اليوم الذكرى الـ13 لعملية الاستشهادي "عبد الله بدران"

الإعلام الحربي _ خاص

رائع ذلك الجسد المسجى.. ورائعة تلك الدماء التي تنزف بلا شح أو بخل.. وعطرة تلك الرائحة التي تملأ الأفق وتمتد.. وتمتد لتنتشر في كل الأرجاء.. ونحن وكلماتنا نقف حيارى عاجزين أمام عظمة الدم وأمام شموخ الرجال الذين يتسابقون إلى ربهم الكريم وكلهم أمل في إن يرضى عنهم.. يذهبون ثابتين واثقين مطمئنين.. فلكل هؤلاء التحية والإباء.. ولهم الدعاء بأن يتغمدهم الله بواسع رحمته وان يسكنهم فسيح جنانه.. اللهم آمين.

اليوم وإذ يمضي المجاهدون شهداءَ على طريقِ الكرامة والتحرير، يبرهنون بصدقِ انتمائهم، وبعبقِ مدادهم، وبضياءِ أجسادِهم على عزمِ الشعبِ الفلسطيني وحيويته في مجابهةِ المحتلين وصدِّ قرصنتهِم والرد على جرائمهم.

الشهيد عبد الله سعيد بدران ولد بتاريخ 10/06/1983م لأسرة ذاقت مرارة الاحتلال، فربت أبنائها على حب الأرض وفلسطين، تربى الشهيد عبد الله في أوساط تلك الأسرة المجاهدة المرابطة فتعلم منها معنى التضحية والفداء من أجل تحرير فلسطين، درس الشهيد عبد الله في مدارس مدينة طولكرم وتوجه لإكمال دراسته الجامعية، اتصف عبد الله بالهدوء والمرح صاحب مثابرة يحب العمل، انتمى عبد الله لحركة الجهاد الإسلامي وتعلم كيف تكون التضحية والفداء عمل مع الشهيد القائد في سرايا القدس شفيق عبد الغني وغيرهم من المجاهدين.

تفاصيل العملية

قبيل منتصف ليل الجمعة 26/2/2005 فجّر الاستشهادي المجاهد عبد الله سعيد بدران نفسه عند مدخل ملهى ليلي «سيتيج»، في مدينة تل الربيع "تل أبيب" المحتلة، مما أدى إلى مقتل خمسة صهاينة وإصابة أكثر من خمسين آخرين بجروح مختلفة.

وتأتي العملية الاستشهادية في ظل استمرار الخروقات الصهيونية للتهدئة التي توافقت عليها فصائل المقاومة، ولإعلان قيادة العدو لوقف إطلاق النار في شرم الشيخ حيث سُجّل أكثر من 900 خرق؛ توزعت ما بين قتل، وقصف للأحياء السكنية، واقتحامات متكررة للمناطق والمدن والبلدات الفلسطينية، وإقامة حواجز لإعاقة تنقل الفلسطينيين بين القرى والمدن الفلسطينية، بالإضافة إلى مصادرة آلاف الدونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين.

وقد وجهت العملية الاستشهادية ضربة قوية للأمن الصهيوني وفي قلب عمقه الأمني، فقد سارع قادة الاحتلال كالعادة إلى تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية عن عدم ملاحقة وضرب البنى التحتية لحركات المقاومة مع أن العملية حصلت في تل أبيب والاستشهادي خرج من طولكرم والمدينتان تخضعان للاحتلال الصهيوني. سلطات الاحتلال أيضاً اتهمت كلاّ من سوريا وحزب الله بالمسؤولية عن هذه العملية.

وقد نفى حزب الله هذه الاتهامات في بيان جاء فيه: "ينفي حزب الله بشكل قاطع ما ورد من اتهامات لمحت إلى دور مفترض له في عملية تل أبيب، ويعتبرها عارية عن الصحة".

واستمراراً للتضليل والخداع الذي يمارسه قادة العدو طالب المتحدث باسم الحكومة الصهيونية، رعنان غيسين السلطة الفلسطينية «بالقيام بتحرك للحفاظ على وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه خلال اجتماع قمة شرم الشيخ».

ووجّه نائب وزير الحرب الصهيوني، زئيف بويم، (27/2/2005)، تهديدات لسوريا متوعداً بمهاجمتها بزعم رعايتها  فصائل المقاومة، وأعلن أن الدولة العبرية ستواصل سياسة الاغتيالات ضد قادة ونشطاء حركة الجهاد الإسلامي.

وفي السياق ذاته، دعا اللواء احتياط عوزي دايان، إلى شن هجوم جوي على «مواقع حركة الجهاد الإسلامي في لبنان وسوريا». وفي المقابل نفت سوريا الاتهامات، وقال مصدر بوزارة الخارجية السورية إن «سوريا لا علاقة لها بهذه العملية أو بغيرها ومكتب الجهاد مغلق منذ فترة».

