انطلاقة الجهاد الإسلامي وصوابية الرؤية

بقلم/ عامر خليل.. المحلل السياسي والمختص في الشأن الصهيوني

في ذكرى انطلاقتها لا زالت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين صمام أمان القضية الفلسطينية بثوابتها الأساسية وعلى رأسها ان فلسطين التاريخية هي ارض العرب والمسلمين لا يمكن التنازل عنها في أي منعطف سياسي في حدود الـ 67 او اكثر او اقل من ذلك فهي 100% بمساحة 27 الف كيلومتر مربع ملك الشعب الفلسطيني، ولن يتم التنازل  عن أي جزء منها جراء أوضاع خلقتها أو تصنعها أطراف متعددة لحرف البوصلة عنها أو فرض الاستسلام عليه.

الكيان الصهيوني في أدبيات الحركة هو العدو المركزي للشعب الفلسطيني وعندما يقول المؤسس الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي لقد نهضنا لقتال العدو وما دون ذلك هوامش فان حركة الجهاد الإسلامي تبقى صمام أمان المقاومة الفلسطينية ترفع راية النضال والجهاد وتطور أدوات المقاومة وتمسك بالزناد وتضغط عليه لتؤكد للعدو ان المساومة على الحق أو حرف بوصلة المقاومة خداع يتوهمه حيث يعتقد أن منظومة التسهيلات يمكن أن توفر له اطمئنانا أو هدوءا.

شكلت حركة الجهاد الإسلامي منذ اللحظات الأولى لبلورة نشأتها استجابة للتحدي القائم في الإقليم العربي وتناغما مع حالة تكون محور المقاومة في مواجهة خلاصة الشر الذي تمثله الغدة السرطانية "إسرائيل" فهي نهضت في ظل معطيات كانت تشير بعد حرب تشرين أول 1973 الى امكانية التصالح معه عبر اتفاقيات الهدنة التي وقعت معه ثم اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 التي فتحت باب التطبيع مع تل ابيب وكان من الطبيعي انه في نفس هذا العام الذي انتصرت فيه الثورة الاسلامية في إيران وأغلقت سفارة الكيان في طهران ان يكون ادراكا واستشرافا يرقى الى الحقيقة التي يلمسها الجميع الأن فإيران هي الداعم والحليف الاول للمقاومة في فلسطين بعد اربعة عقود على انتصار ثورتها  ومن هنا كان كتاب الدكتور فتحي الشقاقي  "الخميني.... الحل الإسلامي والبديل" اشعاعا نوره يصل الى هذه اللحظة واذا أخطأ البعض التقدير في بعض المراحل فان صوابية موقف الجهاد الإسلامي يتأكد اليوم أكثر من ذي قبل.

مثل عام 1979 مرحلة مفصلية في التاريخ العربي سواء من جهة الانفتاح على الكيان والاعتراف به أو حرف بوصلة الصراع في اتجاه غير فلسطين فمع الغزو السوفيتيي لافغانستان انصبت الطاقات الحركية الإسلامية في حينه نحوها وتجاهلت العدو المركزي "الكيان الصهيوني" وبتمويل عربي خليجي تحولت ساحة افغانستان الى مركز توجهت اليه المقدرات البشرية والمالية وجرى التغافل عن قانون توحيد القدس وضمها بقانون شرع في الكنيست الصهيوني عام 1980 وتلا ذلك في العام 1981 مبادرة الملك فهد للتسوية مع الكيان والاعتراف به والتطبيع معه مقابل انسحابه لحدود 67.

كانت حركة الجهاد الإسلامي في هذا الوقت تنادي وتصرخ في كل مكان  عندما عادت طليعتها الأولى من مصر وانتشرت في القدس وجنين ورام الله والخليل وغزة... الكيان عدو مركزي يجب قتاله وعدم التصالح معه وان الواجب والعقيدة يفرض ذلك ومثلت مجلة الطليعة الإسلامية في ذلك الوقت والتي بسببها كانت موجة الاعتقال الأولى في صفوف الحركة ومن بينهم المؤسس فتحي الشقاقي شهادة على ذلك والتي صدرت تلك العناوين ومنها زوال "اسرائيل" حتمية قرانية ومن هنا بدأت حركة الجهاد الإسلامي جهادها باكرا وشكلت أول خلية عسكرية نهاية عام 1981 وكانت نواتها الاولى الأسيرين المحررين محمد ابو حصيره ومحمد الحسني.

تفاعلت الأحداث في المشهد الفلسطيني مع الدخول الى مربع التسوية فتجددت مسيرة الاتصالات غير المعلنة بين منظمة التحرير والكيان وقادها المرحوم هاني الحسن في باريس في منتصف الثمانينات بعد الاولى في السبعينات التي قادها محمود عباس وادى كل ذلك الى قول المرحوم ياسر عرفات في باريس كلمة "كادوك" الفرنسية  أي لاغي عندما سئل عن الميثاق الوطني الفلسطيني ومهد كل ذلك لبداية الاتصالات بين منظمة التحرير والولايات المتحد بعد الاعتراف بقرار 242 وولادة مشروع التسوية في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 ثم مؤتمر مدريد 1991 فاوسلو 1993 والانخراط الكامل للمنظمة في التسوية مع الاحتلال ونشوء السلطة الفلسطينية عام 1994.

