شهادة المحرر فواز عمرو رفيق درب الشهيد عصام براهمة

الاعلام الحربي _ خاص

شهادات من مجموعة عشاق الشهادة

عصام براهمة أو (مجاهد عزيز) كما كان يحب أن يسمي نفسه حرك ً يا: هو المجاهد النموذج الذي يصلح أن ُ ي َ درَّس في جلسات العلم والأخلاق الجهادية فهو شاب نشأ في طاعة الله لأبوين مثابرين ومكافحين في الحياة وهو سليم العقيدة والفطرة نقي الإيمان. التقيت بأخي الشهيد عصام لأول مره في سجن جنيد المركزي عام 1987 م بعد نقلي من سجن عسقلان ولقائي لأشهر قليلة بالشهيد المعلم الفارس د. فتحي الشقاقي وكان هذا اللقاء في أواخر شهر آب، وبحكم لم يكن بمقدوري الحديث معه كث ً يرا فقد كانت ￯ظروف الحياة التنظيمية للأسر حياة السجن معقدة ج ً دا ونعاني من الاضطهاد الداخلي وحرمان الإسلاميين من أبسط حقوقهم في الحياة الاعتقالية.

خطبة الجمعة:

في يوم 11/12/1987م كانت الأيام الأولى لاشتعال الانتفاضة بالضفة الغربية كان يومها الجمعة وكان الخطيب أخي الشهيد عصام براهمة، وقف عصام بقامته الشامخة وسمرته الريفية ولهجته الشمالية اللطيفة وخطب بنا بنبرة عالية وصوت جهوري وتحدث عن نهاية "إسرائيل" ويهود ولم نكن نعلم يومها أننا في انتفاضة، لكنه تحدث أنها الآن مقاومة شاملة ستستمر حتى ننتصر ويجب علينا أن نبذل أرواحنا في سبيل نصرة الجهاد، لم يكمل أخي الشهيد عصام دقائق معدودة حتى اقتحم الجنود الساحة ومعهم الهراوات والغاز وطلبوا بكل خشونة أن يخرج الشهيد عصام معهم، وكان هذا فع ً لا غير معتاد في تلك السنين استفز جميع المصلين واقتربت ساعة الغاز والهراوات فقمت وطلبت من أخي عصام أن يخرج معهم ووعدته أن أكمل خطبته كما يحب، وفعلاً ابتسم ووافق وأكملت ما أحسست أن عصام يحب أن يوصله في خطبته، وما أن أنهينا الصلاة حتى كنت بجانبه في زنازين جنيد الانفرادية والضرب من كل مكان والتفتيش العاري والركل، وكنا نهتف سوياً الله أكبر الله أكبر وقد واجهت ما استطعت وضربت ضابطاً درزياً في وجهه وجرح، وكبَّر عصام عندما رآه يخرج والدم على وجهه.

وفرض علينا العقوبات التالية: أسبوع انفرادي وحرمان من الكانتينا ثلاثة أشهر ونقل من السجن إلى سجن بعيد عن الأهل.

وبالفعل نقلنا إلى سجن جنين وهو السجن الأبعد في تلك الأيام عن الخليل أما عصام فقد كان بين أهله وكنت معه أشعر أنني مع أهلي أيضاً.

في الزنازين حفظنا سورة الأنفال سوياً وتحدثنا عن المعلم الفارس د. فتحي الشقاقي وعن فكره وروعته عن أخلاقه وعن مبادئ الإسلام التي يدعو لها، عن المنهج وفلسطين ومركزيتها، عن كل القصائد الجميلة التي سمعناها وكل الأناشيد التي نحبها.

في سجن جنين اقترب عصام أكثر من الفكرة وواصل خطبة الجمعة التي كان يحضِّرها بإتقان ومهارة وتحمل مشقة معارضيه في فتح كثيراً ومعاقبته أحياناً أخرى وحصاره. كان معنا في جنين الأخ الرائع ماجد شريم والأخ الشهيد صالح قطاوي أبو النصر والشيخ أحمد البطران حافظ كتاب الله والأخ عبد الكريم فلنة والشيخ علي فرج من تلفيت بنابلس، عشنا عاماً كاملاً نتدارس القرآن والسنة والفكر الإسلامي بكل أبعاده وشموله، وكان عصام رائد التصويب والإلهام في كل المراحل.

