من مفكرة الشهيد القائد عصام براهمة

الاعلام الحربي _ خاص

عثر على مفكرة صغيرة مع أحد أصدقاء عصام تحوي ملاحظات وخواطر كان يسجلها شهيدنا القائد عصام كيوميات وهذه نماذج لبعض ما كتب فيها:

السبت الموافق 24/8/1991م

وذهبت وأعطيتني الوصايا، ذاكرتي تحن إلى شظايا اللقاء، ذاكرتي تحن إلى شــظايا الســير في الجبال، إلى بقايا الليل الطويل، ذلك الليل الذي قضيناه نمشي في الأودية والأمطار تنهمر بغزارة والسيول تكاد تمنع مواصلة سيرنا لولا أن رحمة االله كانت تتغمدنا.

 إما النصر وإما الشهادة!

 إذا ما خيرنا ما بين النصر والهزيمة نختار النصر على الهزيمة، وإذا ما خيرنا ما بين النصر والشــهادة نختار الشهادة على النصر؛ فالشهادة فيها لقاء رب العالمين ملك الملوك الذي بيده ملكوت السموات والأرض.

الأربعاء الموافق 15/7/1992م

في تمام الســاعة الثانيــة عشرة من منتصف الليلــة الماضية اقتحمت قوات العدو الصهيوني قريتنا وداهمت منزلنا وقام الجنود بتفتيش بيتنا وقالوا لأهلي إن على عصام وجهاد وأبيهم الحضور إلى الإدارة المدنية في جنين يوم غد 15/07/1992 ، وذهب أبي في اليوم التالي، ولم أذهب أنا وجهاد. وبعد الظهر ذهب جهاد وأنا لم أقبل أن أذهب عندهم، وقالوا لجهاد: ارجع وأحضر أخاك. وتوافد الناس بالعشرات إلى منزلنا محاولين إقناعي بأن أســلم نفسي، ولكن دون جدوى؛ لأن كل إنسان أعرف من غيره بظروفه. واتخذت قراراً أخيرا بأن أعيش مطارداً في الجبال مجاهدا في سبيل الله أفــترش الأرض وألتحف الســماء خيرا لي من أن أســلم نفسي لمخابرات العدو لقمة سائغة يتناولها من غير عناء ولا تعب.

الأحد الموافق 19/7/1992م

صحوت من النوم الســاعة الخامســة والنصف صباحا عــلى طلقات نيران كثيفة في وســط القرية، وإذا بباب الغرفة التي كنت نائما فيها يطرق بقوة فوجدت أن الناس جاءوا ليوقظوني من النوم، وحاولت الهرب نحو منطقة (الرأس) وإذا بالجيش يطــوق القريــة من منطقة (الرأس)، ودخلت ســيارات عســكرية بنفس الوقت عن طريق الشارع العام، وأخذ الجيش يطلق النيران باتجاهنا من منطقة (الرأس) فهربت إلى المدرسة (الفوقة) ومن ثم إلى الجبال البعيدة. سأغني للثورة أغنيتي. أغنية الغضب القادم من _ أم النور _  وغزة هاشم ولطفل في حارتنا. جارة وضعت طفلا يحمل في كفيه. يحمل في كفيه كوم حجارة. سأغني للبركان الغاضب، في صبرا في شاتيلا.

(أم النور) المقصود بها عملية معسكر جلعاد الجهادية بتاريخ 15/02/1992م، والتي قام بتنفيذها أربعة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي وهم: (الأسير إبراهيم اغبارية وشقيقه الأسير محمد اغبارية والأسير يحيى اغبارية ورفيق دربهم الأسير محمد جبارين) وجميعهم من مدينة أم الفحم المحتلة بالداخل الفلسطيني حيث تمكن المجاهدون الأربعة من اقتحام معســكر جلعاد داخل أراضينا المحتلة عام الـ48 ،بالسلاح الأبيض، واستطاعوا قتل 4 جنود صهاينة وإصابة 5 آخرين واغتنموا أسلحتهم، ومازال فرساننا الأبطال يقبعون في سجون وزنازين الاحتلال منذ أكثر من 20 عاماً.

الاثنين الموافق 20/7/1992م

مشــيت وحيداً بين جدران الليــل، وحدي ركبت أجنحة الليل التي تطير بي في ســماء الوطــن، تحلق فــوق الأودية والتــلال، وتحط على قمم الجبــال والريح تصافحني وأصافح أشــعة الشــمس التي ما تفتأ تغازل الحقول الطالعة على ألحان النسيم القادم من البحر. مشيت والريح تزمجر غضباً.

الجمعة الموافق 24/7/1992م

يا شهادة في سبيل الله تتجلى في سماء الوطن، أريد أن أضمك إلى صدري قبل أن يقطعوا ذراعي، أريد أن أقبلك قبل أن يفرضوا الضرائب على القبلات، يا شهادة في سبيل الله أبحث عنك بين الأزقة في الأودية وفي الجبال، في ساحات المساجد.

