الأسير "حسام عابد".. مجاهد صامد وأسد في الزنازين

الأربعاء 25 سبتمبر 2019

الإعلام الحربي _ خاص

هناك أناس يكتبون التاريخ بما اشتمل عليه من أحوال الأمم والشعوب والأحداث وتقلبات الزمان، وبالمقابل هنالك أناس يصنعون التاريخ بما يخلدون من اعمال جليلة وآثار عظيمة حميدة، فيدخلون التاريخ ويصبحون هم مادة لكتابة التاريخ، وحديثنا اليوم عن أحد هؤلاء الأبطال من مجاهدي سرايا القدس في الضفة الغربية المحتلة ممن اكتست أعمارهم بسنين من الألم والقهر، ولكنه لم يفقد الأمل فكان ولا زال وسيبقى يحلم بأن يرى جيلاً يخلد من أشعلوا الفتيل، جيلاً يعشق ويقدس الماضي الذي يعتبر الحاضر امتداداً له، وعلى الرغم من عذابات السنين ولوعة الحرمان لا يزال مجاهدنا البطل ينتظر موعداً يحلم به منذ سنين، ألا وهو موعد الحرية والانعتاق من سجون العدو الصهيوني، وهو على يقين بأن آخر هذا النفق بقعة ضوء باعثة للأمل، حديثنا اليوم عن الأسير المجاهد حسام عدنان توفيق عابد.

الميلاد والنشأة

في قرية كفر دان قضاء محافظة جنين شمال الضفة المحتلة ولد الأسير المجاهد حسام عدنان عابد بتاريخ 1 – 3 – 1980م،  ليكون الخامس في عائلته المكونة من 11 نفر ، أنهى دراسته للصف العاشر وترك الدراسة في فترة التوجيهي واتجه نحو العمل وبسبب الظروف الصعبة عمل في مطعم في حيفا لمدة عام حتى اندلعت انتفاضة الاقصى، وتحت ضغط من عائلته توقف عن العمل في الأراضي المحتلة عام 1948م والبحث عن عمل جديد في مدينة جنين ليحظى بوظيفة في أحد المطاعم في جنين مطلع العام 2002م ليتمكن من خلال هذا المطعم من نسج علاقات اجتماعية ووطنية مع كافة القطاعات الشبابية والتنظيمية، فكان المطعم مقصداً لشباب الانتفاضة الفلسطينية.

بداية مشواره الجهادي

في عام 2002م تغيرت أفكار وأحوال الأسير حسام عابد حيث في هذه الفترة وتبعاً لقوة سرايا القدس ونجاح عملياتها الأسطورية بدأت أفواج الشباب تتنظم في صفوف سرايا القدس من أجل العمل على مواجهة العدو الصهيوني، فبدأ المجاهد حسام عابد  إلى جانب المجاهدين نهار السعدي ورامي سليط يسيرون معاً في طريق الله طريق ذات الشوكة ليبدأ نشاطهم في ظل حركة الجهاد الإسلامي وفي جناحها العسكري سرايا القدس، فاستغل المجاهد حسام عابد كونه يعمل في أحد المطاعم علاقاته الاجتماعية ومعارفه من أجل خدمة قادة وكوادر سرايا القدس، فلم يبخل على أحد في مساعدة واستفسار أو توفير حاجة له.

المجاهدة الربانية تبحث عن غريمها

كان الأسير حسام عابد يتمتع بسمعة حسنة وطيبة في أوساط الشباب في مدينة جنين، وتفانيه في خدمة الآخرين وحبه للسلاح، لفت نظر إحدى المحجبات اللواتي يترددن لتناول الطعام في المطعم لتبدأ قصة الأسير المجاهد حسام مع مجاهدة استشهادية.

فكان المكان جنين والزمان مطلع عام 2003م، عندما توجهت المجاهدة هبة دراغمة من بلدة طوباس إلى الأسير المجاهد حسام عابد من أجل مساعدتها في حاجة تسعى من أجلها منذ زمن وهي تنفيذ عملية استشهادية، وبعد حديث دار بينها وبين المجاهد حسام شعرت المجاهدة دراغمة أنها تقف امام مجاهد صادق ومخلص والأهم أنها تستطيع الوثوق فيه، وكذلك الأمر بالنسبة للمجاهد حسام الذي وجد أمامه فتاة محجبة ومرتدية الخمار رغم أنه لم يتمكن من رؤية وجهها إلا أنه شعر بالأمن والأمان والطمأنينة تجاه هذه المجاهدة.

