الإعلام الحربي – خاص
رحل محمود طوالبة في مثل هذه الايام المباركة بعد أن أودع في كل بيت فلسطيني وردة مغروسة وسط الدار لا ترويها المياه بل الدماء ولن تذبل أبداً.. ينظر إليها الناس فيذكرون محمود الذي أودعهم هذه الأمانة ويقسمون بمواصلة الطريق والنهج المقدس..
بدأ الليل يرخي سدوله مساء يوم الثامن من نيسان/ أبريل عام 2002، حينها رفع أبو عبد الله كفيه إلى السماء متمتماً بدعاء خافت، مبتهلاً إلى الله عز وجل أن يسدد رميته ويرزقه الشهادة في سبيله مقبلاً غير مدبر.
وفي أحد خنادق الجهاد الأولى حيث كان في أيام مطاردته مع إخوانه المجاهدين، غطى أبو عبد الله وجهه بكفيه وغاب في عالم الذكريات إلى ذلك اليوم القريب الذي طلّق فيه الدنيا الزائلة، وغاب عن زخرفها، تاركاً المال والأهل والولد بعد أن خاض ميادين الجهاد والمقاومة في كافة المواقع، لا يعرف له الخصم طريقاً.
طوالبة تحول إلى أسطورة بعد أن ارتقى سلم المقاومة تدريجياً وأتقن مهارات تصنيع العبوات وحرب العصابات، واستشهد بعد أن أصبح من أكثر من تطالب حكومة الاحتلال باغتيالهم، وذلك خلال الصمود البطولي ضد قوات الاحتلال التي حولت مخيم جنين إلى ركام.
نشأة طوالبة
ولد الشهيد القائد محمود أحمد محمد طوالبة في أحضان مخيم جنين للاجئين بتاريخ 19/3/1979 لأسرة فلسطينية مجاهدة لجأت إليه بعد نكبة عام 1948 بعد أن دمر الاحتلال منازلهم وشردهم من قريتهم نورس القريبة من حيفا. والشهيد هو الابن الثاني في أسرته المكونة من 9 أفراد وتقول والدته منذ صغره بدت عليه علامات التأثر بما تعرض له شعبنا من مآسي ونكبات, فتأثر بواقع معاناة اللجوء والحياة القاسية في مخيم جنين، فكبرت معه روح الانتماء للوطن والاستعداد للمقاومة وكراهية المحتل الغاصب الذي حرمه من حقه في العيش بأرضه كباقي البشر, وعندما كان يتحدّث والده عن مجازر الاحتلال وإرهابه كان يتمنى أن يكبر بسرعة لينتقم ويثأر من الصهاينة القتلة.
وفي صغره اعتاد محمود ارتياد المساجد والصلاة فيها وعرف بتدينه وورعه، وتزوج طوالبة ورزق ببنت أسماها دعاء، وولد أسماه عبد الله، وبقيت حياة هذا البطل هادئة حتى بداية أحداث انتفاضة الأقصى المبارك في العام 2000.
وفي مخيم جنين وسط المنازل الصغيرة المتلاصقة أمضى محمود حياته القصيرة التي لم تتجاوز 23 عاماً، والتي أضحى فيها بطلاً شعبياً يرتقي فيها إلى درجة الأسطورة بالنسبة لأهالي المخيم ممن تبقى منهم بعد أن سويت منازله بالأرض ما بين 11 و13 نيسان 2002.
طوالبة وانتفاضة الأقصى
كان حديث شهيدنا القائد الدائم منذ الصغر عن فلسطين وحق العودة وحلمه الشهادة لذلك لم يتأخر في تحقيق حلمه، فانخرط في صفوف المقاومة وحركة الجهاد الإسلامي في ريعان الشباب, وبدأ يقضي أوقاته في المسجد ودور العبادة وساحات المقاومة ودعوة الشباب للعودة إلى الدين والإسلام وحمل لواء الجهاد. وفور اندلاع انتفاضة الأقصى لم يكتفِ طوالبه بالمشاركة في المواجهات والمسيرات بل شرع في تشكيل المجموعات السرية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي والتي عملت على تطوير عمل المقاومة، والارتقاء بوتائر العمل الجهادي المقاوم عبر رفد انتفاضة الحجر بالسلاح وعمليات المقاومة التي سرعان ما طورها إلى عمليات استشهادية.
ومع انطلاقة انتفاضة الأقصى نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2000 كان للشهيد طوالبة دور مميز وكبير، فالتحق بصفوف حركة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس بعد أن تعرف على الشهيد محمد بشارات أحد أبرز قادة السرايا وعمل معه وقاتل إلى جانبه، وشاركه في كثير من عمليات إطلاق النار على الطرق الالتفافية التي كانت تمر منها قوافل المستوطنين والجيش الصهيوني.
