ملحمة الصمود للشهيد عصام في مواجهة أفضل وحدات القتل

بقلم: نراف زئيفي عن صحيفة "معاريف" الصهيونية

الأساطير الأمنية لـ"إسرائيل" تضررت كثيراً خلال السنوات الأخيرة، الأجهزة الأمنية فقدت صورتها الاستثنائية الأسطورية، التي كانت محط فخر للصهاينة على مدى الأجيال.

كل الأجهزة الأمنية الصهيونية مسها الضرر (الشاباك، فضيحة الباص 300)، (الوحدة الخاصة بحراسة الشخصيات، مقتل اسحق رابين)، (كتيبة رئاسةالأركان صهاليم ب)، (سلاح الجو، كارثة تحطم طائرات الهليكوبتر)، (الكوماندوز البحري، فشل الإنزال في جنوب لبنان ومقتل كل الجنود)، (الموساد وقضية مشعل)، كل واحد من هذه الأجهزة تحطمت أسطورته على أرض الواقع.

الوحدة الخاصة لمحاربة الإرهاب التابعة لحرس الحدود والتي تعرف باسم (ي. م. م) هذه الوحدة حافظت على اسمها اللامع غير القابل للاستئناف والسبب في ذلك أن هذه الوحدة بقيت اسماً ولم توضع فوق مشرحة الاختبار ولم توضع تحت مرمى القذائف في ميدان المعارك.

قبل أيام من انتهاء خدمة المفتش العام للشرطة الجنرال أساف حيفتس أحدث في بعض أقواله ضجة كبيرة، إنه الشخص الذي أسس (ي. م. م) حيث قال إن هذه الوحدة تمتلك من الخصائص ما لم تملكه أية وحدة أخرى في الأجهزة الأمنية الصهيونية. هذا الأمر يعني هجوماً صارخاً على قيادة الجيش وجميع الأجهزة الأمنية، وأبدى الجنرال حيفتس تساؤله عن سبب عدم استخدام الوحدة الخاصة (ي. م. م) بد ً لا من الكتيبة الخاصة (بر) التابعة لرئاسة الأركان في العمليات الخاصة.

التناحر بين وحدات الجيش والوحدة الخاصة (ي. م. م) والتي تتبع مباشرة إلى قيادة شرطة "إسرائيل" معروفة أصلاً في معظم العمليات الفدائية والتي كان يتطلب الأمر تخليص رهائن، كانت صاحبة الأفضلية لدى القيادة، استخدام وحدة رئاسة الأركان بينما كانت الوحدة الخاصة (ي. م. م) تقف جانباً محبطة، وفي كل مرة وبعد كل عملية كانت قيادة (ي. م. م) تدعي بأنه لو أسند الأمر لها لكانت النتائج أفضل.

تقول صحيفة معاريف إنه في إحدى المرات أعطيت وحدة (ي.م.م) فرصة لإثبات جدارتها، كان ذلك عندما أمرت هذه الوحدة بملاحقة وقتل الشاب عصام براهمة. الذي كان ينتمي لمنظمة الجهاد الإسلامي، المعلومات كانت أن براهمة موجود في أحد البيوت في قرية عنزة. براهمة كان متهماً بقتل صهيونيين، جملة من التفاصيل المخجلة عما جر يوم العاشر من ديسمبر عام 1992 لم تنشر بعد.

ألا أن أمراً واحداً لا يوجد خلاف حوله، وهو المعركة العصيبة بين الفدائي المنفرد، عصام براهمة وبين جميع أفراد الوحدة الخاصة التي لا مثيل لها، والتي قتل فيها "ساسون مردوخ" وأصيب أربعة آخرون. هذا الأمر تحول إلى الحدث الأكثر مأساوية في تاريخ ال (ي. م. م).

في اليوم المذكور وفي ساعات ما بعد الظهر استدعيت الوحدة من قبل الشاباك وطلب منها اقتحام منزل في قرية عنزة كان عصام براهمة مختبئاً فيه، الوحدة كان يقودها في ذلك الوقت المقدم "ديفيد تسور" والذي يرأس اليوم أحد ألوية الشرطة الصهيونية.

أحد عملاء المخابرات العرب طلب منه إيصال رجال الوحدة إلى البيت الذي يختفي فيه براهمة.

