الشهيد "محمد سدر": المهندس المبدع لعمليات السرايا النوعية

الإعلام الحربي _ خاص

محمد سدر.. لقد علمتنا كيف يكون الرجال الرجال.. وكيف يكون الصدق مع الله .. وكيف يكون الوفاء بالعهد مع الله والشعب والأمة.. لقد عشت بطلاً ومت بطلاً. لقد علمتنا في استشهادك أن البطل لا يستطيع أن يكون إلا بطلاً.

لقد نادوا عليك بمكبرات الصوت، أن تستسلم وتنجو بنفسك فأبيت، ووقفت لهم وجهاً لوجه، فارعاً كنخل فلسطين، شامخاً كجبال فلسطين، معطاء كزيتون فلسطين، وأمطرتهم بوابل من القنابل والنيران لترتقي إلى العلا شهيداً مباركاً.. وكتبت لنا درساً في البطولة.. درساً في الرجولة والنخوة والشهامة.. درساً في العزة والكرامة.

إننا ونحن نودع القائد العملاق محمد سدر لا نسدل الستار على نهاية بطل في تاريخ صراعنا وجهادنا، لأن دمه اليوم يزرع الأرض بدايات جديدة وينبت أبطالاً وقادة ومقاتلين واستشهاديين جدد، يحملون الراية من بعده ويثبتون للعالم كله أننا لن ننكسر، ولن ننحني، ولن نتراجع، وأننا من دم محمد سدر "أبو أيوب" سنصل إلى فلسطين.. إلى النصر والتحرير.. فدم الشهداء خارطة الطريق إلى حيفا ويافا والقدس والخضيرة والعفولة ووادي النصارى وكل بقعة من فلسطيننا السليبة.

مـولـده ونشأته

ولد الشهيد المهندس محمد أيوب سدر، بتاريخ (14/1/1978م)، تربى وترعرع في عائلة مرابطة مجاهدة محتسبة صابرة، وعاش الشهيد في أسرة متواضعة مستورة متدينة، وكان ترتيبه الثالث حيث كان يكبره أختان أما هو فكان أكبر الذكور لدى إخوته ويوجد بعده سته إخوة وأخت، درس شهيدنا محمد المرحلة الابتدائية في مدرسة الأيوبية ومن ثم مدرسة الراشدين التّحق بالمدرسة الصناعية التابعة لليتيم العربي في القدس المحتلة، وحصل في التوجيهي على معدل (94) حيث كان الأول على فصله.

التحق بجامعة (البوليتكنك) فلسطين جامعة المهندسين والاستشهاديين وكان في السنة الخامسة والأخيرة حينما أصبح مطارداً من قبل قوات الاحتلال. وكان من المفترض أن يتخرج قبل عامين وقد تخصص في الخراطة والتسوية.

أخـلاقه وصفاته

كان الشهيد محمد سدر كريماً متسامحاً ومتديناً منذ صغره وكان لا يضحك إلا للضرورة القصوى وإذا سئل عن ذلك فيقول كيف نضحك ونحن تحت الاحتلال. وكان يحب أن يشارك إخوانه في ملابسهم ولا يغضب إن شاركوه في ملابسه، كان محبوباً لدى أسرته جميلاً ذكياً هادئاً يستحق لقب الأمير منذ صغر سنه ذو شخصية مميزة خجول جداً، وتميز يحب الرياضة وركوب الخيل وكرة القدم ورفع الأثقال ولعب الكاراتيه، وكان خلوقاً متديناً متواضعاً خجولاً كتوماً، وكان يحب مساعدة الجميع خاصة طلاب الجامعات وعمل في مجلس الطلبة في الجامعة وكان يساعدهم ويجمع التبرعات ويعمل بجد ونشاط على حساب راحته ويقول دائماً كله في سبيل الله.

كما تميز الشهيد محمد سدر بالصدق والأخلاق الحميدة والإنتماء الحقيقي للإسلام وفلسطين وزهده التقشف وابتعاده عن الشهرة والعمل بصمت، ولقد اختاره الله سبحانه وتعالى من ذروة شبابه وذروة علمه وفي لحضه إقبال الدنيا عليه لكنه لم يهتم وكان يقول لوالدته باستمرار "أنا سأدخلكم الجنة إن شاء الله فلا تحاولوا أن تردوني عن هذا الهدف".

