الإعلام الحربي _ خاص
ضربة قاصمة لا يزال كيان الاحتلال يحاول أمامها لملمة نفسه أمنيًا وعسكريًا, دون جدوى .. فرغم مرور 23 عامًا على عملية "بيت ليد" المعجزة التي نفذها الصاروخ المزدوج "صلاح شاكر وأنور سكر" وأسفرت عن مقتل "24" جنديًا وضابطًا وإصابة العشرات, إلا أن وقعها المخيف يسيطر وبقوة حتى الأن على الكيان البائد.
لك أن تتخيل مشهد التفجير الكبير "الأول" الذي أربك حسابات العدو من جهة وكان دافعًا أكبر للشهيد "صلاح شاكر" من جهة أخرى, لكي يفجر نفسه في المرة الثانية, بعدما سبقه إلى الجنة صديقه الشهيد "أنور سكر" .. هنا تتوقف الأقلام عن الكتابة عاجزة عن التعبير أمام مشهد التضحية في سبيل الدين والوطن.
"الإعلام الحربي".. هذه المرة اختار الوقوف على تفاصيل اللحظات الأخيرة لحياة الاستشهاديين الصديقين "صلاح شاكر" من رفح و"أنور سكر" من غزة.
فكرة العملية
تقول "والدة الشهيد صلاح شاكر" إن فكرة تنفيذ عملية "بيت ليد" الاستشهادية, جاءت للشهيدين حينما تم اعتقالهما على خلفية المشاركة في المواجهات التي تحدث بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال في شوارع قطاع غزة, وأثناء اعتقالهما تعرف الشهيدين على بعضهما وأصبح بينهما صداقة, وعند الافراج عنهما قامت دورية بنقلهم من السجن لتمر عبر مفترق بيت ليد وتتوقف صدفة .. في هذه اللحظات شاهد "صلاح وأنور" ضابط كبير يقوم بتوزيع الجنود على أماكن الحراسة والانتشار دون التدقيق بأسمائهم أو تفقد ملامحهم أو متابعة بياناتهم الشخصية, فكانت بداية التفكير في تنفيذ عملية "بيت ليد" بهذه النقطة العسكرية.
آخر الكلمات
"زفوا الشهيد وخلو الزفة على السنَّة" كانت هذه الكلمات آخر ما أوصى به الاستشهادي "أنور سكر" أمه التي أكدت أن الشهادة كانت حاضرة في وجدان "أنور"، لما كان يتميز به من التزامٍ وإقبال على الطاعات وقراءة القرآن وقيام الليل وصلاة الفجر خاصة.
واستذكرت "والدة الاستشهادي انور سكر" ما كان يردد نجلها أمامها بالقول "والله يا أماه إن ما كنتِ تمشي بالشارع وتقولي أنا أم السبع ما بكون أنا "أنور سكر"، مؤكدةً أن وعد ابنها لها تحقق فهي منذ استشهاده والجميع يناديها بأم الشهيد السبع.
وتابعت "قبل توجه "أنور" لتنفيذ العملية بأيام جمع اخوانه وأبناء عمه والتقط معهم صورة جماعية، ثم وضعها في برواز وألصقه في البيت، مضيفة " لقد قَبل رأسي ويدي وطالب مني الرضا والدعاء له بالتوفيق والسداد.
رسالة وداع
وفي تفاصيل اليوم الأخير في حياة "صلاح شاكر" داخل أسرته, تقول أمه إنها دخلت عليه في غرفته فوجدته يكتب موضوع أشبه برسالة .. توقعت لحظتها أنه يكتب رسالة شوق سيرسلها لأخوته المغتربين خارج البلد في مهام علم وعمل .. فقالت له أكتب يا "صلاح" لأخوتك سلامي وشوقي وحنيني لهم, فرد عليها بالقول "هذه لست برسالة يا أمي", فقلت "إذن ما هي", فقال "ستعرفين لاحقًا ما هي يا أمي", مضيفة "لم أكن أعلم أن صلاح يخط وصيته وستكون هذه الورقة من آخر كتابات حياته "رحمه الله".