إلى المكان حضر الميجر جنرال "داني ياتوم" الذي كان يشغل منصب قائد المنطقة الوسطى وحال ً يا رئيس الموساد، كما حضر أي ً ضا البريغادير جنرال "موشيه يعلون" الذي كان قائد قوات الجيش الصهيوني في الضفة الغربية، والذي يشغل حاليا رئيس الاستخبارات العسكرية، وحضر أيضا المقدم "أمل أسعد" قائد جنين العسكري والذي هو الآن برتبة بريغادير ويعمل أيضا منسقا للمحادثات مع الجانب الفلسطيني، في ساعات المساء دخل "العميل" إلى المنزل الذي يختبئ فيه براهمة، طفلة صغيرة كانت في ساحة المنزل شاهدت الجنود يحاصرون المنزل فصرخت بالعربية الجيش! الجيش! وعندها تشكك عصام براهمة بعميل "الشاباك" الذي كان بالداخل، وعندها سمع الجنود إطلاق نار داخل المنزل، الضباط والجنود المحاصرون للمنزل شعروا أن هناك أمرا ما داخل المنزل، وتقرر إدخال مجموعة من الجنود إلى المنزل لقتل الفدائي وتخليص العميل وحين الاقتحام أطلقت النيران من داخل المنزل، أحد الجنود في وحدة "ي. م. م" ويدعى "روفين ايزائيلي" أصيب برصاصة في عينه، حيث صارع الموت لمدة 62 يوماً في المستشفى وخرج مشلولاً في الجزء الأيمن من جسمه، الضابط المختص في مجال المتفجرات والتابع للوحدة دخل البيت وخلص "روفين" بسحبه إلى الخارج حيث أطلقوا عليه اسم البطل، ليموت بعد ذلك بساعة في الاقتحام الثاني للبيت، خيم الليل على المكان، سكان البيت خرجوا منه، وكذلك خرج عميل "الشاباك" وبقي في البيت فقط عصام براهمة.

قائد الشاباك وقائد الوحدة المقدم تسور أمروا الجنود بإطلاق نيران كثيفة باتجاه البيت المحاصر، وفعلا تم إطلاق 15 قذيفة مضادة للدبابات على البيت حيث اشتعلت فيه النيران ولمدة ساعتين.

وفي هذه اللحظة اتخذ القرار الذي حدد مصير العملية كلها.

القائدان ياتوم، ويعلون، سألا السؤال التالي: كم من الوقت مر على البيت وهو مشتعل؟ وهذا الوصف ينقله الآن "أندريه فايتسمن" الذي كان في ذلك الوقت طبيب الوحدة الخاصة.

أمر داني ياتوم المقدم تسور بإحضار اطفائية وإخماد النار في المنزل.

"تسور" لململم يكن يحبذ الفكرة، ولكنه لململم يعارضها، رغم أن جنود الوحدة لململم يرغبوا بذلك، ولم يعتبروا الأمر صائباً.

ضابطا الجيش الكبيران ياتوم ويعلون طلبا أن يتم دخول المنزل المهدم لإخراج جثة الفدائي أما قائد الوحدة "ي. م. م" المقدم يتسور فكان رأيه الانتظار حتى يحرق البيت كل ً يا، وبعد ذلك يهدم بواسطة الجرافات وبداخله الفدائي، كل ذلك لكي لا يتعرض الجنود للخطر، وبما أن ياتوم هو الرتبة العسكرية الأعلى، فإن رأيه هو الذي شرع بتنفيذه، حيث أحضرت إطفائية وأخمدت النيران.

الدكتور فايتسمن يصف ما حدث ويقول: "وقفت والمقدم تسور على مرتفع وفجأة رأينا الميجر جنرال ياتوم يجمع بعض جنود الوحدة ويتجه إلى أحدى الأبواب الجانبية للمنزل، ركضنا نحوهم وسألنا ياتوم ماذا جرى، عندها أصدر  ياتوم أمرا إلى الجنود: "أدخلوا إلى المنزل وأخرجوا الجثة" عندها قلت لياتوم إن هذا خطر، ليس بسبب "الفدائي" لقد كنا مقتنعين أن الفدائي قد قتل، ولكن الخطر من أنابيب الغاز أو من الكهرباء، أو ربما بعض القذائف التي لم تنفجر ويمكن أن تنفجر بأي لحظة، وقد عارض الدخول أيضاً المقدم تسور".

الملميجر جنرال ياتوم صفق بيديه وتوجه إلى الجنود قائلا: "خسارة على الوقت ادخلوا وأحضروا جثة الفدائي"، الجنود ركضوا تجاه البيت، دون الأخذ بالحسبان أن هناك معركة. لقد كان الأمر غباء لم يعرفوه إلا متأخرا، جنود الوحدة، خبير المتفجرات مردوخ، ومسئول الكلب (تبرويس) وخلفهم ياتوم ويعلون دخلوا إلى المنزل حيث كانت تنتظرهم المفاجأة المرة.

الضابط خبير المتفجرات ساسون مردوخ الجيد دخل خطوة قبل داني ياتوم هذا ما قاله أحد الضباط في وحدة (ي. م. م) أما مسئول الكلب فقد ترك الكلب يتجول داخل المنزل دون أن يجد شيئا بداخله، وفجأة انطلقت من المطبخ زخة من الرصاص، حيث أصيب كل من مردوخ، ومسئول الكلب، وجندي آخر.