وكانت قناة الجزيرة الفضائية قد بثت (26/2)، شريطاً مصوراً للاستشهادي عبد الله سعيد بدران، (20 عاماً)، من قرية دير الغصون قرب طولكرم بالضفة الغربية، وهو يعلن قراره تنفيذ العملية الاستشهادية انتقاماً لدماء الشهداء الذين قتلهم جيش الاحتلال الصهيوني.

وأشار الاستشهادي بدران إلى أنه من سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

وغداة وقوع العملية قامت قوات الاحتلال الصهيوني بمداهمة بيت الاستشهادي البطل عبدالله بدران في قرية دير الغصون واعتقلت شقيقه وعدداً من أبناء القرية، ثم امتدت حملة الاعتقالات إلى نطاق أوسع في منطقة طولكرم في الضفة الغربية استهدفت ملاحقة مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي.

وأكدت صحيفة هآرتس (4/3/2005) على أن هذه العمليات العسكرية الصهيونية تتم خلافاً للتفاهمات التي تم التوصل إليها في قمة شرم الشيخ في شباط الفائت بين الدولة العبرية والسلطة الفلسطينية.

ونقلت هآرتس عن مسؤولين عسكريين صهاينة قولهم إن "الحملة العسكرية الصهيونية في منطقة طولكرم تجري خلافاً للتفاهمات التي تمت في قمة شرم الشيخ".

وكانت الدولة العبرية قد أعلنت في أعقاب قمة شرم الشيخ أنها «ستحدد حملات الاعتقال بحق ناشطين في الأراضي الفلسطينية» باستثناء من تسميهم «قنابل موقوتة».

غير أن الجيش والشاباك نفذا غداة العملية بحسب هآرتس عمليات مطاردة لكل أعضاء حركة الجهاد الإسلامي في طولكرم وضواحيها، معتبرين أن تنظيم الجهاد في هذه المنطقة شبكة موقوتة.

وتزامناً مع الحملة الصهيونية قامت أجهزة الأمن الفلسطينية باعتقال عدد من أعضاء وأنصار حركة الجهاد الإسلامي في منطقة طولكرم ومنطقة جنين  وشمال الضفة الغربية.

هذا مع العلم أن الاستشهادي البطل انطلق من منطقة غير خاضعة للسلطة الفلسطينية وقام بتنفيذ العملية في قلب تل أبيب، أي أن المسؤولية الأمنية لكل ما جرى تقع على عاتق أجهزة الأمن الصهيوني التي تلقت صفعة قوية على يد مجاهدي سرايا القدس، الذين أكدوا أن إرادة الشعب الفلسطيني وقدرات المجاهدين أقوى من كل الحصون والجدران والحواجز والإجراءات الأمنية المعقدة والإنذارات المتواصلة.

من هنا، فإن الاستشهادي المجاهد عبد الله سعيد بدران، حين فجر نفسه في جموع الصهاينة في قلب تل أبيب لم يخرج عن إرادة الشعب الفلسطيني، ولم يضر بمصالحه، بل كان بإيمانه وشجاعته معبراً عن هذه الإرادة، ومدافعاً عن المصالح الوطنية الفلسطينية التي ينتهكها ويلتهمها فجور القوة الصهيونية كل يوم في غابة كونية لا تفهم إلا لغة القوة، ولو جاءت من الضعفاء الذين لن يضرهم لو خالفهم كل البشر أو أنكروا عليهم حقهم في اختيار موتهم الذي يوصلهم إلى حياة أجمل من حياة يرسمها لهم شارون!

شهيد اللحظة الحاسمة

الصهاينة يقتلون المزيد من أبناء شعبنا، وحالة من الصمت تعم المنطقة، إذ إن قتل الفلسطينيين على أيدي الصهاينة ليس بالأمر الذي يمكن أن يثير الاهتمام. غالبية وسائل الإعلام العربية كان شغلها الشاغل حماية التهدئة وليس حماية أبناء فلسطين من الويلات التي يعانونها، بمعنى أن المطلوب من الفلسطينيين هو السماح لهذا العدو الغاصب بان يغادر غزة مرفوع الرأس، من خلال استمراره بسياسة الاغتيالات والقتل والتدمير، حتى تكون القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية في نظر المستوطنين إنما تغادر غزة منتصرة وليست مهزومة.

الرسالة الثانية التي أرادها الغزاة الصهاينة من الاستمرار في سياسة الاغتيالات، هي أن تتكلم مع الفلسطينيين كما تتكلم مع العرب، بمعنى أن تجعل العنصر المجاهد الفلسطيني يخضع للاملاءات الصهيونية، وهي المعادلة غير المتوفرة في الساحة الفلسطينية، فالعرب فيما مضى كانوا لا يردون على اعتداءات الصهاينة آخذين بعين الاعتبار التفوق الصهيوني النوعي، ناهيك عن احترام الأنظمة العربية كثيراً لمواثيق الأمم المتحدة التي تطعن بحقوقهم، بينما هذه المواثيق لا يرى منها الصهاينة إلا ما يخدمهم ولا يستجيبون إلا لذلك.

