إذا كان هناك اختلاف في تقدير وضع الشهيد هاني عابد، العسكري كما قال العدو الصهيوني، والسياسي والإعلامي كما قالت حركة الجهاد الإسلامي، فإن الكيان الصهيوني تمكّن من الوصول ، في حادث اغتيال مدوٍ أيضاً ، في زمن السلام ، لرجل لا اختلاف على هويته العسكرية ، بل استقر وصفه فيما بعد بأنه قائد الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي (قسم) و بهذه الصفة ما زالت الحركة و مناصروها يحيون سنوياً ذكرى استشهاد محمود عرفات الخواجا الذي قضى في يوم 22/6/1995م ، في عملية جريئة نفذتها أجهزة المخابرات الصهيونية أمام منزل الخواجا في مخيم الشاطئ بقطاع غزة .
و يبدو أن حادث اغتيال هاني عابد وسط الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية لم يعطِ مؤشرات كافية للخواجا ، بأن هذه الأراضي غير مأمونة أمنياً ، خاصة لمطلوب كبير لسلطات الاحتلال مثله ، فاستشهد ليصبح لدى رفاقه أنموذجاً و رمزاً .
و تتشابه سيرة الخواجا ، مع سيرة هاني عابد ، فكلاهما من جيل واحد ، فالخواجا ولد عام 1960م ، لوالدين لاجئين من قرية حمامة المدمرة ، و نشأ في مخيم الشاطئ ، أمام الأفق الذي تحمله أمواج البحر الأبيض المتوسط ، و شهد احتلال ما تبقّى لأرض فلسطين عام 1967م و لم يتجاوز السابعة من عمره ، و شهد استشهاد عمه على أيدي جنود الاحتلال ، و تزامن التحاقه بالجامعة الإسلامية مع ظهور الدكتور فتحي الشقاقي و مشروعه الإسلامي الجهادي في قطاع غزة ، فالتحق بالحركة الجديدة و ترأس قائمة حركة الجهاد الإسلامي الطلابية لانتخابات مجلس الطلبة في الجامعة ، و تعرّض للاعتقال أكثر من مرة لنشاطه السياسي الإسلامي ، و اعتقل لمدة أربع سنوات بتهمة تتعلق بتحضير السلاح و المتفجرات ، و اعتقل معه في نفس القضية والده لمدة ستة أشهر .
و بعد خروجه من المعتقل بعد انتهاء محكوميته اعتقل أيضاً لمدة ستة أشهر إدارياً ، أي بدون محاكمة ، و بعد استلام السلطة الفلسطينية لزمام الأمور في قطاع غزة اعتقل مرتين في سجون السلطة ، ضمن الحملات التي نفّذتها السلطة بين الوقت و الآخر ضد الذين لهم نشاط مقاوم ضد الاحتلال ، و هي الاعتقالات التي كانت تثير خلافاً كبيراً في أوساط الرأي العام الفلسطيني ، و تركت أثراً سلبياً .
لا تتوفر معلومات دقيقة عن نشاط الخواجا العسكري ، و لكن بعض أدبيات حركة الجهاد الإسلامي تشير إلى نشاطه في الجناح العسكري (قسم) و الذي أصبح فيما بعد يعرف بأنه قائده ، بدأ قبل عامين من استشهاده ، و يشار إلى أنه من مؤسسيه ، و خلال هذين العامين ، هزّت عمليات هذا الجهاز العمق الصهيوني بسلسلة عمليات استشهادية مدوية ، أهمها العملية التي نفّذها الشهيدان من حركة الجهاد في بيت ليد و أسقطت عشرات القتلى و الجرحى ، و أدرك الخواجا أن حكماً بالإعدام صدر عليه من الصهاينة ، و هو ما تم تنفيذه من ثلاثة ملثمين حسب شهود عيان كمنوا له في سيارة بيجو 404 و عندما أدركوه أطلقوا عليه العيارات الكاتمة للصوت ، ليسقط شهيداً ، بينما تم الاحتفال في مكتبٍ ما في مكان ما بين ضباط المخابرات الصهيونية بنجاح قتل قائد (قسم) .
كان الخواجا ، و وفق متطلبات دوره الجديد ، في (قسم) قد ابتعد عن النشاط العلني لحركة الجهاد الإسلامي ، حتى أن رفاقاً له اعتقدوا بأنه لم يعد له علاقة بحركة الجهاد الإسلامي ، و لكن الكيان الصهيوني كما تبين فيما بعد لم يغفل عن نشاطه .
و بعد ستة أعوام من استشهاده ، دوّت في مخيم الشاطئ مسقط رأس الشهيد مفاجأة غير متوقعة ، عندما اعتقل جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني ، و بعد أشهر من انتفاضة الأقصى ، عميلاً من سكان المخيم رمز له بالحرفين (م.ش) ، و هو من أقرباء و جيران الشهيد الخواجا لضلوعه في حادث الاغتيال .
و المفاجأة أن العميل المذكور لم يكن معروفاً بأية ارتباطات مع الاحتلال ، بل بالعكس ، لا يمكن أن يكون ، بالنسبة لسكان المخيم محل شبهة . و حسب تقرير نشرته جريدة الاستقلال الناطقة باسم حركة الجهاد الإسلامي (21/6/2001) أعدّه مراسلها أكرم غالي ، فإن العميل المذكور الذي كان عمره لدى إلقاء القبض عليه (52) عاماً ، رجلاً ميسور الحال و له وضع اجتماعي و يحظى بالاحترام من قبل المواطنين ، مواظباً على الصلاة ، و يساعد المحتاجين ، و يحرص على القيام بواجباته الاجتماعية اتجاه الناس . و حسب اعترافه فإنه ارتبط مع المخابرات الصهيونية عام 1982 على يد ضابط مخابرات صهيوني يدعى (أبو طومر) .