لم يمضِ الشهيد محمد سدر وقت طويل مع والدته خلال سنوات عمره فقد مكث عامين في مدينة القدس ثم خمس سنوات في جامعة البوليتكنك وعامين في المطاردة. ولم يرغب أن يسكن خلال دراسته في منطقة قيزون حيث تسكن العائلة بل استأجر منزلاً في حي وادي أبو كتيلة لأنّ المنطقة التي كان يسكن فيها مصنّفة تحت السيادة الصهيونية الكاملة.

رأى الشهيد سدر لنفسه رؤيا وكان عمره 10 سنوات حيث قال لوالدته: لقد رأيت حلماً غريبا لقد رأيت في منامي أنني أعبث بتراب الأرض فرأيت حقيبة ولما فحصتها وجدت فيها مفتاحاً فأخذته وشاهدت باباً ففتحته فيه وإذا بالغرفة التي دخلتها مليئة بالذهب والمجوهرات والكنوز ثم أغلقت باب الكنز وأبقيت المفتاح في جيبي.

المطـاردة

أصبحت قوات الاحتلال تبحث عن القائد محمد سدر بعد حادثة محاولة الاغتيال التي تعرض لها في (10/12/2001م)، عندما هاجمت صواريخ الأباتشي الصهيونية السيارة التي كان يستقلّها بالقرب من مربع سبته في الجزء الغربي من مدينة الخليل، وقد هرب من السيارة وقد أصيب بجروح وشظايا في وجهه وساقه وكفيه وعنقه وقد استشهد في نفس الحادثة ابن خاله الطفل برهان الهيموني ووسام عرفة وأصيب والد الطفل الهيموني بجروح بالغة ظل متأثر بها حتى استشهد بعد عامٍ ونصف.

تعرض الشهيد المهندس محمد سدر للاعتقال لمدة سبعة شهور في سجون الاحتلال الصهيوني، اعتقلته أجهزة السلطة الفلسطينية لمدة شهرين بسبب فكره الجهادي المقاوم.

لم تعرف عائلة الشهيد القائد محمد سدر أنّ نجلها محمد كان مطلوباً وأنه مسؤول في سرايا القدس إلاّ بعد هذه الحادثة، ولكنهم كانوا يعلمون أنه عضو عادي في مجلس اتحاد الطلبة، ومنذ ذلك الحين ظل مطارداً لقوات الاحتلال التي حاولت اغتياله مرات أخرى ولكنها فشلت، ومنها أيضاً محاولة قتله بمسدس كاتم للصوت على يد أحد العملاء قبل أشهر من استشهاده، كما حاولت طائرات صهيونية اغتياله في منطقة الحرس شمال مدينة الخليل وقد أوكلت عملاء يراقبونه 24 ساعة.

جهـاده

عندما وقعت عملية شارع وادي النصارى في البلدة القديمة في الخليل وقتل (14) جندي صهيوني أثارت هذه العملية جدلاً صهيونياً كبيراً خاصة وأنّ قائد الخليل العسكري قتل في هذه العملية وقد سجلت فشلاً ذريعاً للجيش الصهيوني ولاستخباراته، وقد صرح موفاز في تلك اللحظة أنه لابد من القبض على محمد سدر أو قتله، وقال هناك ثأر شخصي بيني وبينه.

نسبت سلطات الاحتلال للشهيد محمد سدر عدة عمليات منها عملية شارع وادي النصارى التي قتل فيها 14 ضابطاً وجندياً صهيونياً حسب اعتراف العدو، بالإضافة إلى عملية مستوطنة عتنائيل التي قتل فيها 4 جنود صهاينة وأصيب فيها أكثر من 8 آخرين. وعملية خارصينا التي قتل فيها ثلاثة صهاينة، وعملية التلة الفرنسية التي قتل فيها ستة صهاينة وأصيب أكثر من خمسين وكان منفذها الشهيد حاتم الشويكي من الخليل.

وقد عرف الشهيد لدى قوات الاحتلال على أنه مهندس سرايا القدس وقائدها العسكري وسخّرت قوات الاحتلال واستخباراته إمكانيات كبيرة لاعتقاله حياً أو ميتاً.

وبعد عملية وادي النصارى قامت قوات الاحتلال بهدم منزل عائلته المكون من ثلاثة طوابق فيها شقتان مفروشتان إحداها كانت معدة للشهيد محمد وتبلغ مساحة البناية أكثر من 280 متراً.