الفلسطينيون ليسوا كذلك، والصمت على الظلم غير ممكن، وانتظار المعدات الثقيلة والطائرات وغير ذلك غير مطروح، فقد قرر الفلسطينيون أن يطوروا فعلهم الإنساني ويتعاملون مع كل ما هو متاح بين أيديهم، ولن ينتظروا مع المنتظرين، الذين ناموا على مدافعهم التي أكلها الصدأ.

رسالة أخرى يريدها الصهاينة من الاستمرار في خرق التهدئة آنذاك، وهي أن تجعل الفلسطينيين يختلفون فيما بينهم بين من يريد الرد ومن لا يريد، لينشغل الفلسطينيون في صراع داخلي وينسحب الصهاينة مرفوعي الرأس أيضا..لكنها أحلام الصهاينة ..... وخرجوا في نهاية الأمر يجرون أذيال خيبتهم..

سلام عليك أيها الشهيد البطل الذي قطعت الخط على تفكير الساسة الصهاينة والكثير من القيادات العربية، وكان لدويّ العملية التي قمت بها تأثير كبير كان يصعب فهمه في حينها، ولكن أثبتت الأيام، أن ابن سرايا القدس كان على درجة كبيرة من الوعي، فجاءت العملية مزلزلة وسط صمت عربي مريب؟؟

عشرات السياسيين كانوا ينتظرون تلك الليلة من حركة الجهاد الإسلامي أن تتنصل مع أحد أبنائها، لكن ذلك لم يحدث، وكثيرون اعتبروا أن ذلك عطل الانسحاب، ولكن تبين أن العكس تماما قد حدث.

بالتأكيد إن الكلمة الأولى والأخيرة لمن يحمل عبء الجهاد، ملتزمون بما تمليه علينا عقيدتنا ومسؤوليتنا، ولسنا تشكيلاً عربياً ننتظر ظرفاً سياسياً أو غير ذلك، فالمجاهد الفلسطيني يمتثل لما تمليه عليه عقيدته ومسؤوليته.

احتضنت حركة الجهاد قرار الشهيد ولم تتنكر له كما كان يريد الكثيرون، وأثبتت الأيام أن وعي عناصر سرايا القدس كان متميزاً.

ثمة رجال قلائل تذكر أسماؤهم في  مفاصل تاريخية هامة ، من بينهم شهيدنا عبد الله بدران الذي لبى نداء ربه، فكان استشهاده فاتحة خير، فقد نكس العدو رأسه ورحل صاغراً دون أن يملي شروطه على الفلسطينيين.

وصية الاستشهادي المجاهد "عبد الله بدران"

بسم الله الرحمن الرحيم

أهلي الأحبة: بشراكم، ها أنا قد حققت أمنيتي، وأقبلت على الشهادة في سبيل الله بعزيمة المجاهدين، ورحلت عن الدنيا الفانية مسرعًا إلى الدار الباقية الخالدة في جنات النعيم، لألقى المصطفى صل الله عليه وسلم ومع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولكن الشهادة نادتني بعد أن تمنيتها من حين كيف لا ألبي هذا النداء.

أمي، أبي، إخواني، أخواتي: بوركت الأيادي التي ربت، وبوركت الأيادي التي احتضنت، قد تتألمون على الفراق، وقد تتعرضون للضرر من بعدي، لكن اعلموا أنهم لن يضروكم إلا أذى.

ولا أنسى أقاربي وأصحابي: إليكم سلاماتي بخالص الصدق والوفاء، وأطلب منكم أن تدعوا لي أن يتقبل الله شهادتي، سامحوني جميعًا فأنا إن قصرت معكم في الدنيا، فلن أكون من المقصرين معكم يوم القيامة بإذن الله تعالى. فابشروا من رسول الله صل الله عليه وسلم بأن الشهيد يشفع بسبعين من أهله، وأسأل الله لكم الهداية، ولتتمسكوا بدين الله وحبله المتين.

أمي الغالية: إن رضا رب العالمين علي مرهون برضاكِ، وأن أمنيتي لن تتحقق إلا بفك هذا الرهان، ولن تكتمل أمنيتي دون صبرك، واحتسابك لي عند الله شهيدا في سبيله، وإعلاء كلمته أولاً وثأرًا لدماء الشهداء، ولا تبكي عليَّ وادعي لي في صلاتك. (أماه) زغردي، اسمعي الناس، أسمعي العالم صوت الزغاريد.

أوصيكم: أن تسمعوا الناس شريط "استشهاديون" يوم استشهادي وبصوت عالٍ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

أخوكم الشهيد بإذن الله

عبد الله سعيد بدران

disqus comments here