الأسير "سمير طوباسي".. أصر على الجهاد والاستشهاد فكان الاعتقال المؤبد

الإعلام الحربي _ خاص

هو ديدن كل من أبى الذل والهوان على نفسه وعرضه وأرضه، أن ينتفض في وجه الظلم شاهراً سيفه فما العز غلا رجالاً تصنعه وجباه عالية لا تعرف الخضوع ولا الركوع إلا لله عزوجل، هكذا كان منشأ مجاهدنا الأسير سمير عبد الفتاح طوباسي الذي درج في مرابع الكرامة، فلقد تعلم منذ نعومة أظفاره أن الأمل والإيمان بالحق سبب للنصر، ومن نزع الأمل من قلبه فهو دون شك ينزع منه حب الوطن، ومن عاشق شجر الزيتون في خطوات الذاهبين نحو الشهادة يعرف أنهم أهل الأمل واخضرار الدروب والإيمان بغد مشرق مهما اشتدت الظلمات.

الخامس عشر من سبتمبر لعام 1982م، هو تاريخ ميلاد الأسير المجاهد سمير عبد الفتاح رضى طوباسي بين أروقة وجنبات جنين الحرة، كبر وترعرع صانعاً في مخيلته عنفواناً لا ينضب وحقداً بلا حدود فهو الذي شاهدت عينه إجرام الاحتلال بحق أبناء شعبه يرتقون شهداء، فبما صنعت أيدي الاحتلال من إجرام كان أسيرنا المجاهد طوباسي يتربى على أن الحق لا يسترجع إلا بالنضال والقوة، وأن الظلم لا يرده إلا الرجال.

قائمة تطول من الرجال الأشاوس أنجبتهم مدينة جنين وسطروا تاريخاً رائعاً ومشرقاً كتبت حروفه بالدم والمعاناة والصمود الأسطوري في وجه الجلاد، قائمة شكلت اللبنة الرئيسية في حياة الأسير سمير طوباسي.

حياته لم تكن لتحيد عن درب هؤلاء ممن مشوا على الطريق المكحل بدم الشهادة والممهور بالتصميم والإصرار والإرادة المكتوبة بحبر الصبر، فكان منذ طفولته مثابراً على موائد الفقه متميزاً في مشاركته لكل الفعاليات التي بوصلتها الوطن.

تعد عائلة طوباسي من أكثر العائلات الفلسطينية تضحية وإقداماً في انتفاضة الأقصى، فابن عمه الاستشهادي شادي طوباسي الذي استشهد في عملية استشهادية بتاريخ 31/3/2002م، وابن عمه الشهيد أسامة طوباسي الذي استشهد في اشتباك مسلح مع الجيش الصهيوني بتاريخ 1/11/2002م، وابن عمه الأسير القائد سعيد طوباسي أحد قادة سرايا القدس في جنين، وما هي إلا سنوات حتى استشهد شقيق المجاهد سعيد الشهيد أحمد طوباسي بتاريخ 31/1/2006م، وجاء الخبر الأصعب في العام 2013م، وهو نبأ استشهاد المجاهد إسلام طوباسي الشقيق الثاني للمجاهد سعيد طوباسي، فما كان من ابن عمه سمير إلا أن يصبر ويحتسب، ويصبر ابن عمه سعيد عبر الرسائل التي أرسلها إليه أثناء وجود المجاهد سعيد في سجن هداريم الذي أمضى فيه أكثر من 14 عاماً.

انضم لصفوف حركة الجهاد الإسلامي فكان مشاهداً فاعلاً وشجاعاً، ومع انطلاق انتفاضة الأقصى المباركة ازدادت حميته للدفاع عن وطنه وهو يرى الشهداء يرتقون إلى العلا كل يوم والأقصى ينتهك دون نصير، وتوجه إلى الشهيد القائد محمود طوالبة بحكم صداقته معه والعمل معه في محلاتهم التجارية، تكونت علاقة قوية بين المجاهد سمير طوباسي وبين القائد محمود طوالبة وتعززت الثقة بينهما.

طلب الأسير سمير طوباسي من القائد محمود طوالبة أن يساعده في تنفيذ عملية استشهادية، فرد عليه القائد طوالبة بأن عليه أن يتريث قليلاً، ثم عاد إليه مرتين بإصرار وعزيمة أكثر من المرة الاولى، فوافق حينها القائد طوالبة داعياً إياه للانتظار، وأنه في أي لحظة قد يتم استدعاؤه لتنفيذ العملية الاستشهادية.

بتاريخ 15/8/2001م، خرج الأسير سمير طوباسي وبين عينيه هدفان اثنان إما أن ينتصر وينصر شعبه، وإما الشهادة في سبيل الله، تبعته عيون غادرة وما عزم عليه من عمل جهادي يشفي به صدور قوم مؤمنين، فخرج متحصناً بالإيمان بالله ومسلحاً بالثقة بأنه على الحق وأن الوطن لا يحرر إلا بالدم متجاوزاً كل العقبات التي يضعها العدو أمام شعبنا محاولاً منعهم من أداء واجبهم الجهادي.