المجاهدة الربانية أول الاستشهاديات

تفاجأ المجاهد حسام عابد بقدوم المجاهدة هبة دراغمة له وطلب منه تنفيذها عملية استشهادية وكان الخبر كالصاعقة بالنسبة له كونها فتاة وليسأل نفسه أسئلة كثيرة لماذا جاءت له بالتحديد وهل يمكن مساعدتها ..إلخ، وقالت له المجاهدة دراغمة أنه في حال رفضت مساعدتي سأبحث عن آخر لمساعدتي، وطلب المجاهد حسام منها إمهاله مهلة من أجل متابعة الأمر مع المجاهدين.

تم عقد اجتماع بين المجاهدين حسام عابد ونهار السعدي ورامي سليط وأطلعهم على تفاصيل ما دار بينه وبين المجاهدة دراغمة، وبعد نقاش وحوار معمق تقرر أن يتم مشاورة قادة سرايا القدس بهذا الامر لا سيما وأنه يتعلق بفتاة وليس برجل، وكان الموضوع معقداً لدرجة كبيرة، وما هي إلا أيام حتى تم إبلاغ المجاهدين حسام ورامي ونهار بأن قادة سرايا القدس لا مانع لديهم من إرسال المجاهدة هبة دراغمة لتنفيذ عملية استشهادية، وتم تكليف المجاهدين رامي سليط وحسام عابد ونهار السعدي بالاستعداد والتجهيز للعملية التي لم ولن تكون عملية كأي عملية سابقة.

بدأ المجاهدون الثلاثة بالاستعداد والعمل بجد ونشاط للتحضير للعملية وتم تجهيز شنطة المتفجرات، وتم الجلوس مع المجاهدة هبة دراغمة للتأكد من جهوزيتها نفسياً وإيمانياً وروحياً، وخلال جلوسهم معها علم المجاهدون أنهم يقفون أمام فتاة مؤمنة بالله عزوجل لها من الإرادة والعزيمة والإصرار ما يفوق الرجال.

تم تقسيم المهام بين قادة ومجاهدي سرايا القدس لإنجاح هذه العملية فمنهم من قام بتصوير المجاهدة هبة دراغمة برايات حركة الجهاد الإسلامي ومنهم من قام بتصنيع المتفجرات ومنهم من تكفل بعملية التوصيل غلى مكان التنفيذ، ليتم تحديد موعد العملية يوم الاحد بتاريخ 18 – 5 – 2003م، حيث قام المجاهد أحمد شيباني الملقب بالعندليب بتسليم المجاهدين رامي ونهار وحسام شنطة المتفجرات التي ستستخدمها المجاهدة هبة في العملية، وفي يوم الاحد كانت قد اعلمت أحد أقربائها تنفيذ عملية استشهادية ليصل الخبر إلى عائلتها لتمنعها من القيام بذلك وتم تأجيل العملية لليوم التالي، وتمكن الأسير المجاهد حسام من اصطحاب المجاهدة دراغمة من طوباس والتوجه إلى مدينة جنين.

وفور وصولها مدينة جنين كان في استقبالها المجاهدين رامي سليط ونهار السعدي وتم احضار شنطة المتفجرات، وقام المجاهد نهار السعدي بإيصالها إلى مدينة مقيبلة في الأراضي المحتلة عام 1948م وقام بنقلها سائق سيارة صهيوني إلى مكان تنفيذ العملية وتوصيلها إلى أحد المجمعات التجارية في مدينة العفولة بعد أن تم تجنيد الصهيوني لتوصيل الاستشهادية هبة دراغمة إلى موقع العملية بطريقة معقدة جداً.

الوصول إلى الهدف

فما كان من المجاهدة الاستشهادية هبة دراغمة إلا أن تتقدم نحو الهدف وما أن وقفت السيارة أمام أحد المجمعات التجارية في العفولة وهمت بالدخول إلى المجمع لتحقيق أمنيتها بأن تقتل أكبر عدد من الصهاينة وألا يبقى من جسدها قطعة واحدة إذا بالحراس يطلبون منها أن تفتح لهم الشنطة التي تحملها فإذا بها تبتسم وصاحت بقول الله أكبر  وفجرت نفسها أمام المجمع التجاري لتتناثر أشلاء الصهاينة في كل مكان وقد اوقعت العملية ثلاثة قتلى وأصيب 76 آخرين بجراح متفاوتة، وبهذه العملية تكون العملية الاولى في تاريخ الجهاد الإسلامي التي يتم فيها إرسال استشهادية.