بيان الانطلاقة:

بما أن أخي الشهيد عصام ابن قرية عنزة القريبة من قرية يعبد معقل الشهيد الشيخ عز الدين القسام فإنه حاول تقليد الشيخ القسام وانطلاقته فقد خرج عصام إلى ساحة عنزة ومعه مسدس وقرأ بيان أعده بيده الطاهرة يعلن فيه ولادة تنظيم الجهاد الإسلامي في عنزة هذا البلد الذي لم يكن مسموحاً لغير فتح أن تظهر فيه وأعلن أنه سيقاوم الاحتلال هو وكل من يريد الانضمام إلى هذه الحركة التي وصفها بأنها حركه ربانية مجاهدة أخذت على عاتقها تحرير شعبنا من الاحتلال ودنسه.

اللقاء الفعال:

بعد الإفراج عني من سجون الاحتلال في 19/9/1991م كان الشهيد  المعلم الفارس د. فتحي الشقاقي قد وصله أنني غاضب من قلة الاتصال ونقص الإمكانيات، ويوم إفراجي وجدت رسالة بانتظاري قبل أيام تقول: سمعت صوتك أيها الحبيب! كل إمكانياتنا تحت تصرفكم، مصروف بيتي تحت طلبكم. وبالفعل بدأت المراسلات لتجهيز المال والسلاح ووصلنا رسول من الأردن لإكمال اللازم وسمعت عن الحبيب عصام أنه أعلن الثورة في جنين من أشهر فتوجهت إلى معقل المقاومة بلدة السيلة الحارثية بجنين والتقيت بالإخوة المجاهدين والشهداء، ومنهم الأخ هاني جرادات والشهيد المجاهد نعمان طحاينة والشهيد المجاهد صالح

طحاينة، هناك سألتهم عن أخي الحبيب عصام فشرحوا لي وضعه وقاموا في اليوم الثاني بإيصالي إليه، كان لقاء رائعاً حيث وصلناه بعد الظهيرة وشعرنا أن كل عنزة تقدم المساعدة لعصام وبين أشجار الزيتون الخضراء الكبيرة كان اللقاء وغداء العمل.

كان عصام يمتلك سلاحاً من طراز عوزي صهيوني الصنع، وطبعاً في تاريخ الجهاد الإسلامي لهذه القطعة يوجد غرام خاص ولها قصص ومغامرات مع أكثر من مجاهد ومطارد ولقد عمرت كثيراً مع المجاهدين.

سألت أخي عصام ماذا تريد؟ فقال سلاح وبعض المال فأجبته أن الجميع تحت تصرفك كل ما نملك، كل ما يصل إلينا هو من حقك هكذا تعلمنا في الجهاد الإسلامي، المقاوم هو القائد وهو من يمتلك الحق في التصرف بالإمكانيات.

عشاق الشهادة:

كانت التعليمات واضحة من القيادة أننا انطلقنا بهذه الحركة بهدف واضح وهو طرد المحتل والتأثير على وجوده وعدم استقراره لحين التحرير الكامل، ولابد من عمل منظم ومسلح لهذه الغاية، والتعليمات بضرورة تشكيل مجموعات عسكريه لا تنقطع أعمالها باعتقالها أو استشهاد أحد مقاتليها، وبعد التشاور كان اسم هذه المجموعات (عشاق الشهادة) بما للاسم من معنى راسخ يرهبه الأعداء، وانطلق عصام كقائد لهذه المجموعة يشرف على تنظيمها وتدريبها، ونقوم نحن بترشيح الأسماء وإعداد السلاح والمال والاتصال بالقيادة في سوريا، وكان ذاك من خلال نقطة اتصال حددت في الأردن.

انطلق أخي الشهيد عصام ليتجول بالضفة الغربية ومدنها ويقوم بالإشراف المباشر على اختيار العناصر الجهادية وتدريبها على السلاح والتفجير، وكان يتنقل بين عنزة والخليل وقرية صفا في رام الله والتي فيها تعرف على المجاهد عطا فلنة من خلال أخيه عبد الكريم صديقنا بالأسر. ولم يمض وقت طويلاً حتى بدأت العمليات الجهادية ضد العدو الصهيوني. وأذكر على سبيل المثال:

عملية المرج:

هي العملية الأولى التي نفذها الشهيد القائد عصام ومعه أفراد المجموعة الأولى بقرية عنزة أحمد العمور، وصالح براهمة رحمه الله وصالح عبيد وهي زرع عبوه ناسفة على حافة الطريق وتفجيرها عن بعد بجيب عسكري صهيوني.

