الإعلام الحربي _ خاص
لم يكن يوم الاثنين التاسع والعشرين من يناير لعام 2007م، يوماً عادياً على كيان العدو الصهيوني !. فقد كانت ساعاته حبلى بالمفاجأة التي هزت البنية الأمنية والعسكرية التي بنى هذا الكيان على "أسطورتها" مجداً زائفاً، أثبتت في ذلك اليوم، كما في كل العمليات البطولية التي خاضتها سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وقوى المقاومة المسلحة في فلسطين وجنوب لبنان، أن تلك الأسطورة، "أوهن من بيت العنكبوت".
جاء يوم الاثنين، يوم العملية الاستشهادية المعقدة، جنوب فلسطين المحتلة، بالتحديد في أم الرشراش" ايلات" ليعيد بطل تلك الملحمة الاستشهادية محمد فيصل نعيم السكسك (أبو همام)، تصويب البوصلة نحو وجهتها الأبدية، نحو الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
وها نحن اليوم نعيد سرد تفاصيل تلك العملية البطولية لتعيد مجدداً، إنعاش ذاكرة الكثيرين، بأن أهمية هذا الإنجاز الذي لا يقف عند حدود خسائر قوات العدو، بل في التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وصوابية النهج، وقدرات المقاومة على تحقيق الانتصار الواضح بخرق المنظومة الأمنية الذي تحقق بوصول الاستشهادي إلى أكثر المناطق المحاطة بحالة أمنية وعسكرية للكيان.
لقد عاش جنرالات الحرب الصهاينة، وطاقم الحكومة المصغرة "الكابينت"، ساعات مريرة، وهم يقرأون ما حصل في ذلك اليوم، فالمفاجأة، عرّت "نظرية الأمن" التي تدير من خلالها حكومات العدو، الأوضاع داخل الكيان، من زيف "قدراتها الحديدية" سواء كانت على شكل قبضة أم جدار أم قبة أم أجهزة مراقبة وعيون.
مشاعر الأهل
أما أسرته فقد عاشت ثلاثة أيام فصلت بين نبأ ارتقاء ابنها شهيداً عن يوم غيابه والبحث المتواصل لذويه عنه في أرجاء قطاع غزة، لتسمع عبر وسائل الإعلام أن ابنها "محمد فيصل السكسك" 21 عاماً استشهد في عملية تنفذ في أم الرشراش "إيلات" جنوب فلسطين المحتلة.
حاول أشقائه الاتصال به وعندما اجاب شقيقه نعيم عبر هاتفه الجوال قال له الاستشهادي محمد:" انا الآن في مخيم جباليا أرجو عدم الاتصال بي وأدعو لي بالتوفيق" وكانت آخر الكلمات الوداعية.
الوالدة تحدثت عن اخر كلماته لها قائلة :" في آخر كلماته قال لي بدي اطلع فقط ادعي لي يا أمي "فقمت بوداعه والدعاء له بالتوفيق".
ولم تعلم الأم رويدة محمد السكسك والتي تنحدر عائلتها من مدينة يافا المحتلة ان فلذة كبدها وثالث ابنائها ذاهب لتنفيذ عملية استشهادية في العمق الصهيوني ؟.
واستطردت قائلةً:" كنت أعلم نيّته الاسشتهاد والشهادة ولكنني لم أعلم توقيت ذلك وفيما إذا كان خارجاً ذلك اليوم لتنفيذ العملية أم انه متجه إلى مكان ما".
وعن تفاصيل خروجه من البيت قبل استشهاده لازالت الأم تتذكر ذلك اليوم جيداً، حيث قالت الوالدة "أم نعيم":" كان يوم جمعة في تمام الساعة الثامنة صباحاً خرج ابني محمد من بيته ومنذ ذلك اليوم لم يتصل بنا بل قام شقيقه الأكبر نعيم بالاتصال به وعندها قال له" ادعوا لي جميعاً ولا تحاولوا الاتصال بي وبعد تلك اللحظة فقدنا الاتصال به وحاولنا الاتصال على الخليوي الذي يملكه ولكنه لم يكن داخل الخدمة".
الأم الصابرة أكدت أنها عندما سمعت باستشهاد فلذة كبدها رددت كلمات الحمد والثناء والشكر لله الذي أكرمها باستشهاد ابنها "محمد"، مؤكدة أنها أبنائها وبناتها فداءً للأقصى وفلسطين ولن تبخل بهم.
أما شقيقه أبو فيصل فيقول:" عندما سمعت خبر استشهاده دعوت له بأن يتقبله الله وما فعله اخي يرفع رؤوسنا جميعاً فقد كان يتمنى دوماً ان يتحد كل ابناء شعبنا خلف خيار المقاومة لقتال العدو الصهيوني الذي يتربص بنا ليل نهار".
الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا المجاهد/ محمد فيصل نعيم السكسك (أبو همام) في منطقة التوام شمال مدينة غزة الباسلة في 7/11/1986م، لتنتقل الأسرة للعيش فيما بعد في منطقة السلاطين غرب مدينة بيت لاهيا.
وتربى الشهيد محمد في أسرة كريمة تعرف واجبها نحو وطنها كما تعرف واجبها نحو دينها، وكما كل أحرار فلسطين لم يتمكن من العيش في مسقط رأس العائلة ألا وهي مدينة «يافا» المحتلة.
تتكون أسرته من والديه وأحد عشر فرداً، أربعة من الأخوة ذكور وخمس من الأخوات إناث، وكان ترتيب شهيدنا محمد الثالث بين إخوته، وتزوج شهيدنا البطل محمد من رفيقة دربه قبل عام ونصف وأنجب منها طفلة أسماها «رويدا»، توفيت بعد أشهر من والدتها.
درس الشهيد محمد السكسك المرحلة الابتدائية في مدرسة "الأيوبية" في مخيم جباليا، ونظراً للظروف المعيشية الصعبة التي كانت تمر بها الأسرة ترك الشهيد الدراسة والتحق بسوق العمل ليعمل في مجال البناء والطوبار.
مشواره الجهادي
منذ أن تفتحت عيناه على الحياة رأى الاحتلال الصهيوني جاثم على صدر شعبه وأمته، فتربى الشهيد المجاهد محمد السكسك على درب الإيمان والوعي والثورة، والتحق في صفوف حركة الجهاد الإسلامي قبل نحو خمس سنوات.
ونظراً لحب شهيدنا الفارس محمد السكسك للمقاومة والجهاد التحق في صفوف سرايا القدس، في العام 2001م، فكان مثالاً للجندي المجهول، وكان يعمل بلا كلل أو ملل.
كان شهيدنا المجاهد تواقاً للشهادة ويبحث عنها في كل الميادين، ويردد دائماً دعاء: (اللهم اجعلني من أصحاب الفردوس الأعلى).
شارك الشهيد الفارس مع إخوانه المجاهدين في العديد من عمليات الرصد والاستطلاع لتنفيذ العمليات الجهادية.
كان الشهيد المجاهد دائم المشاركة في التصدي للاجتياحات الصهيونية المتكررة لمدننا وقرانا، وتشهد له بذلك أراضي بيت حانون وجباليا، ومنطقة العطاطرة والعمودي في بيت لاهيا.
أصيب الشهيد محمد السكسك بنيران قوات الاحتلال الصهيوني أثناء قيامه بإطلاق صاروخ على قوات الاحتلال خلال اجتياحها الأخير لبلدة بيت لاهيا.
العملية النوعية
في صباح يوم السبت الموافق (27/1/2007م)، غادر شهيدنا الفارس محمد السكسك «أبو همام» منزله بعد أن ودّع والدته وقال لها: «بدي أطلع أدعي لي يا أمي»، فقامت والدته بوداعه والدعاء له بالتوفيق، وقال لشقيقه محمد عبارته الأخيرة: «أتمنى من الله أن يحتسبني من الشهداء وليس مثل من يقتلون بعضهم البعض من أبناء الشعب الفلسطيني الواحد»، وتوجّه بعدها إلى أحد المطاعم في مدينة غزة وتناول طعام الإفطار ثم ودع أصدقائه بقوله: «لقائنا المقبل إن شاء الله في الجنة».
وفي إطار التنسيق والتعاون المشترك بين سرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى، وخلال عملية نوعية ومعقدة للغاية توجّه الشهيد المجاهد «محمد السكسك» من سرايا القدس إلى مكان تنفيذ العملية في (مدينة أم الرشراش ـ إيلات المحتلة)، وبعد أن وصل إلى المكان يوم الإثنين الموافق (29/1/2007م) أوقف سيارة صهيونية لتقله إلى الهدف المحدد له، وبعد أن ترجل الشاب من السيارة سارع الضابط إلى الاتصال ما يسمى بجهاز الشرطة الصهيونية وأبلغهم بتفاصيل ما حدث معه ونقل لهم تفاصيل الشاب ووصفه دون أن يغفل تعقبه في سيارته إلا أن الشاب جنح عن الطريق الرئيسي وشرع في الركض، وما أن وصل الشهيد المجاهد محمد السكسك إلى «حي إيزيدور» في مدينة إيلات دخل أحد المخابر الصهيونية وقام بتفجير جسده الطاهر وسط جموع الصهاينة الأمر الذي أدى إلى مقتل ثلاثة صهاينة وإصابة العديد منهم بجراح متفاوتة.

