الجهاد الإسلامي من ثورة السِكين الى قُنبلة المُسيرات

الأربعاء 02 أكتوبر 2019

بقلم / محمد أسعد البيوك

لقد كان لمسلسل الهزائم , والفشل العربي والفلسطيني الذي لم يكن يتبنى الفكر الاسلامي كمنهج وأساس للعمل أثر كبير على تبلور فكرة إنشاء حركة الجهاد الاسلامي ولا يخفى أيضاً أهمية الموقف السلبي من الجهاد المسلح ضد الإحتلال الذي اتخذته الحركات والجماعات الإسلامية التي كانت قائمة على الساحة الفلسطينية أنذاك لذلك فإن حركة الجهاد الاسلامي لم تكن اضافة عادية أو رقمية على الساحة الفلسطينية بل كانت اضافة نوعية وجوهرية لسد فراغ غياب الحركة الاسلامية عن الصراع مع العدو الصهيوني لأنها كانت ترى ضرورة تقدم الاسلاميين للمواجهة وعدم ترك المجال للوطنيين فقط .

تكونت النواة الأولى لحركة الجهاد الإسلامي على يد الدكتور فتحي الشقاقي سنة 1980 , والذي كان ناصري الاتجاه والهوى حتى هزيمة 1967 , والتي شكلت هزيمة عنيفة له , غيرت اتجاهه السياسي مع مجموعة من رفاقه وجعلته يميل الى الاتجاه الإسلامي ولقد كانت هذه البداية الفعلية لنشاط حركة الجهاد في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تهيأ التنظيم لخوض غمار التعبئة الشعبية والسياسية في المساجد والجامعات ، والمدارس ، مع التركيز على الجانب التعبوي والسياسي للعبادة والشعائر الإسلامية بإقامة صلوات العيد في العراء وإحياء ليلة القدر بمهرجانات في ساحة السجد الأقصى ، وذلك للتعريف بفكرة الجهاد وغرسها في النفوس قبل أن تتبلور كحركة وكفصيل مقاتل على الساحة الفلسطينية منذ منتصف الثمانينات .

تُعتبر الفترة السابقة لإندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الأولى وفترة الإنتفاضة نفسها بدايات الإنتشار , والتوسع لحركة الجهاد الإسلامي فكرياً وعسكرياً , ولقد تعرضت الحركة حينها لضربات صهيونية موجعة لاسيما في المرحلة التي مر بها التنظيم بإتجاه تعزيز ذاته وتحوله من تنظيم نخبوي الى حركة جماهيرية ,خاصة وأن البنية التنظيمية للحركة وقتئذ – هي بنية نواتية مركزية .

كان الجهاد المسلح ضد العدو الصهيوني هو المبرر الأساسي لنهوض حركة الجهاد الاسلامي , ورغم أهمية الاسهامات الفكرية التي قدمتها الحركة , والخط السياسي الاسلامي المتميز الا أن هذا الامر أي الجهاد المسلح _ بقي الأهم بالنسبة لحركة اسلامية فلسطينية نهضت لتشكل اضافة حقيقية جديدة ولتحل الاشكالية التي كانت قائمة بين وطنيين بلا اسلام واسلاميين بلا فلسطين .

بدأت عملياتها العسكرية بثورة السكاكين التي تميزت بها الحركة في بداية التأسيس وكمائن واطلاق نار ضد جيش الإحتلال ورفعت شعار "الواجب قدر الامكان" وقتها , تطور بعد ذلك العمل وانتقل لمرحلة جديدة تمثلت بالعمليات الاستشهادية القاتلة بالنسبة لدولة الاحتلال وقد أصبح الجهاد الاسلامي عدواً لدوداً لها واجهته بكل عنف في محاولة لإستئصاله خاصة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وقد تعرضت الحركة لضربات عنيفة من الاحتلال وسلطة أوسلو وكانت مرحلة التسعينات مرحلة قاسية بالنسبة للحركة خاصة أنها شهدت اغتيال أمين عامها المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي.

في هذه المرحلة كانت الحركة في مواجهة مع عدوها المركزي المتمثل بالاحتلال ولم تسلم من السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية التي وصل بها الحد لقتل أبناء الحركة ( أيمن الرزاينة وعمار الأعرج ) وهم صائمون في مخيم الشاطئ , استمر المشهد المُعقد الى أن تفجرت انتفاضة الأقصى المباركة عام 2000 م والتي كانت فاتحة خير للمقاومة الفلسطينية وشهدت تميز لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي في جميع محافظات الوطن .

ولقد قدمت الجهاد الاسلامي طرازاً فريداً ورائعاً من العمل العسكري من جنين طوالبة الى رفح الشيخ خليل في العمليات الاستشهادية النوعية داخل أراضينا المحتلة وفي كل شبر مُحتل وعمليات اطلاق الصواريخ والقنص والعبوات الناسفة مما جن جنون الصهاينة الذين نفذوا أكبر عمليات اغتيال وتصفية بحق القيادة العسكرية في محاولة لإجتثاث الجناح العسكري ولكن كل ضربة كانت تزيد الحركة اصراراً وقوةً وصلابة .

شهدت أعوام 2005 , 2006 مرحلة جديدة من تطور العمل الصاروخي في سرايا القدس تمثلت ثمرة هذا التطور بضرب مدينة تل الربيع المحتلة لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية في معركة السماء الزرقاء عام 2012 الى أن وصلنا الى معركة البنيان المرصوص عام 2014 التي أبدعت فيها السرايا في كافة التخصصات والتشكيلات العسكرية ورأينا دخول صواريخ جديدة للخدمة براق 70 , 100 , استطاعت سرايا القدس أن تضرب فيها ما بعد تل الربيع وأيضاً في عام 2016 , 2017 , ودخول صواريخ البدر ذات القدرات التدميرية العالية والتي رأيناها في جولات (ثأر تشرين وحمم البدر) وجولات متعددة آخرى .

لقد كان عام 2019 عام الذروة لتطور هذا العمل بإدخال سرايا القدس تشكيلة صاروخية بمدايات جديدة قتلت الكيان في قلبه رأينا جزءاً منها في العرض العسكري لسرايا القدس الذي نظمته لبيعة أمينها العام الجديد المجاهد / زياد النخالة , ويستمر هذا التطور ليس على صعيد التشكيلات العسكرية والصاروخية فقط بل في مجالات أكثر حساسية وتعقيد بالنسبة للاحتلال فلقد كان إعلان سرايا القدس في فيديو مصور استهدافها لآليتين عسكريتين بواسطة طائرة مسيرة لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية هزيمة كبيرة لما تشكله هذه الأسلحة من خطر استراتيجي كبير .

حيث أنها ظنت ببنائها للجدار الأرضي أن خطر قطاع غزة الاستراتيجي قد انتهى ولكن هذه الصورة شكلت نكسة لهذا العدو ورسمت صورة انتصار للمقاومة ولقد نقل هذا العمل سرايا القدس الى صدارة العمل المقاوم في فلسطين فبرغم الحصار والتضييق إلا أن المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها سرايا القدس كل يوم تثلج صدورنا بإنجاز مقاوم جديد نسأل الله أن يمكنها مع فصائل المقاومة الفلسطينية من هذا المحتل وأن يحرر أقصانا وأن تكون هذه المقاومة دوماً في تطور فهي عنواناً لعزنا وفخرنا فالثورة التي بدأت بالسكين ووصلت للمسيرات لا بد أن يكون لها بصمات أقوى وأجمل قادمة بإذن الله.