لاشيء جديد اليوم في القدس ، فمشروع القدس الكبرى ليس بجديد ، وتهويد القدس ليس بجديد ، وترحيل الفلسطينيين عن القدس ليس بجديد ، فمنذ أن وطأت أقدام جنود الاحتلال الصهيوني أرض القدس الشرقية وعملية التهويد والصهيونية للقدس لم تتوقف ، بدءاً من استبدال أسماء الشوارع والأحياء والمناطق في القدس ومحيطها من العربية إلى العبرية ، والمحاولات الجادة لإلغاء اللغة العربية كلغة أصلية لأهل القدس واستبدالها باللغة العبرية ، إلى هدم حي المغاربة جوار حي البراق وترحيل نحو 900 عائلة فلسطينية ، أضف إلى ذلك كله إقرار الكنيست الصهيوني بتاريخ 27 حزيران 1967 ضم القدس الشرقية إلى القدس الغربية وإخضاعها بالتالي إلى بلدية القدس الغربية ، كما أنّ عملية الاستيلاء على الأحياء العربية في القدس وإخلائها من سكانها الفلسطينيين ما زالت مستمرة حتى الآن كما حصل في حي المغاربة وحي القرمي وحي الواد ومنطقة باب السلسلة وسوق القطانين إلى حي الشيخ جراح وحي البستان وسلوان ، والمحاولات المستمرة لهدم المسجد الأقصى التي بدأت بإحراقه في آب 1967 وحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى لمحاولة تقويضه وهدمه ، والاستمرار في عملية ترحيل المقدسيين عن بيوتهم ، كل هذه الأعمال في القدس لم يقم بها الاحتلال في الخفاء خوفاً من أية جهة كانت بل كان يقوم بذلك ومازال ليل نهار وعلى مرأى الفلسطينيين أولاً والعرب والمسلمين ثانياً والعالم كله ثالثاً .
وقد دافع الفلسطينيون عن قدسهم بكل إمكاناتهم المتاحة لديهم ، ولكن دفاعهم هذا لم يكن دفاعاً استراتيجياً بل كان مجرد هبات شعبية متواصلة منذ عام 1967 غير مدعومة بموقف سياسي فلسطيني جاد ، فالاستيطان الصهيوني للقدس وترحيل المقدسيين ما زال مستمراً ، ففي شهر حزيران 2010 تم الإعلان عن مشروع لبناء (1600) وحدة سكنية وبناء نحو (2000) غرفة فندقية ، هذا كله بينما المفاوض الفلسطيني لا يعنيه ذلك ولا يعتبره انتهاكاً صارخاً للمفاوضات ، على حين تقوم قيامة المفاوض الفلسطيني على الفلسطيني الذي يطلق صاروخاً واحداً باتجاه الاحتلال ، معادلات غريبة عجيبة في السياسة الفلسطينية ، القدس يستكمل تهويدها والاستيطان قائم لا يتوقف ، والمفاوض الفلسطيني يعلن تمسكه باستمرار المفاوضات لا يهمه ماذا يجري على أرض فلسطين كلها ، بينما نرى أنّ المفاوض الصهيوني لا يعنيه في المفاوضات الغير مباشرة سوى تحويلها إلى مفاوضات مباشرة ولا مانع أن تكون في رام الله .
أمام ما يجري للقدس أرضاً وسكاناً نجد أنفسنا جميعاً نخوض معارك جانبية لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، بل كل نتائجها تصب في مصلحة العدّو الصهيوني ، فالانقسام الفلسطيني هو عنوان المرحلة ، وهو ملهاة الشعب الفلسطيني وابتعاده عن مقاومة عدوه الصهيوني ، بل أصبحنا نتسابق في ظل الانقسام من منا يكون أكثر التزاماً ووفاءً لوعوده مع عدوه ، وكأنّ كل جهة فلسطينية تريد أن تكون هي المحظية في بلاط العدّو الصهيوني ، فلم يعدْ التخلص من الاحتلال هدفاً بقدر ما أصبح رضى العدّو الصهيوني الأمريكي هو غاية ما نريد ونسعى إليه ، فهناك من يفاوض الصهاينة والأمريكان من تحت الطاولة لأنه سيد المقاومة ويخشى على سمعته وهيبته ووقاره من الخدش مقابل مفاوض رسمي يقف عارياً من كل شيء على طاولة المفاوضات لا يخشى أحداً مهدداً في كل ساعة وحين عن وقف عملية السلام أو وقف العملية السياسية أو التخلي عن حل الدولتين دون أن يكون له مصداقية في ذلك ، فالمفاوض الفلسطيني وبالرغم مما يجري في القدس وللقدس يستمر في مفاوضات عبثية عقيمة لا يستطيع رفضها أو حتى وقفها إلى حين يتوقف العدّو الصهيوني عن ممارساته اليومية ضد أرضنا وضد شعبنا على امتداد فلسطين التاريخية ، حيث لا يهم المفاوض الفلسطيني في هذه اللحظات التاريخية سوى أن يكون العدّو الصهيوني آمناً في حدود معترف بها فلسطينياً وعربياً ودولياً وعاصمته القدس الكبرى .
وإذا كان ذلك هو حال الطرف الفلسطيني في ظل تهويد القدس فالطرف العربي لم يعد يسمع بوجود القدس ، فالقدس ليست على جدول أعماله ، والقدس ليست مدينة عربية وليست عاصمة عربية هي ( أورشليم ) ، وما دامت هي ( أورشليم ) فهي عاصمة العدّو الصهيوني على أرض فلسطين ، والعدّو بكل صيغ تواجده على أرض فلسطين هو جار لنا ومن واجبنا أن نحافظ على جارنا ولا نسيء الأدب معه ولا نعترض على ما يفعله بحقوقنا ، بل الواجب علينا أن نحافظ على وجوده محتلاً لأرض فلسطين وقاهراً ومذهلاً لشعبها ، ولتذهب القدس إلى الجحيم فهي السبب في الصداع الدائم للنظام العربي الأبي ّ ، فهل ما زالت القدس هي قبلة المسلمين الأولى أم هي ( أورشليم ) بني صهيون ؟ فلا تصرخي يا قدس فلن يسمع أحد النداء .