و أوكلت له في بداية ارتباطه مع المخابرات الصهيونية ، مهمة جمع معلومات عن المناضلين في مكان سكناه ، و بعد تأسيس (قسم) ، طلب منه مراقبة الشهيد محمود الخواجا ، و فيما بعد زوّدته المخابرات الصهيونية بهاتف نقال ، ليمدّ مسئوله ألاستخباري بالمعلومات أولاً بأول .
و لم يكتفِ ما قيل إنه العميل (م.ش) برصد تحرّكات الشهيد الخواجا من بعيد ، فاستغل صلة القربى و الجوار ، و أخذ يوثق علاقاته مع الشهيد ، و يزور بيته باستمرار ، و أحياناً يدخل البيت بدون استئذان و في إحدى المرات مرة دخل غرفة كان يوجد فيها الشهيد محمود الخواجا مع بعض رفاقه من مقاومي (قسم) و كانوا يحملون أسلحتهم ، فمنعه الشهيد محمود و أغلق الباب في وجه .
و كان (م.ش) ينقل ما يرصده إلى مشغّله المباشر في المخابرات الصهيونية ، و تفرّغ ، بعد أن أتاه أمر بذلك ، في مراقبة محمود و رصد تحركاته ، و حسب اعترافاته ، فإنه قبل اغتيال الشهيد الخواجا بنحو عشرة أيام ، أعطيت له دورة مكثفة في الرسم (الكروكي) و قام بناء على طلب مشغّله برسم المنطقة التي يسكن فيها الشهيد الخواجا بتفاصيلها .
كان محمود الخواجا ، قد وقع في المحظور الأمني ، الذي يمكن أي جهاز مخابرات و ربما أي جهة من النجاح في تنفيذ عملية اغتيال و قتل ، فخط سير الشهيد محمود اليومي إلى عمله معروف و ثابت و روتيني ، و في صباح يوم الاغتيال ، أعطى (م.ش) عبر جهاز الهاتف النقال الذي بحوزته لمشغله المعلومات المطلوبة ، عن تحركات الخواجا : خروجه من المنزل .. سيره .. تحركه ، حتى توارى عن نظره ، فدخل لتناول إفطاره ، بينما كانت رؤيا محمود الخواجا التي أبلغ زوجته بها فور استيقاظه من النوم صباح ذلك اليوم ، أنه شاهد ثلاثة أشخاص يطلقون عليه النار فيستشهد ، و كان يتحدّث بروح مرحة و معنويات مرتفعة ، تتحقق .
كانت شوارع مخيم الشاطئ في ذلك الصباح (22/6/1995م) خالية إلا من بعض الطلبة الذاهبين لتقديم امتحانات الثانوية العامة ، عندما خرج القتلة الثلاثة من سيارتهم البيجو 404 ، و اقتربوا من محمود و عاجلوه برصاصهم من كواتم الصوت ، و التي ذكر تقرير طبي فيما بعد ، أن تسعة منها أصابت الشهيد ، منها رصاصة اخترقت رأس الشهيد و أخرى أسفل عينيه و ثالثة اخترقت رقبته . و عندما تنبّه الناس إلى ما حدث كان القتلة يخلون مسرح الجريمة .
و خلافاً لبعض التقديرات ، التي تشير إلى أنه ربما متعاونون مع الاحتلال نفّذوا العملية ، فإن هذه الفرضية لا تلقى قبولاً لمتتبعي النشاط الصهيوني في مجالات الاغتيالات ، فـ" الكيان" لم (يغامر) بتوكيل مهمة اغتيال إلى أحد عملائها من العرب و ربما لذلك أسبابه ، منها أنها لم ينجح الكيان حتى الآن بتجنيد عميل فلسطيني (أيديولوجي) لصالحها و لذلك فإنها تبقى (مغامرة) غير محسوبة ، و منها أيضاً أن الكيان الاحتلالي لا يكشف خيوط القصة كاملة للعميل ، مثل آخرين فإن (م.ش) مثلاً الذي أدلى باعترافات كاملة عن تعاونه من المخابرات الصهيونية و رصده للشهيد الخواجا ، أنكر مشاركته بعملية الاغتيال أو معرفته بالذين قاموا بها أو علمه حتى بأن هناك نية لتنفيذ عملية اغتيال ، و إن كان هذا لا يعفيه من المسؤولية ، فإنه يشير ، مع اعترافات سابقة لعملاء آخرين ، إلى أن الكيان الصهيوني يستخدم عملاءه للمساعدة في تنفيذ عمليات الاغتيال دون أن يعرفوا تفاصيلها أو كنهها .
ويبقى الاحتمال أن عملاء صهاينة محترفين ، هم الذين قتلوا الخواجا ، و تجرّءوا و دخلوا (أرض العدو) لينفذوا عملية اغتيال هم لا شك متدربين عليها جيداً ، و هو أسلوب نادراً ما لجأت إليه المخابرات الصهيونية بعد ذلك في الأراضي الفلسطينية حيث كانت تستخدم تقنية (أقتل عن بعد) كما حدث في سلسلة الاغتيالات الرهيبة خلال انتفاضة الأقصى .
واتضح فيما بعد ، أن قتل قائد (قسم) ما هو إلا خطوة في تنفيذ قرار الكيان الصهيوني باستهداف حركة الجهاد الإسلامي ، فكانت الخطة الأكبر اغتيال زعيم الجهاد الأول : الدكتور فتحي الشقاقي ، الذي يطلق عليه رفاقه لقب المعلم .