في كل هذه المفاصل كانت حركة الجهاد الإسلامي تكتب شهادتها في مواجهة محاولات طمس معالم القضية الفلسطينية فتسلحت مجموعاتها العسكرية والتي بسببها جاء الاعتقال الثاني لمؤسسها الشقاقي منتصف عام 1986 وصولا الى معركة الشجاعية في 6-10-1987 ثم انطلاق شرارة الانتفاضة الاولى ليبعد المؤسس في العام التالي في اب 1988 من سجنه في دلالة على الدور المتصاعد لها داخل فلسطين.

فتح الإبعاد آفاقا جديدة للحركة فانفتح الشقاقي على جميع التيارات في العواصم العربية وخلق مجالا اوسع للعمل والمؤازرة والدعم وامام التحديات الجديدة التي كانت تؤذن بحرف الصراع مع الاحتلال بعد افغانستان جاءت حرب الخليج الأولى 1980 ثم الثانية عام 1991 اثر احتلال العراق للكويت التي مهدت  لمدريد واوسلو ثم المشهد الحالي بتحالف اطراف النظام الخليجي مع الكيان الصهيوني فكانت طلقات الجهاد الإسلامي وعملياته الاستشهادية في غزة (الشهيد انور عزيز)  والمجدل(علاء الكحلوت) وحولون (الشهيد خالد شحادة) واسدود(الشهيد على العيماوي) وبيت ليد( أنور سكر وصلاح شاكر) في عقد التسعينات هي شهادة الجهاد الإسلامي وتأكيدا على مرتكزاته الأولى حتى لو اصطلح البعض مع الاحتلال.

كانت انتفاضة الاقصى عام 2000 فصلا جديدا في جهاد الحركة وثباتها فقد بدأتها في القدس المحتلة قلب فلسطين بقتل مستوطنين ثم تتالت بعدها العمليات الاستشهادية وصولا الى معركة جنين عام 2002 واستشهاد محمود طوالبه وسبقه وتلاه سلسلة من العمليات الاستشهادية لهبة دراغمة وهنادي جرادات وراغب جرادات ...وكانت الأبرز عملية زقاق الموت في الخامس عشر من نوفمبر 2002 حيث خاضت مجموعة من سرايا القدس معركة لساعات طويلة قتلت خلالها في الخليل 14 جنديا وضابطا بينهم قائد لواء الخليل واستشهد منفذوها الثلاثة ولاء سرور وأكرم الهنيني وذياب المحتسب وجاءت هذه العمليات في مرحلة أكدت فيها حركة الجهاد الاسلامي على تصديها لعمليات الاستيطان والتغول الصهيوني بعد محاولة شطب القضية في مفاوضات كامب ديفيد الثانية واستمرارا لنهج المقاومة والجهاد الرافض للتنازل للعدو الصهيوني.

في أعوام الخريف العربي كان وضوح الرؤية الذي ميز حركة الجهاد الاسلامي قاعدة لموقفها المؤكد على توجيه كل الطاقات نحو فلسطين ورفض الحروب والاقتتال الداخلي والتي اتضح لاحقا أنها مولت ودربت صهيونيا وأمريكيا لإشعال الصراع الطائفي والمذهبي داخل المجتمعات العربية فرفضت الحركة الانحياز للفتن الداخلية وقالت انها تخدم فقط الاحتلال ويتبين اليوم صوابية الجهاد الإسلامي في النتائج التي انتهت اليها بتعاون خليجي عربي مع الكيان يحاول ان يتصدى لمحور المقاومة الذي يواجه المخططات الصهيونية في المنطقة العربية وفي قلبها فلسطين

يتبدى مشروع الجهاد الإسلامي اليوم أكثر إلحاحا وضرورة مع هذا الانخراط المعلن وغير معلن مع الكيان الصهيوني ومحاولة تهميش الصراع معه وإشعال حرب خليج ثالثة مع إيران بدفع وتعاون مع تل ابيب في استهداف واضح يراد منه تفكيك أي دعم  للمقاومة وترك الباب على غاربه للكيان ضما وتهويدا وتدنيسا للقدس لتعلن نهاية الصراع لصالحها بإمضاء عربي لكن الجهاد الإسلامي كما قبل اربعة عقود يقرأ الخارطة بوعي سياسي وتاريخي كبير ويدرك المخاطر المحدقة ويفهم ويدير تحالفاته ومقاومته بحكمة كبيرة ولن يسمح بشطب القدس وفلسطين وهو بات يمتلك من الأدوات ما يمكن ان يقلب به الطاولة على الجميع فالكيان لن يكون جزءا من الإقليم العربي ولن يترك له الاستفراد بالشعب الفلسطيني ومجاهدو السرايا أصابعهم على زناد الرصاصة والقنبلة والصاروخ وبدمهم سيكتبون شهادتهم وينتصرون.

disqus comments here