أسدود.. بيت ليد.. كفار داروم.. نتساريم.." بصمات لا تُنْسى"

الأحد 19 يونيو 2011

الإعلام الحربي – غزة

 

"حزيران/ يونيو".. ذلك الشهر الذي لا يزال يحتفظ بين طيات أيامه، ذكريات أثقلت كاهلنا، ففي هذا الشهر من عام 1099، بدأ الحصار الصليبي على مدينة القدس، وفي الشهر ذاته من عام 1967، تسقط القدس محتلة بأيدي الصهاينة، وفيه أيضاً من عام 1948، وقعت مجزرة مدينة الرملة المحتلة التي أودت بحياة عشرات الفلسطينيين العزل، وفي الشهر ذاته من عام 1982، احتل الصهاينة دولة لبنان بأكلمها، ولم تكن هذه آخر المصائب.

 

وفي الثاني والعشرين من شهر حزيران نفسه من عام 1995، ارتحل عنا فارس صنديد، ورمز من رموز الحركة الإسلامية "المجاهدة" وأحد مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الذي كرس جل حياته للعمل الفدائي الأول المنظم، ألا وهو الشهيد القائد (محمود الخواجا).

 

ونشأ الشهيد المؤسس في مخيم الشاطئ في 27-12-1970م، وترعرع وسط أسرة مجاهدة، هاجرت من قرية حمامة عام 1948م ليستقر بها المقام في مخيم الشاطئ ولتعيش حياة مليئة بالألم والمعاناة كما كل الأسر المهاجرة التي سلب الصهاينة أراضيها.

 

وقد ترعرع الشهيد محمود على الإباء والتحدي بعد استشهاد عمه على يد الاحتلال الصهيوني لتكون هذه الحادثة من بواكير الدوافع النفسية له ليخوض معركته مع الصهاينة والاحتلال.

 

قادة حركة الجهاد الإسلامي وقفوا في هذا اليوم تحية إجلال وإكبار للشهيد القائد مؤسس الجناح العسكري الأول للحركة القوى الإسلامية المجاهدة "قسم" وصاحب العقل المدبر لعشرات العمليات البطولية ضد الكيان الصهيوني.

 

مرحلة مفعمة بالنشاط

فقد أوضح القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل أن المرحلة التي برز فيها القائد الشهيد محمود الخواجا كانت مفعمة بالنشاط المميز والدم الطاهر والثورية الإسلامية التي لم تكن قد شقت طريقها في الساحة الفلسطينية. وقال: "هذا يوم العزة الذي ارتوت فيه أرض فلسطين بدماء الشهيد الخواجا، بعد أن أصبح علماً معروفاً لدى قادة الكيان الصهيوني الذين لم يكونوا ليهدأ لهم بال قبل الانتقام منه وقتله غدراً".

 

ووجه المدلل رسالته إلى جنود ورجال سرايا القدس في هذه المناسبة العطرة، مشدداً عليهم بالتمسك بسيرة الشهيد "الخواجا" وأن يحذو حذوه في الجهاد في سبيل الله، "لأنه أحد أبرز أفراد النخبة في حركة الجهاد الإسلامي، الذين تربوا على أيدي الشقاقي الذي انتقى أبناء الجهاد بحذر شديد، وقد تميز الشهيد صاحب هذا اليوم بالطاعة والعبادة والإرادة القوية في تحقيق الأهداف".

 

وأضاف القيادي في الجهاد الإسلامي: "لقد خطط ونظم الشهيد الخواجا العديد من العمليات البطولية التي أربكت جنود الاحتلال ووصل هذا الإرباك إلى أصحاب القرار السياسي في الكيان الصهيوني، وأثبت من خلال عملياته أن الشعب الفلسطيني لم يضيع ذاكرته التي لا تنسى، ويجب على أبناء السرايا عدم تضييع سيرته العطرة".

 

ويتابع القيادي المدلل: "الخواجا كان له إضافة نوعية في ساحة المقاومة التي كان يتغيب عنها الصبغة الإسلامية في ساحة الصراع بفلسطين، وكانت المقاومة تنحصر على غير الإسلاميين، لذلك كان من الضروري أن تسير هذه المقاومة على نهج إسلامي لما يحمله هذا النهج من معان سامية قيّمة لا يمكن لها أن تتزعزع على مر العصور، فهي تحمل الإرادة الصحابية، والنهج القويم الصحيح، والعقيدة الراسخة التي تعطي المؤمن قوة في العمل، ويتبعها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا".

 

امتداد لعهد النبوة

أما الشيخ خالد البطش، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، فأراد في هذه المناسبة أن يوجه التحية إلى عائلة الشهيد القائد المؤسس "الخواجا" وكل من سار على دربه ونال الشهادة في سبيل الله، مجدداً العهد مع الله عز وجل المضي قدماً على خطاهم في طريق تحرير الأراضي الفلسطينية من أيدي الصهاينة.

 

وأوضح البطش الذي قال إنه يشعر برائحة دماء الخواجا الزكية تفوح في كل مكان من هذا اليوم: "نحن في حركة الجهاد الإسلامي، نعتبر هذا اليوم أليماً بالنسبة إلينا وللشعب الفلسطيني بشكل عام، ولا زلنا نفقد قادتنا أمثال الشهيد الخواجا، ولكن عزاءنا في من مضوا على هذا النهج وجددوا عهدهم في هذه الذكرى بالسير قدماً في طريق الجهاد حتى تحقيق الشهادة أو النصر المحتوم".