عملية بيت صفافا المعهد الديني:

اقتربت الذكرى السنوية، ذكرى شهداء معركة الشجاعية. كان لابد أن نعيد للأذهان أننا ماضون على درب الشهداء، وأننا لن ننسى الشهيد القائد مصباح الصوري وإخوته؛ فكان السادس من أكتوبر يعني لنا الكثير وكان القرار بتنفيذ عمليه نوعية

موجعة في القدس. وبعد التشاور مع المجموعة الجنوبية التي أخذت على عاتقها الإعداد للعملية وتجهيز المراقبة قمنا بتوفير السلاح والمال الخاص وسيارات تمويه ونقل مسروقة من العدو. وكانوا ثلاثة إخوة مغاوير هم: محمد كواملة، عبد الله حمد، وعبد الرحمن شعفوط.

وفي ليلة السادس من أكتوبر كان شهيدنا القائد عصام يقوم بتجهيز سلاحه الشخصي والقنابل التي أعدت للعملية إلى جانب السلاح الخاص بمجموعة إسلامبولي الجنوبية بقيادة محمد كواملة، وفي اللحظات الأخيرة، وقبل الانطلاق لنقطة الصفر وهي مفرق بيت ساحور والإغارة على المعهد الديني وإطلاق النار عليه ورمي ثلاث قنابل يدوية على المتواجدين فيه من غلاة المستوطنين ومصاصي الدماء.

عاجلني القدر بحادث سير في طريق الخليل ومعنا بيان العملية وهو بيان معد لفعاليات 6/10 إضراب الجهاد الإسلامي وانطلاقته بكمية كبيرة في السيارة، سارع الإخوة الذين كانوا يقدمون لنا الإسناد والحماية والرقابة في إفراغ السيارة من المنشورات وبعض الذخائر، وتم إرسال أخ ليبلغ المجموعة بما حصل، ولم يستطع الوصول إليهم بنفس الوقت وتوجهوا لمكان العملية. وبعد نقاش بينهم اتفقوا على العودة للاطمئنان ومعرفة أسباب تأخيرنا فوجدوا أنني بالمشفى وعصام والوالدة إلى جانبي يطمئنان على صحتي رحمهم الله.

عمليه خربثا (متتياهو):

في اليوم التالي 6/10 كان الخبر المفجع باستشهاد المجاهد حسن براهمة، وهو ابن عم الشهيد القائد عصام وأحد أفراد عشاق الشهادة والذي وصلنا خبر استشهاده وهو يعد مع المجاهد صالح عبيد في المادة (أم العبد) لتجهيز عبوات جديدة، كان الخبر مفجعاً بالنسبة لنا، لم نتوقع الاستشهاد، كنا نريده في الميدان ولم نحسب للأخطاء الفنية حساباً، وكان لابد من الرد بسرعة لاستكمال المشروع والخروج من حاله الشعور بالفشل في عمليه المعهد الديني، فتوجه شهيدنا القائد عصام إلى جولة سريعة وقد منعناه بقوة من التوجه إلى قرية عنزة لحضور الجنازة ورفض ذلك بقوه وعاد إلينا بعد أيام يحمل قبضة بجيبه من تراب حسن الذي استشهد عليه ويتعهد بأن يكون دمه باروداً في جعبتنا، وعاد بعد جولته مع المجاهد عطا فلنة ليتفقد منطقه رام الله ويتعرف على جبالها الغربية المطلة على تل الربيع ويافا. ومن هناك اصطاد الهدف: مستوطنة على تلة جميلة من بلادنا وقريبة من خربثا وعاد إلى قرية عنزة لأخذ ما أعده سابقاً من مواد متفجرة. وهناك كانت مواجهة بين شبان عنزة وجنود الاحتلال الذين يحاصرونها منذ مطاردة الشهيد القائد عصام، وفي إحدى الهجمات استشهد الفتى الطيب رامز رحمه الله برصاص الجنود فزاد الغضب واحتد، وجاء أخي عصام إلى الخليل مع السائق المحترف الذي كان يقوم بنقله بساتر لا مثيل له، وجلسنا سوياً وطلب مني أن يعود إلى عنزة بكل الأسلحة التي بحوزتنا ومع مجموعة عشاق الشهادة التي كان عدد مقاتليها يقارب الأحد عشر مقاتلاً وذلك لهدف واحد: نقوم بخطف جندي حياً وندخله إلى عنزة ويقتله عصام بيديه أمام أهل الشهيد رامز وذلك كرد على استهداف الشهيد رامز.