واستطردت "والدة الشهيد صلاح" بشوق وحنين إلى الماضي, "لقد عاد صلاح في الليلة الأخيرة, فقام ليلته على سجادة الصلاة مصليًا, ساجدًا, قارئًا للقرآن, داعيًا لله طول الليل وهو ويقف على مصليته, مبينة أن ذلك أثار شك واستغراب "محمد" نجل شقيقة صلاح, الذي نام ليلته مع خاله "صلاح", إلى أن أتت ساعات منتصف الليل, فدق شباك الغرفة فجهز "صلاح" نفسه وخرج ولم يعد منذ ثلاثة وعشرين عامًا.
حمامة بيضاء
تقول "والدة الشهيد سكر" : "قبل العملية بيوم وفي ساعات المساء استيقظت من نومي ولم يكن "أنور" في المنزل على غير عادته, فسألت والده وزوجته عنه, فلم يعرف أحد أين ذهب؟, مضيفة بصوت خافت حزين: "انتظرته على شرفة المنزل حتى يرجع, وإذ بحمامة بيضاء اللون تقف على كتفي وأخذت تصدر صوتًا ثم ذهبت .. فانتابني شعور غريب, فذهبت لأصلي ركعتين وأثناء سجودي رأيته (تقبله الله) يركب على جمل أبيض ويرفرف بكلتا يديه.
وتحدثت "والدة الشهيد" للإعلام الحربي عن يوم تنفيذ العملية, قائلةً : "هذا اليوم بالنسبة لي ولأسرتي كان يوماً ممزوجاً بالألم على فراق فلذة كبدي, والفخر بما قام به من عمل بطولي هز به الاحتلال وشفا صدور أبناء شعبنا الذي يقتل بدمٍ بارد.
أمي .. أنا صلاح
وفي صبيحة اليوم الثاني فوجئت "والدة الشهيد صلاح شاكر" بعدم وجود ابنها في المنزل, موضحة أن ذلك زاد من انشغال قلبها وعقلها عليه.
وتابعت: "وبالصدفة فتحت التلفزيون وشاهدت صور عملية استشهادية كبيرة وهناك أعداد كبيرة من القتلى والأشلاء المتناثرة والإسعافات في كل مكان, قائلةً "لقد دخل السرور على قلبي كوني شاهدة على النكبة والتهجير .. ومع مشاهدتي لتلك المشاهد كان بالي وتفكيري يزداد انشغالا بـ "صلاح" .. وجاءني شعور بأن هذا المشهد له ارتباط باختفاء "صلاح" من المنزل بشكل مفلت وسريع.
وأضافت : "وفجأة شاهدت بالتلفاز شيء وكأنه يقول لي : أنا صلاح يا أمي أنا من قمت بهذا .. عندما شاهدت معطف صلاح الأحمر الذي كان يلفه على رقبته في لحظات البرد والشتاء بالإضافة الى حذاءه, فقلت لابن عمه : "هذه حاجيات صلاح", فرد ابن عمه "ما بك يا عمتي أم علي" هوا المصنع ما صنع إلا معطف وحذاء صلاح, فقلت له عندي شعور أنهما لصلاح.
فرحة الإعلان عن العملية
بدوره, تحدث والد الشهيد "أنور" عن لحظة سماعه بعملية "بيت ليد" وجود قتلى في صفوف جنود الاحتلال أثناء تواجده في عمله, قائلاً متحدثًا لزميله "إن ابنه منذ ليلة أمس لم يكن في البيت .. فأجابه ربما ابنك من نفذها, مضيفًا "لقد استبعدت حينها أن يكون "أنور" من نفذها، لأن مكان حدوث العملية من الصعب الوصول إليه, نظراً للحواجز الأمنية المنتشرة وبعد المكان.. لكن بفضل الله ومنته وكرمه كان هو ورفيقه الاستشهادي صلاح شاكر من نفذا العملية.
أما بيت الشهيد "صلاح" كما تحدثت أمه, فقد أصبح كساحة احتفال لعدة أيام يقصده كل الأحباب من جميع مناطق الوطن, مضيفةً "وجعني فراقه وقد مر على فراقه أكثر من عشرين عامًا, لكن لم تفارقني ذكراه يومًا".