(بدون تاريخ)

إن التعاطف والتســابق على تقديــم العون من قبل إخــوتي في حركة فتح إن دل عــلى شيء فإنما يدل عــلى أن فروع وأوراق الأخوة التــي تفيأنا ظلالها ردحاً مــن الزمن مازالــت تتمتع بخضرتها ومازالت يانعة تتراقص طرباً لنســمات المحبة الصادقــة، ونعاهدكــم يــا إخوتنا ونعاهد الله عــز وجل أن نقــدم كل ما نملك من أجل خدمة هذا الشــعب المعطاء، وأننا لم ولن نقف مكتوفي الأيدي حيال عمليات التصفية الجبانة التي تقوم بها المخابرات الصهيونية ضد أبناء شــعبنا المجاهد والتي كان آخرها قبل أيام استشهاد أخينا محمود الزرعيني ذلك الشهيد البطل الذي أبى إلا أن يــترك كل مظاهر ومتاع الدنيــا ويبقى مقاتلا متنقلا بين أحضان الطبيعة بين الجبال والروابي. فمزيداً من الوعي والتقدم ومزيدا من التلاحم ورص الصفوف، ولنترك كل الخلافات جانباً، ولتتشــابك أيدينا من أجل خدمة قريتنا ووطننا بغض النظر عن اختلاف توجهاتنا الفكرية وانتماءاتنا السياسية.

الخميس الموافق 30/7/1992م

تأخذنا الطرقات إلى ساحات الشــهادة، إلى ساحة الجهاد إلى الأقصى، إلى أرض المعراج، إلى أولى القبلتين، إلى ثالث الحرمين الشريفين، إلى أرض الأنبياء، إلى أرض البدايات كلها، إلى أرض كلم الله أنبياءه فيها.

إلى هــذا الوطن نحبو نبحث في أزقته عن الشــهادة ونبحث في كل ســهوله وجباله وأوديته عن لقاء الله.

إنه الاختيار الصعب، إنه البحث عن الكرامة، إنه البحث عن الحرية.

الجمعة الموافق 18/9/1992م

مــن قلب الحصار ومن بــين جدران الظلمة، ومن بــين الرطوبة والبرودة وخــلال لدغات البعوض المؤلمة والتي تمارس دورها دونما ملل، من قلب الكهف الــذي امتزجت فيه كل هذه المظاهر أكتب لكم هذه الكلمات. أكتب إليكم يا أهلي وأمــي وأبي وإخوتي وأصدقائي وإخوتي في الجهاد رفاق الســلاح حملة الأمانة، إن الله ســبحانه وتعالى كان قد عرض الأمانة على الســموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنهــا فحملناهــا نحن _بني البشر_ وقــد أمرنا الله ألا نخــون هذه الأمانة. أمانة النــور. أمانة القرآن. وخيانة أمانة من الله معناها خيانة الله وللرســول وللأمة الإســلامية. وصدقــوني ما وصلنا إلى الحــال الذي نعاني منه إلا بســبب تخلينا عن الإسلام. إلا بتخلينا عن الجهاد في سبيل الله، وذلك بدافع حب الدنيا والتمسك بها ونســيان الآخرة. ومن أحب الدنيــا وزينتها تخلى عن الجهاد ومن يتخل عن الجهاد يمــت ضعيف الإيــمان. وإن أمتنا إذا تخلت عن الجهاد يصيبهــا الذل والهوان وتقع فريسة في براثن الألم.

(إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) صدق الله العظيم (التوبة: 39).

فيا أهلي ويا إخوتي ويا أصدقائي. من أجل إعادة الاعتبار لأمتنا ومن أجل إقامة حكم الله المعطل في الأرض حملت السلاح حباً في جنات الله. حملت السلاح لكي أرسم طريق الجهاد بالجراح، ولكي أخط للأجيال طريق النصر بالدماء. والله أكبر والعزة للإسلام.

الثلاثاء الموافق 22/9/1992م

يا جبالاً شــامخة تناطح الســحاب! يا جبالا تقف قلاعــا ترمي بنظرها إلى البحــر! ألا تذكرين يا جبال قريتنــا ذاك النهار الذي ذبح عــلى عتبة الليل فارتقت دماؤه في الأودية. ذاك النهار الذي كان فجره ينشد على ألحان النسيم أناشيد الوطن الغالي. الريح غضبت والشمس تغضب، الشمس تقاطع الليل.

الأربعاء الموافق 23/9/1992م

الليــل يهاجمنا ونحــن نعيش في غربة عنكــم، أعيش في الجبــال ومازالت ذكرياتكم تنتشر وتتناثر عطرا في كل مكان أجلس فيه وفي كل جبل أتسلق صخوره وفي كل واد أهيــم فيه، أعيــش لوحدي. أنام لوحدي بين أذرع الجبال والأودية، في الليل تصاحبني الظلمة والوحشــة وصراخ الحيوانات المتوحشــة وبرد الليل وقوة اشــتياقي لكم، وفي النهار أسير وأستنشــق روائح الزعتر الذي يثير في الذاكرة كل أيام الماضي.