رفضنا الفكرة وطلبنا منه العمل على هدف أكثر أما ً نا له وللمجموعة، وكانت فكرة عملية خربثا هي البديل فتوجه مع سائق من المجاهدين ومعه الأسلحة والمتفجرات إلى قرية صفا، وقام المجاهد عطا ورفاقه بتأمين السلاح والمتفجرات، ومع المساء توجهوا إلى هدفهم، الثلاثة بسيارة المجاهد عطا فلنة الزرقاء اللون ورفيقهم المجاهد محمد فوزي الذي يقبع بالأسر المؤبد حتى اللحظة وزرعوا عبوتهم الثقيلة بثقل المهمة والثأر، وبعد أقل من ساعة كما وصف لي عصام كان الانفجار.

ومع ساعات الصبح كان الشهيد القائد عصام في الخليل بعد أن مشى على الأقدام أكثر من 17 كم وأبلغني بالعملية وأعلنت قوات الاحتلال الصهيوني أنه قتل فيها مسئولة توطين المهاجرين الجدد وجرح 9 آخرون، وعانقته مهنئاً وقمت بإبلاغ القيادة بذلك.

وفي اليوم التالي كانت عملية كتائب القسام بالخليل حيث كانت أولى عمليات الشهيد القائد عماد عقل، وعلى أثرها تم اعتقالي بعد أن قمت بتأمين انتقال الشهيد القائد عصام إلى بلدة جبع القريبة من بلدة عنزة.

عصام في نظر الشاباك الصهيوني:

استمر التحقيق معي ستة أشهر، وحدثت عملية إبعاد مجاهدين من حركتي الجهاد الإسلامي وحماس إلى مرج الزهور أثناء ذلك، واستشهد أخي الشهيد القائد عصام وتم اعتقال الكثير من أبناء الجهاد الإسلامي بالضفة الغربية، وفي لحظة لن أنساها حضر المحقق إليَّ وفك قيدي من الشبح وأخذني إلى غرفته الدافئة حيث كنا بأيام الشتاء القارس في زنازين رام الله وتحقيقها، وحاول إقناعي بأن المعركة انتهت وأن مجموعة عشاق الشهادة جميعاً في الاعتقال وأن عصام قد انتهت معركته معنا وأنه استشهد. لم أصدق الخبر فأخرج لي صحيفة إنجليزية وشاهدت صورة البيت المهدوم وتحته اسم عصام وأنه قتل.

لم أصدق أيضاً وتوقعت أنها مكيدة، فقلب الصفحة ورأيت صوره سلاح الكارلو الذي سلمته لعصام بنفسي والمسدس 14 ، هناك أحسست بصدق الخبر ودمعت عيناي على صديقي دون قدرة على منعها، وكان الميجر "حاييم" مدير تحقيق رام الله يجلس معي، فقام وقال لي إنه صديق يستحق أن تبكي عليه فقد كان رجلاً وعدواً شجاعاً، لو كان صديقي لبكيت عليه مثلك. فسألته كم قتل عصام الضباط وقال لهم: اسمعوا ماذا يقول أبو يوسف! يقصدني، منكم؟ فضحك ونادى الضباط وقال لهم: اسمعوا ماذا يقول أبو يوسف! يقصدني، سألوني: ماذا تسأل؟ قلت لهم: كم قتل عصام منكم؟ قالوا لي: لقد كانت معركة قاسية غير معتادة ستسمع عنها بعد نهاية التحقيق وستفتخر كث ً يرا بصديقك. وبعد أيام قاموا باستدعائي مرة أخرى وكنت قد نزلت إلى الزنازين.

هناك سمعت عن عصام وعن معركته من المعتقلين الجدد وفرحت كثيراً بذلك، فعاد يسألني عما سمعت قلت له: قتل ضابط وجرح اثنين منكم. قال لي حاييم: لقد كنت بأرض المعركة. هناك كنت بغرفة العمليات أتابع التفاصيل، وجلسنا مع الضابط المسئول عن المهمة وأبلغته أن عصام مقاتل غير عادي وأن أصدقاءه في التحقيق غير عاديين وهم يثقون بأنه لن يستسلم بأي مواجهة فخذ حذرك. فكان رد الضابط أنه قام بتصفية عدة مطلوبين من جنين من الفهد الأسود وغيرهم وأن هذه مهمة سهلة عليه قال لي ذلك وأنا مشفق عليه إذا إنه لا يعرف عصام مثلي، فما هي غير دقائق بعد المواجهة الأولى حتى دخل ليحضر لنا جثة عصام، فكانت جثته بحاجة لإنزال جديد لتخليصها من مرمى رصاص عصام.

disqus comments here