قصـة الاستشهـاد

في تاريخ 14/8/2003 بدأت عملية محاصرة الجيش الصهيوني للمنطقة التي كان فيها القائد محمد سدر وخاض معهم اشتباكاً عنيفاً أثناء محاصرة المنزل في واد الشعابة غرب مدينة الخليل. وقد قامت القوات الصهيونية بإرسال كلب أثر ولكن تم إطلاق النار عليه من قبل الشهيد محمد وقتل الكلب على الفور ثم قامت قوات الاحتلال بإطلاق صواريخ على المكان الذي كان فيه الشهيد حتى أحرق المكان تماماً.

ظل الشهيد محمد سدر يقاوم لأكثر من 10 ساعات واستشهد وسلاحه في يده وظل قابضاً عليه بيديه وحسب روايات شهود عيان فقد واجه الجنودُ الصهاينة صعوبة في انتزاع السلاح منه بعد استشهاده حيث كان قابضاً عليه بقوة.

السرايا تنعى وتتوعد بالرد

بعد عملية الاغتيال بحق القائد محمد سدر، أصدرت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بياناً عسكرياً، نعت فيه الشهيد، وتوعدت العدو الصهيوني برد موجع رداً على عملية الاغتيال الجبانة.

وجاء في البيان:" إن سرايا القدس إذ تزف الشهيد القائد البطل محمد أيوب سدر لتؤكد لجماهير شعبنا وأمتنا والعالم بأكمله أن الاحتلال الصهيوني قد تجاوز بهذه الجريمة البشعة كل الخطوط الحمراء في خروقاته وانتهاكاته المتواصلة لقرار تعليق العمليات التي التزمت به سرايا القدس وحركات المقاومة".

وأوضح البيان أن القائد محمد سدر هو أحد أبرز قيادات سرايا القدس، ومن المخططين لسلسلة من العمليات النوعية ضد قوات الاحتلال أبرزها عملية الخليل الشهيرة التي نفذتها سرايا القدس في منطقة وادي النصارى بالقرب من الحرم الإبراهيمي بتاريخ (15/11/2002)، وسقط فيها أربعة عشر عسكرياً صهيونياً على رأسهم القائد العسكري الصهيوني في الخليل (درور فاينبرغ).

وتوعدت سرايا القدس بالرد على عملية الاغتيال حيث جاء في البيان:"إن سرايا القدس أصدرت تعليماتها لمجاهديها بالرد على هذه الجريمة النكراء بما يتناسب وحجمها، وفي أي مكان تصل إليه سواعد المجاهدين وأجساد الاستشهاديين الأبطال".

العدو يسلم جثمانه الطاهر

وكانت قوات الاحتلال قد سلمت الشهيد القائد محمد سدر بتاريخ 31-5-2012م، بعد أن احتجزت جثمانه الطاهر لمدة 9 أعوام بعد أن اغتيل على يد قوة صهيونية بعد اشتباكات طويلة وحصار استمر ساعات طويلة بتاريخ 14-8-2003م في الخليل.

وأجريت مراسم استقبال رسمية لرفات الشهداء في مقر محافظة الخليل، تلاها الصلاة على جثامينهم في ملعب مدرسة ابن رشد والاحتفاء بهم وحملهم والتجوال بهم على الأكتاف، وبعدها تسلم أهالي الشهداء الجثامين من أجل مواراتها الثرى.

ونظمت الفصائل الفلسطينية وفي طليعتها حركة الجهاد الاسلامي مسيرة جماهيرة شارك فيها آلاف المواطنين الذين انطلقوا من منطقة رأس الجورة بالمدينة، وصولا إلى ساحة مدرسة ابن رشد حاملين رايات الفصائل والأعلام الفلسطينية، وصور الشهداء المفرج عن جثامينهم، ومن بينهم 4 من أبرز قادة سرايا القدس وهم: « محمد سدر » و« عبد الرحيم التلاحمة » و« ذياب الشويكي » و« أحمد ابو دوش »، ويعدا من أبرز المخطيين لعمليتي زقاق الموت ومستوطنة عتنائيل اللتان أسفرا عن مقتل 20 ضابطاً وجندياً صهيونياً.

disqus comments here