الخميس الموافق 24/9/1992م

الجبال تخــزن في ذاكرتها عدد خطوات أقدامنا وتخــزن في ذاكرة الأيام كل معاناتنــا وفراقنــا لأهلنا. وجدنا أن الجبــال لا تخون الصداقــة وجدناها حنونا كما الأم عــلى أطفالها تقدم إلينا كل ما نحتــاج. الحماية والظل والدفء، نفترش أرضها ونلتحف ســماءها. ترفق بنا وتغضب كلما داهمنا خطر الأعداء. تلين تحت أقدامنا، ولكنها تفضح كل من يحاول أن يخفي مشيته لينقض علينا حيث الحجارة تتدحرج تحت أقدامهم. وإن لم توقظنا الحجارة تتحرك أغصان اللوز والزيتون والهشيم وكأنها جنود الله اصطفت من حولنا لحمايتنا بإذن الله، أيادينا دائما على الزناد وقلوبنا تخفق بحب الله وشــفاهنا لا تغفل عن التمتمة بالقرآن بصوت غير مسموع، والتخطيط لــضرب أهداف العدو الصهيوني يــسري في عروقنا، وإذا أخذنا النوم على أجنحته نجد أنفسنا نحلق فوق كل ما تخفق به قلوبنا وتتمتم به شفاهنا وما يسري في دمائنا من تخطيط، وزناد الرشاش الذي تضغط عليه أصابعنا، هذه الملحمة اليومية ترتسم لتكون طبيعة حياتنا.

نسجنا الصداقة مع الجبال الضاربة جذورها في أعماق أرض الوطن، نمشي ونــزرع الأمــل على قمم الجبال وعــلى طول الأوديــة، نرويه بدمائنا وعــرق جبيننا، وســنبقى معكم حتى تنالوا حقوقكم وســنجبر تلك الأبواب الصدئة على الانفتاح مرة أخرى ونخرج منها الأبطال وسنبقى نضرب العدو حتى يعرف أننا معكم ونسير خلفكم.

الثلاثاء الموافق 29/9/1992م

ذهبت أنا والأخ حسن (استشهد) إلى منزل (ح.م) وسهرنا هناك واتفقنا أن نذيع يوم غد بيان باســم الجهاد الإســلامي يتضمن تحريضا لأهــل القرية على الجهاد والتضحيــة، وتحذيــراً لكل من يعترض كل من يلقي الحجــارة على جنود الاحتلال، ويحــاول التقليل من أهميــة الأعمال الجهاديــة، ونمنا هناك واســتيقظنا لصلاة الفجر وخرجنا، وفي ذلك اليوم 30/09 ذهبت إلى منزل (هـ.ر) وجاء الأخ حســن وكتبت النقاط المهمة في البيان وخرجت أنا و(أ.ي) و(ص.ع) وألقينا البيان وتلقى أهل القرية البيان بالهتافات المؤيدة للجهاد، وفي اليوم التالي 01/10 الخميس تركت الأخ حسن قبل الظهر وتوجهت إلى (الشرقيات) وعند الســاعة 45:4 بعد العصر اقتحمت قوة من جنود الاحتلال القرية، وقام الأهالي بمواجهتهم واستشهد الأخ رامز عبد الحافظ عمور وذهبت بعد ســماع النبأ إلى القرية ودخلت إلى المسجد فوجدت الإخوة ح، ج، س، م، ص، يبكــون بصوت مرتفع على الشــهيد رامز، وبعد ذلــك ذهبت إلى المغارة ونمت هناك. وعند الســاعة 30:7 صباحا ســمعت الأخ حســن ينادي علي من باب المغارة وفتح الباب وخرجت وقال لي سوف يقوم الشباب بمسيرة بعد صلاة الجمعة فقلــت له لا أريد أن أحضرها واحتج على ذلك ونزلت عند رغبته وحملت ســلاحي وخرجــت معــه إلى القرية وبعثته هــو والأخ (ص) إلى قريــة (س) لإحضار (م.س) ورجــع ولم يحــضر ما ذهب من أجله، وجلســت معه والإخــوة ص، خ، هـ، م، تحت الخروبة وكنت أكتب بيانا للشــهيد رامز وكنا نســمع لإذاعة القدس التي كانت تذيع نبأ استشهاد الأخ رامز، وقلت لهم: في الجمعة الماضية كان الأخ رامز جالسا معي تحت هذه الشجرة وهاأنا هذه الجمعة أكتب له بيان الشهادة. وبعد الصلاة خرجت في المسيرة وقمنا بإلقاء الكلمات وإطلاق النار في الهواء، وبعد ذلك انسحبت أنا وشابان من الملثمين المسلحين إلى أحد المواقع. وبعد فترة قصيرة ذهبنا إلى بيت الشهيد وألقيت كلمة باســم عشاق الشهادة الجهاز العســكري لحركة الجهاد الإسلامي وأطلقنا النار وانسحبنا.

(إذاعة القدس) المقصود بها في ذلك الوقت الإذاعة التي أسستها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة في العام 1986م وتبث لغاية الآن من دمشــق، وكان لها دور إعلامي مقاوم في الانتفاضة الفلســطينية الأولى في العــام 1987م. وقد كان فضل شرورو (أبو فراس) المشرف العام على هذه الإذاعة حتى وفاته في العام 2008م.

disqus comments here