صبيحة ذلك اليوم توجه الأسير المجاهد سمير طوباسي بسيارته حاملاً حقيبته المفخخة المباركة نحو الحاجز الذي يفصل مدينة جنين عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، توجه والثقة تملأ قلبه بالنصر والإيمان والعزيمة والإرادة على النيل من الغاصب لأرضه ووطنه وأن جنة الخلد قاب قوسين أو أدنى ولسانه رطب بالشهادتين والتكبير والتهليل وعيناه لا تحيد عن طريق الشهادة، لكن مشيئة الله أرادت غير ذلك، موعد رحيله إلى الجنان لم يحن بعد فقد بقي له نصيب من هذه الدنيا الفانية ولم تتحقق أمنيته بالشهادة بل دخل مرحلة جديدة من النضال، وعلى ذلك الحاجز قامت قوات الاحتلال الصهيوني باعتقال الأسير سمير طوباسي بعدما كشف أمره ولم يتمكن من تفجير حقيبته لأنه كان يحاول الوصول إلى داخل أراضينا المحتلة.

لحظة اعتقاله خضع مدة شهرين ونصف لأقسى إجراءات التحقيق الميداني الوحشي تخللها تعذيب وضرب وإيذاء وضغط نفسي محاولين النيل من عزيمته والحصول على اعتراف منه حول المهمة التي كان سينفذها، وبعد خروجه من التحقيق وانتقاله إلى أقسام الأسرى منع الأسير طوباسي من زيارة أهله إلا بعد مرور سنتين على اعتقاله كنوع من الانتقام والعقاب الذي تمارسه إدارة السجون بحق الأسرى.

كانت تهمة الأسير سمير طوباسي الانتماء والعضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي والمشاركة في عمليات السرايا ضد قوات الاحتلال، ومحاولة تنفيذ عملية استشهادية، حكم على إثرها بالسجن المؤبد مدى الحياة، صابراً محتسباً متنقلاً بين سجون الاحتلال شاهداً فيها على جرائم الاحتلال بحق الأسرى، ذائقاً ألم العزل ولوعة الفراق والبعد عن الأهل.

وفي منتصف عام 2014م، قامت إدارة سجن جلبوع بعزله انفرادياً هو ومجموعة من أسرى حركة الجهاد الإسلامي متهمةً إياهم بحفر نفق في الغرفة التي كانوا فيها، حيث اقتحمت غرفتهم ليلاً وقامت بحملة تفتيش وتخريب نقلوا على إثرها إلى عزل سجن نفحة الصحراوي، لم يخرجوا من العزل إلا بعدما خاضوا معركة الأمعاء الخاوية، فأعلن الأسير سمير طوباسي الإضراب عن الطعام هو ورفاقه الأسرى حتى خضعت غدارة السجون لمطلبهم بإنهاء عزلهم الانفرادي.

وكما كل أسرانا الابطال لم يكن السجن يوماً لهم قهراً وخضوعاً فبعزمهم وصمودهم كانوا كسنديان الوطن وأشجاره العتيقة تبقى واقفة رغم كل عواصف المحن وأن القلوب المؤمنة يبقى نبضها إصراراً على الانتصار وكسر القيد

حطم الأسير المجاهد سمير طوباسي كل المعيقات أمامه لإكمال تعليمه؛ فاجتاز الثانوية العامة داخل الأسر، ومن ثم التحق بجامعة الأقصى بغزة ليدرس البكالوريس في التاريخ بتفوق كبير، واستطاع أن يدرس في الجامعة العبرية باللغة العبرية تخصص العلوم السياسية، وأنهى 36 ساعة دراسية قبل أن يتم منع التعليم الجامعي في سجون الاحتلال وفقاً لقانون "شاليط"، ليثبت أن الوعد والعهد والتصميم يبقى مورقاً مزهراً فواحاً يمد ظلاله الوارثات على صحراء السجن فتتحول إلى جنة فيحاء.

ولم يكتف بذلك حيث لا يمكن للإنسان أن يشبع من العلم، فحرص على الازدياد فتمكن من الحصول على عدة دورات ثقافية ودينية في مواضيع مختلفة منها علوم القرآن وعلوم الحديث وأحكام التجويد واللغة العبرية ودراسات في تاريخ فلسطين بطرق منهجية، وآمن أن العلم ضروري جداً لفهم حقيقة وطبيعة العدو الصهيوني، وكيف يمكن مواجهته حاضراً ومستقبلاً.

ورغم تتابع السنوات الحالكات في سجون الصهاينة يبقى لسان حال أسيرنا المجاهد قائلاً "شمسنا شمسان، شمس في السماء وشمس خلف القضبان تحكي حكايتنا تروي آهاتنا لا تحدها الجدران هي شمس لا تغيب تنير رغم الظلم والنسيان".

disqus comments here