ما بعد العملية الاستشهادية

استمرت الأجهزة الأمنية الصهيونية في ملاحقة قادة ومجاهدي سرايا القدس مما جعلهم يكثفون زرع العبوات الناسفة في أزقة وشوارع مدينة جنين لمنع تقدم آليات العدو، وخاضوا الاشتباكات العنيفة مع العدو، ليقبل العشرات بل المئات على سرايا القدس من أجل العمل الجهادي، فقدم المجاهدون رامي ونهار وحسام كل ما يلزم من أجل توسيع نشاط وعمل سرايا القدس في جنين، وتمكنت القوات الصهيونية من اعتقال المجاهد نهار السعدي واستشهد المجاهد رامي سليط أثناء محاولة إطلاق صاروخ لاو على أحد الجيبات الصهيونية في جنين.

حسام وحده في الميدان

شعر المجاهد حسام عابد أن حمله ثقيل وأنه بقي وحيداً في الميدان في مواجهة العدو الصهيوني، فقرر العودة إلى قرية كفر دان وكأنه يريد وداع أبيه وأمه وإخوته، وكان في ذلك الوقت قد قدم مساعدة لأخيه علام ومجموعته من أجل توجيه ضربة عسكرية عبر السلاح لقوة صهيونية قرب بلدة اليامون في جنين.

وفي تلك الليلة الظلماء اقتحمت القوات الصهيونية قرية كفر دان فترة من الزمن ثم غادرت فاعتقد المجاهد حسام أن الامر أصبح آمناً ولو أنهم أرادوه لما خرجوا من القرية، وبعد ان أخذ قسطاً من النوم إذا بالقوات الخاصة الصهيونية معززة بدباباتها وآلياتها وجنودها تحاصر منزل المجاهد حسام ومن كل مكان ليتم اعتقال الأخوين حسام وعلام بتاريخ 25 – 9 – 2003م.

السجن مدرسة الرجال

بدأ مشوار المجاهد حسام عابد الجديد في سجون العدو الصهيوني وحكم عليه بالمؤبد ثلاث مرات بالإضافة إلى 50 عاماً، وتبدأ معاناة عائلة المجاهد حسام عابد عبر تنقلها من سجن لآخر لزيارة ابنيها حسام وعلام، وما هي إلا أشهر حتى أقدم العدو الصهيوني على هدم منزل المجاهد حسام عابد بتاريخ 14 – 7 – 2004م، ليكون مصير العائلة أن تفترش الأرض وتلتحف السماء ومن معاناة لمعاناة.

على الرغم من الألم استطاع المجاهد حسام عابد أن يحول السجن إلى قلعة للعم، فحصل على شهادة الثانوية العامة ودرس في الجامعة العبرية وباللغة العبرية في تخصص العلوم السياسية ليتعرف على طبيعة وتفكير العدو الصهيوني، وما هي إلا فترة من الزمن وتم إصدار قرار يعرف بقرار أو قانون شاليط من خلاله تم حرمان الأسرى المعتقلين من الدراسة في الجامعة العبرية.

ولكن هيأ الله الظروف للمجاهد حسام بالانتساب إلى جامعة الأقصى في قطاع غزة ليحصل على بكالوريوس في علم التاريخ، ولا يزال مفعماً بحب العلم لدرجة أنه يعكف على دراسة بكالوريوس آخر في جامعة القدس المفتوحة.

ولطبيعة الحياة اليومية المؤلمة والصعبة التي يحياها الأسرى من عدم حصول عائلاتهم على تصاريح لزياراتهم في السجون، كان لا بد من البحث عن طرق أخرى للتواصل مع الأهل ونتيجة لذلك تم معاقبة المجاهد حسام عابد بزيادة حكمه بخمس سنوات ونصف بتهمة تهريب أجهزة خلوية لداخل السجن لاستخدامها في الاتصال مع الأهل، ليصبح حكمه الفعلي مؤبد ثلاث مرات بالإضافة إلى 55 عاماً ونصف.

وفي منتصف شهر ديسمبر عام 2014م، خاض الأسير حسام عابد برفقة  أكثر من 70 أسيرًا إضراباً مفتوحاً عن الطعام تضامنًا مع الأسير نهار السعدي لإنهاء عزله، وكذلك لمطالبتهم بإنهاء عزل رفاقه الآخرين من الأسرى.

وفي شهر سبتمبر عام 2019م، انتخبه إخوانه في أسرى الجهاد وأصبح أحد أعضاء الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال الصهيوني.

ورغم ذلك لا يزال الأسير المجاهد حسام عابد صامداً في سجون الاحتلال الصهيوني ولا تزال عيونه مفتوحة صوب القدس الشريف على أمل بالحرية والخلاص من الاحتلال الصهيوني الذي طال أمده، ولكن فجر الحرية قد اقترب، ويسألونك متى هو قل عسى ان يكون قريباً.