وبعد أن اشتد عوده وتمكن من استعمال السلاح وتصنيع المواد المتفجرة، عُين قائداً عسكرياً لسرايا القدس في مخيم جنين، وعمل من خلال موقعه على الإشراف والتنفيذ المباشر لكثير من العمليات الاستشهادية التي قامت بها سرايا القدس.
رحلة الجهاد
أصبح طوالبة بعد عدد من العمليات الناجحة بنداً من بنود المحادثات الأمنية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الصهيونية التي مارست ضغوطاً حتى قامت السلطة باعتقاله في أواخر العام 2001 مما أثار تظاهرات شعبية استمرت ثلاثة أيام أمام أحد المراكز الأمنية قرب جنين حيث كان معتقلاً، ونقل لاحقاً إلى سجن نابلس حيث نجح في الفرار بعد أن استهدفت المقاتلات الجوية الصهيونية المعتقل بهدف القضاء على من فيه.
وفي مقابلة مع إحدى القنوات الفضائية بتاريخ 2002/2/17 قال الشهيد القائد محمود طوالبة (إن ما يقوم به العدو من اعتقالات واغتيالات وجرائم ضد ناشطين ومجاهدين فلسطينيين لن يؤدي إلى وقف جهاد شعبنا)، وقال أيضاً لوسيلة إعلامية أخرى (إن عمليات الاغتيال لن تردعنا ولن تردع الجهاد الإسلامي، ولا كتائب شهداء الأقصى، ولا القسام، ولا الشعب الفلسطيني كله، بل سنواصل نضالنا واقسم بالانتقام لدماء رفاقي).
تعرض الشهيد طوالبة كذلك لعدة محاولات اغتيال من بينها محاولة الاغتيال التي سقط فيها الشهيدان مجدي الطيب وعكرمة ستيتي من كتائب شهداء الأقصى، حيث استطاع أن ينزل من السيارة قبل إصابتها بصاروخ طائرة الاباتشي بلحظات، واستطاع أن ينجو كذلك من تفجير المحل التجاري الذي كان يعمل فيه مع أخيه بعد اكتشاف العبوة الناسفة في الوقت المناسب، إضافة إلى مغادرته لسجن جنيد حيث كان معتقلاً هناك قبل قصفه بالطائرات بوقت قصير.
معركة مخيم جنين
يقول أحد مقاتلي سرايا القدس بالمخيم واحد رفاق أبو عبد الله، إنَّ الشهيد طوالبة في أول أيام المعركة ذهب إلى أحد البيوت التي كان موجوداً فيه أهله، وبعد أن ودع زوجته وطفلاه دعاء وعبد الله ارتدى بدلته العسكرية وخرج لقيادة المجموعة المرابطة في حارة طوالبة، فقام على الفور بتلغيم بيته وجميع البيوت المجاورة، وبعد أيام قلائل عندما اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة قام الشهيد القائد ورفاقه بتفجير عدد من العبوات الناسفة مما أربك الجنود الصهاينة وأجبرهم على الانسحاب.
ويقول أحد شهود العيان: لاحظ الشهيد محمود عدداً من الجنود ما زالوا في منزله فقام بحركة سريعة تمثلت في هجوم معاكس، وفجر عدد من العبوات التي كان يحملها على ظهره مما أدى إلى مقتل أربعة جنود على الفور.
استشهاده
في يوم الاثنين 8/4/2002 تراجع الشهيد محمود مع عدد من المجاهدين منهم رفيق دربه الشهيد عبد الرحيم فرج والشهيد شادي اغبارية (نوباني)، إلى منطقة جورة الذهب في المخيم حيث حوصر هؤلاء الشهداء في أحد المنازل فقامت الطائرات الصهيونية بقصف المنزل مما أدى إلى استشهاد محمود ورفاقه.
أسطورة طوالبة
لم يصدّق الأهالي نبأ استشهاد القائد محمود طوالبة، بل بقيت حكاية استشهاده، تُطرح حولها الأسئلة، وبقيت الناس تردد اسمه، وتخفق القلوب به، وترفض العقول كل الحكايات المتداولة التي تتحدّث عن استشهاده، فالناس قد عشقت هذا الإنسان لبطولاته، وسيرته العطرة بينهم، ولتضحيته التي قرن فيها القول بالعمل، فهو لم يرسل الاستشهاديين فقط بل أرسل أخاه لتنفيذ عملية استشهادية في حيفا إلا أن الله شاء أن تعتقل قوات العدو أخاه الشهيد الحي.

