فلسطين وهزيمة الكيان الصهيوني.. بقلم:هيثم أبو الغزلان

الخميس 17 يونيو 2010

أسفر التطهير الذي مارسته العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين عام 1948،  بـتدمير (531) قرية ومدينة فلسطينية بالكامل.. كما أُحصي أكثر من 50 مذبحة موثّقة ضد الفلسطينيين، الذين أصبح أكثر من (75%)،  من مجمل عددهم اليوم من اللاجئين.. وبيّن الدكتور سلمان أبو ستة أن نحو (5000) شهيد سقطوا في محاولاتهم الرجوع إلى أرضهم بعد طردهم منها!! ومع أن الفلسطينيين عاشوا "نكبات" عديدة، إلا أن إصرارهم على المقاومة والبقاء جعل الشعب الفلسطيني رقماً صعباً في المعادلات.

 

وكانت القضية الفلسطينية على مدى العقود المنصرمة إحدى أكثر القضايا تعقيداً على الساحة الدولية، وسعى كثيرون وبجميع الأساليب لتصفيتها ‏(‏الخيار العسكري‏)،‏ أو لتسويتها‏ (‏المبادرات والمفاوضات‏)‏، أو لفرض الأمر الواقع ‏(‏المراهنة على عامل الوقت‏)،‏ ومع ذلك فإن المرحلة الراهنة تتميز عمّا سبقتها بحدة درجة التعقيد وتشابك الأبعاد الإنسانية والسياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية‏.

 

وناقش الدكتور إيلان بابه، الذي يعتبر واحداً من أهم المؤرخين الإسرائيليين، وهو كبير المحاضرين في علم السياسة بجامعة حيفا، في كتاب (ناقشه وعرضه: صلاح عويس)، التطهير العرقي في فلسطين، والذي تضمن عرض سبعة محاور للإستراتيجية الإسرائيلية لشل قدرات الفلسطينيين، والذي اعتبر بمثابة شهادة تفصيلية موثقة وحافلة بالأسماء والأرقام والوقائع قدّمها إيلان حول حقائق التطهير العرقي الذي نفذته العصابات الصهيونية المسلحة قبل النكبة في 1948، حيث أوضح أن التطهير العرقي الذي نفذه الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني جاء في إطار إستراتيجية إسرائيلية متكاملة وتجسيد للنزعة الإيديولوجية الصهيونية التي استهدفت أن تكون فلسطين لليهود حصرا، عبر إخلائها من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين.

 

ويؤكد المؤرخ والباحث الصهيوني د. "ميرون بينبينشتي"، في دراسة بعنوان: "هكذا تحولت "إسرائيل" لدولة ثنائية القومية" "صادرة عن مركز دانئيل أفرهام التابع لكلية الحقوق في نتانيا "أن "إسرائيل" لا تحتل الضفة الغربية وغزة فحسب بل ضمتهما وأخضعتهما لسيطرة دائمة بواسطة الاستيطان ومشاريع بنى تحتية ضخمة ومكلفة جداً (يُقدّرها بـ 100 مليار دولار).

 

وحذر وزير الحرب إيهود باراك في مؤتمر هرتزليا العاشر من فقدان "إسرائيل" ديمقراطيتها وتحولها لأبرتهايد أو فقدانها يهوديتها في حال استمر الصراع.

 

هذا ما يؤكده مراقبون أمثال "يارون لندن"، الذي كتب مقالتين حول الموضوع مؤخراً شكاً فيهما من ضعف النقاش في "إسرائيل" حول مخاطر ثنائية القومية وشكك في احتمال قيام كيانين.

 

ويوضح ميرون بينبينشتي في جريدة الخليج (7/4/2010)، أن تفتيت الفلسطينيين يحظى بشرعية دولية ويمنح "إسرائيل" شهادة تأمين ضد "الخطر الديمغرافي" حينما يتحول الفلسطينيون قريباً لأغلبية سكانية في البلاد، ويتابع "يواصل اليهود المسيطرون، حتى بعد تحولهم لأقلية، فرض التشرذم الفلسطيني بواسطة "العصا والجزرة" لتكريس حالة عدم التنسيق والضعف الفلسطينية".

 

..وانطلاقاً من تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، ومروراً بالحرب على لبنان 2006، ووصولاً إلى الحرب على غزّة 2008ـ2009 ترتسم المعادلة نفسها، غير أنّ الجديد تمثّل في التحاق الكيان الصهيوني سوسيولوجياً بالنظام العربي فصار له خصائص الدولة، ويسري عليه ما يسري على الدولة من سُنن الضعف والمرض والانحلال في مواجهة مقاومة هي عبارة عن جماعة مقاتلة في لبنان ومجتمع مقاتل في غزّة. وكانت له مع القوتين الصاعدتين جولتان سيكون لهما ما بعدهما.

 

لقد تمكّنت المقاومة من إسقاط مشروع إسرائيل الكبرى. وأضعفت قدرة المؤسسة العسكرية على الردع إلى حدّ كبير. وهذا ما يفسّر، إلى جانب سمات أخرى في الشخصية الصهيونية، السلوك الإجرامي والقتل الجماعي في مواجهة الوريث الفلسطيني في الحرب الأخيرة.

 

تقوم جملة من المؤشرات على مستقبل الصراع. فمن جهة تبدو المقاومة أقوى وأكثر تنظيماً وكأنها جعلت الأسوأ وراء ظهرها، ويبدو العدو أكثر قلقاً لما بدأ ينخر كيانه من عوامل الضعف، رغم بقايا من عوامل قوة كانت اجتمعت فيه يوما، ولكنّ الأسوأ بانتظاره، ولسنا نعني الجانب العسكري الذي لم يسعفه في حربيه الأخيرتين، وإنما قَصَدنا إلى معاني القوّة المتمثلة في الأسس التي أقام عليها تجربته والتي لم يتنكر لها حتى في حالات الحرب، بخلاف النظام العربي الذي أبّد القوانين الاستثنائية باسم حرب لم يَخُضْها.

 

وتشهد القوتان (المقاومة والعدو) تحوّلا متزامنا ومن طبيعة واحدة. فكما لم يعد الكيان الصهيوني قاعدة متقدّمة للإمبريالية، بلُغة الستينيات، وصارت العولمة في خدمة إسرائيل، بلُغة اليوم، أمكن الحديث عن تحول في المقاومة من مقاومة وظيفيّة تخدم مصالح هذا الطرف أو ذاك إلى مقاومة إستراتيجية تقيم معادلة بديعة تنصهر فيها مصلحة الأطرافِ داعمةِ المقاومة بمصلحة الأمّة.

 

يشير كثير من الخبراء إلى أنّ إسرائيل لا تتحمل حرباً لا يكون نصرها فيها حاسما، وليس لها في الآن نفسه ما يضمن هذا النصر، خاصّة مع اشتداد عود المقاومة وأثرها على النظام العربي ومحيطه الإسلامي والرأي العام الدولي.

 

ولذلك يبدو من مصلحتها أن تُسيّر الأزمة إلى حين رغم تلويحها بالحرب إرهابا. إنّ أكثر ما يخيفها الديموغرافيا وهذا ما يفسّر هلعها بإقامة سورين عنصريين: الأول مادي حقيقي مزّق أوصال الضفّة وعزل مدينة القدس عنها والثاني قانوني تمثّل في يهودية الدولة المدعوم من قبل فرنسا وأميركا.

 

..لم تمت فلسطين كما أرادوا وتمنّوا، بل تنبعث اليوم من بين الركام، ترفض الموت البطيء والخيام في المنافي.. حتى العودة والتحرير.