أحد كبار ضباط الجيش والذي كان موجودا في المكان قال: "في هذا الحادث كانت "إسرائيل" يمكن أن تكون دون رئيس للموساد، ودون رئيس للاستخبارات العسكرية، لقد اعتقدوا أن الفدائي  قد قتل، ولكنه يطلق النار والاثنان كان يمكن أن ينتهي أمرهما بسهولة، لقد استطاع الاثنان أن يهربا، بينما استطاع البعض تخليص مسئول الكلب الجريح بينما بقي خبير المتفجرات الضابط مردوخ داخل البيت جريحا، والمخرب لم ينتبه على أن لديه جريحا، وظل يطلق النيران بين الحين والآخر باتجاه الجنود، المنطقة كانت مظلمة ولم يتمكن الجنود من معرفة مكان الفدائي.

بينما ظل مردوخ جريحا ولم تستطع الوحدة الخاصة ذات المميزات، بمكافحة الإرهاب (ي. م. م) إنقاذه كما إنها لم تحاول، ولقد ساد جو مأساوي، يقول أحد الضباط: "لمدة 45 دقيقة كانوا يتحدثون مع الضابط الجريح داخل المنزل بواسطة جهاز اللاسلكي وطوال الفترة كان يطالب بإنقاذه، ولم يفقد وعيه، وكل المحاولات فيما بعد لإنقاذه ذهبت أدراج الرياح".

لقد كان الوضع شديد الخطورة، وكلما حاولوا الاقتراب من الباب الجانبي كانوا يواجهون بزخة من الرصاص. يقول الدكتور فايتسمن: "فيما بعد أعطيت الأوامر لمجموعة للاشتباك مع المخرب من جهة البوابة الرئيسية، وذلك لإشغال الفدائي عما يدور في الباب الجانبي وليتمكنوا من إنقاذ الجريح، ومن أجل الخروج من هذا الوضع المأساوي، الخطير أمر قائد وحدة (ي. م. م) بإدخال الكلب إلى المنزل وإشغال الفدائي  وتحديد مكان وجوده، المسئول عن الكلب عارض الفكرة قائلا: "إن الكلب ممكن أن يختلط عليه الأمر وبدلا من مهاجمة الفدائي يقوم بمهاجمة الضابط مردوخ، ولكن المقدم تسور تجاهل أمر مسئول الكلب وأمر بإدخال الكلب إلى المنزل حيث صدقت توقعات مسئول الكلب، الكلب يهاجم الضابط مردوخ، ومردوخ يصرخ عبر اللاسلكي بأن الكلب ينهشه، عندها التفت الفدائي إلى وجود الجريح الضابط واقترب منه وكانت آخر كلمات الضابط الجريح مردوخ "إنه يقتلني".

لقد كان كل ما حدث هو أكثر من اللازم، عندها قاد موشيه يعلون وحدة (ي. م. م) وهاجموا المنزل حيث أصيب أيضاً أحد الجنود جراء إطلاق النار من قبل عصام براهمة، الوحدة المهاجمة أخرجت جثة ضابطها القتيل وخرجت بعد أن قتلت الفدائي وفي هذه المرة أمرت الجرافات بهدم المنزل كليا فوق جثة الشاب عصام براهمة واستمر الأمر حتى ساعات الصباح الأولى، حيث أجرت قيادة الجيش الصهيوني تحقيقا حول ما حدث، كيف يمكن أن يبقى أحد الجرحى لمدة 45دقيقة دون أن يتم إنقاذه، رجال الوحدة الخاصة لمكافحة الإرهاب التابعة لحرس الحدود (ي. م. م) أجابوا ببساطة "لم نستطع".

أحد ضباط الجيش الصهيوني يتحدث عن الأجواء داخل هذه الوحدة بعد العملية فيقول: "كثير من أفرادها انفصلوا عنها وتوجهوا للعمل داخل وحدات "المستعربين" بعضهم توجه إلى قائد الوحدة المقدم تسور وطلبوا منه أن يخجل على نفسه ويغلق هذه البسطة".

يقول الدكتور فايتسمن: لقد كان الأمر مريعا. لم يستطيعوا اقتحام المنزل لقد خافوا الدخول، إن هذا الأمر يعتبر من أكبر الفضائح التي حصلت في صفوف الوحدات القتالية في الجيش الصهيوني، ويضيف الدكتور: إن ما حصل في قرية عنزة كان أحد الأسباب الرئيسية لتركي الوحدة وكذلك ترك العديد من أفراد الوحدة بعد الفشل الذي حصل والذي ترك لدى الجميع حالة من اليأس.

disqus comments here