا أن نسبح ونهلل وندعو اﷲ أن تنجح العملية.

عدنا إلى البيــت وانتظرنــا الانفجار، وبعد ســماع الانفجــار الكبير بدأنا بالتكبير والتهليل والحمد والشكر ﷲ على نجاح العملية وهنأنا بعضنا بعض وبدأنا نرى سيارات الإسعاف والجيش وطائرات الهيلكوبتر تهرع إلى المكان. منعت قوات الاحتلال التجوال في كل قرى المنطقة الغربية من رام اﷲ. ذهبت أنا والشهيد المجاهد عصام إلى منطقة تطل على مكان تنفيذ العملية لنستطلع الوضع ونتابع ونرى النيران في الموقع والأضواء الكثيفة، ثم ذهبت أنا والشــهيد القائد عصام إلى هاتف قريب

واتصل عصام بالأخ الشــهيد مؤسس وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشــقاقي (أبو إبراهيم) وبشره بنجــاح العملية وقال له لقد تم (العرس) أي العملية بنجاح والحمد ﷲ، ثم أخذت عصام لمكان آمن حتى ينام فيه.

تركته في البيت تلــك الليلة وذهبت إلى بيتي لكي أعيــش الحياة الطبيعية وكأنه لم يكن شيء. وفي صباح اليوم التالي ذهبت للمكان الذي تركت فيه الشهيد القائــد عصــام فلم أجــده إذ إنه ترك المــكان في منتصف الليلــة، وترك لي مسدساً ورسالة ذكر فيها أنه ذهب إلى الخليل.

بعد يومين حضر الشهيد القائد عصام ومعه كيس كبير من البصل بداخله أســلحة كثيرة .أخذنا الأسلحة ونقلناها إلى بيت الأخ الأسير المجاهد محمد فوزي فلنــة لنأخذها بعد ذلك إلى قرية عنزة، بعد شــهر طلب مني الشــهيد القائد عصام الأســلحة وأراد أن أرســلها له فوضعتها في صناديق بصل وذهبــت إلى قرية عنزة بســيارتي، فوجدته ينتظرني بقلق شــديد، وعندما رآني فرح وسعد كثير وطلب من أحد الشــباب أن يذهب ليشــتري دجاجاً وطلب مني أن أذبحه، فقلت: له اذبحه أنت! فقال لي: لا أستطيع ذبح الطيور.

قلت له تذبح الجنود ولا تذبح الدجاج! فضحــك، وقال لي: اذبح أنت! ومن ثم أرســل الدجاج إلى بيــت أخته لكي تحضره للطعام، ومن ثم أكلنا ســوياً وقال لي أحد الإخوة المرافقين: لم أر الشــهيد القائد عصام ســعيداً قط ويأكل مثلما رأيته ذلك اليوم.

دربني الشهيد القائد عصام بعد ذلك على السلاح وأخذنا صوراً في جبال قريــة عنزة. وفي هذا اللقاء أيضاً طلب مني أن أدرب مجموعة في نابلس، فقلت له: لا أريد أن يعرفني أحد. أنت الوحيد المكشــوف للجميع، وعليك أنت أن تذهب إليهم وتدربهم، فقال لي: صدقت ووافقني الرأي.

وبعد أســبوع عدت إليه ومعي شــبان من الخليل. كانت مشكلة كبيرة في رام ﷲ: اختطاف طفل، ويريدون أن يحلها لهم الشهيد القائد عصام باسم الجهاد الإسلامي، فأوعز الشهيد القائد عصام بالقضية للأخ المجاهد محمد كواملة ليحلها لهم.

اللقاء الأخير مع المجاهد الكبير عصام في قريته عنزة

كنا قد التقطنا صوراً لنا في الأســبوع السابق معاً ولم أر الصور. طلبت منه أن أراها، فبعث أحد الأشبال ليحضرها، ولكن الشبل عاد دون أن يحضرها لمانع، فقال لي: إن شاء اﷲ في الأسبوع القادمة ستراها. ولكن قدر اﷲ نافذ.    

وسجنت بعد أيام أنا وأخي الأسير المجاهد محمد فوزي فلنة وحكم علينا بالمؤبد، واستشهد أخي الشــهيد القائد عصام براهمة. ولم أر الصور وسألت عنها، فقيــل لي إنها فقدت. كنت مشــتاقاً لرؤية الصور كثيراً، ولم أرها طول ســجني 19 سنة، وكنت أتمنى أن أراها؛ لأنها آخر عهدي بأخي الشهيد القائد عصام.

والمفاجأة حدثت عندما خرجت من السجن بعد 19 سنة إذ وجدتها عند والدته الطيبة التي كانت تحتفظ بها مع جميع أشياء الشهيد عصام، فبعثت بها لي، وأنا أول واحد تعطيه هذه الصور بعد استشهاده، وكنت سعيداً بها جداً.

كانت هذه آخر لحظاتي ورؤيتي للشــهيد القائد عصام، وكان هذا الوداع الأخير لرفيق الدرب، عاشــق الشهادة والجهاد، عاشــق فلسطين الشهيد المجاهد عصام براهمة. جمعني اﷲ وإياه ومحمداً صلى اﷲ عليه وسلم وكل الأحبة مع الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين في عليين.

بعد هذا اللقاء بأيام تم اعتقالي وأخي المجاهد محمد فوزي فلنة واستشهد قائدنا عصام بعد اعتقالنا بخمســة عشر يوماً. رحل إلى ملاقاة ربه شــهيداً مضرجاً بدمه الطاهر الذي روى أرض فلسطين.

طالما تمنى هذا اللقاء شهيداً وشاهداً على هذه الأمة. أيام عظيمة من أيام اﷲ التي عشــناها معاً في رحاب الجهاد والاستشهاد، وفعلاً احرص على الموت توهب لك الحياة!.

نعم يا شهيدنا وقائدنا عصام أحببت لقاء اﷲ فأحب اﷲ لقاءك. لقد فزت ونلت ما تمنيت. هذه حكاية بطل عظيم من الجهاد الإســلامي في فلسطين وقائد مجموعات عشاق الشهادة في الضفة والعمل الجهادي.

هنيئــاً لك الفردوس الأعلى يا عصام! نعاهد اﷲ أن نبقى على العهد الذي أخذناه على أنفسنا أن نبقى على طريق ذات الشوكة، والملتقى في الجنان بإذنه تعالى.

disqus comments here