 

وأوضح البطش في حديث لصحيفة الاستقلال، أن "سرايا القدس" التي أسس نواتها الأولى الشهيد "الخواجا" هي "امتداد لعهد النبوة والصحابة والتابعين والمجاهدين من أمثال عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وكل من حارب أعداء الإسلام، وصولاً إلى الشهيد محمود الخواجا وفتحي الشقاقي وغيرهم من القادة الذين ضحوا بدمائهم من أجل هذا الطريق".

 

وبيّن أن الصراع مع العدو الصهيوني لا ينتهي بالضربة القاضية، "بل يجب أن ندفع جميعنا الثمن من أجل هذا الموقف والمنهاج الذي سيؤدي بكل تأكيد إلى تحرير فلسطين من أيدي الجبناء". وأضاف: "الشهيد الخواجا لم يكن يوماً قائداً طارئاً بل كان المؤسس والنواة الأساسية لسرايا القدس التي أسمعت العالم كله ردودها المستمرة على جرائم الاحتلال الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني، لذلك يعتبره أبناء الجهاد الإسلامي قائد أركان سرايا القدس "قسم"، وراعي العمليات الأولى للجناح العسكري والتي كان من بينها عملية "بيت ليد" التي أذاقت قوات الاحتلال ويلات عذابهم".

 

رحلة شهادة لا تنتهي

أما وليد حلس، الناطق الإعلامي باسم حركة الجهاد الإسلامي، فسألناه كيف عايش ذكرى استشهاد الشهيد "الخواجا" حيث أجاب بالقول: "أبو عرفات إذا ذُكر يتسلل إلى أذهاننا جميعاً أدق التفاصيل عن العمليات البطولية الاستشهادية التي خطط لها والتي أودت بحياة عشرات من جنود الاحتلال في أماكن مختلفة وأبرزها عملية بيت ليد البطولية".

 

وأوضح حلس لـ"الاستقلال" أن الجناح العسكري الذي أسسه الخواجا لم يعان يوماً من إعياء أو سكون، "بل عظم وكبر واتسع، واحتفظ بنواته الأصلية التي أسسها، ونقول لأبنائنا في سرايا القدس إننا نثق بولائكم وانتمائكم وإخلاصكم لشهدائكم الذين سبقوكم في الجهاد ولقوا الله شهداء، لذلك نحن بحاجة ماسة لأن نسير على نهج الشهيد أبو عرفات". وأضاف: "هذه رحلة شهادة لا تنتهي، وإننا بالتأكيد نفتقد لأولئك النخبة من رجال الجهاد الإسلامي، وكان لا بد للمسير أن يستمر دون توقف حتى تحقيق الهدف الأسمى والأعظم، ولن تتردد هذه الأرض في أن تخرّج أمثال هذا القائد الصنديد".

 

عمليات لا تُنْسى

وإنه لحري بنا أن نستذكر في سطور قليلة أبرز العمليات العسكرية التي خطط لها الشهيد "الخواجا" انتقاماً لقادة سبقوه في الشهادة، وهي:

 

1- عملية أسدود البطولية: والتي نفذها الشهيد عليّ العماوي من مخيم الشاطئ، وأدت إلى مقتل اثنين من ضباط الاحتلال أحدهما مسئول أمن المستوطنات في قطاع غزة وجرح ما لا يقل عن عشرة آخرين.

 

2- عملية نتساريم الاستشهادية: والتي نفذها الشهيد هشام حمد من حي الشيخ رضوان قرب تجمع عسكري و أدت إلى مقتل خمسة جنود صهاينة وإصابة 12 آخرين.

 

3- عملية "بيت ليد" المعجزة: والتي نفذها الشهيدان أنور سكر وصلاح شاكر بتاريخ 22-1-1995م، ليفجرا جساديهما الطاهرين وسط أكبر تجمع للجنود الصهاينة مما أسفر عن مقتل أربعة وعشرين صهيونياً وإصابة أكثر من سبعين آخرين.

 

4- عملية "كفارداروم" الجهادية: والتي نفذها الشهيد خالد الخطيب بتاريخ 9-4-1995م، باقتحام سيارته المفخخة لسيارة باص تقل جنوداً صهاينة وقد أسفرت العملية عن مقتل 8 جنود وإصابة 40 آخرين.

 

     هكذا قتلوا "محمود"

 

وفي تاريخ 22-6-1995، وكعادته، توجه محمود إلى عمله بعد صلاة الفجر.. استيقظ من نومه مبتهجًا وأخبر زوجته برؤيا رآها في المنام بأن ثلاثة أشخاص أطلقوا عليه النار عليه فاستشهد،وودع زوجته وخرج، وفي تمام الساعة السابعة إلا ربع من صباح ذلك اليوم، كانت الشوارع خالية إلا من عدد قليل جداً من المارة أغلبهم من طلبة التوجيهي الذين كانوا متوجهين لتأدية امتحان في مدرسة قريبة ، وإذ بثلاثة أشخاص يقودون سيارة "بيجو 404" يكسرون صمت المكان برصاصات تسع غادرة تتجه نحو جسد القيادي المؤسس "الخواجا" ليسقط أرضاً مضرجاً بالدماء وسط تكبيرات أبناء مخيم الشاطئ الذي سقط فيه رأسه وليداً، وارتقت به روحه شهيداً.