الاعلام الحربي _ خاص
من الصعوبة البالغة أن يقف الإنسان للحديث عن أحد العمالقة من الرجال الأبطال الذين صنعوا التاريخ، وكتبوا بحروف العز والمجد على صفحاته، لان الكلمات مهما بالغت في التعبير والبيان وصيغة فنون القول فلن تبلغ بأي حال تلك المعاني النبيلة التي سطرها هؤلاء الرجال بإيمانهم الراسخ وجهدهم وجهادهم وآثارهم في مرحلة هي من أهم مراحل الشعب الفلسطيني.
الميلاد والنشأة
ولد الاسير القائد سامي سليمان إبراهيم جرادات بتاريخ 4 – 5 – 1968م، في بلدة سيلة الحارثية في مدينة جنين القسام، لعائلة فلسطينية اسلامية بامتياز، ربت أبنائها على الإسلام العظيم ومعاني العزة والكرامة وحب الوطن.
درس الأسير القائد سامي جرادات في مدارس بلدة سيلة الحارثية في كافة مراحل الدراسة حتى التوجيهي، وكان محبوباً عند والديه وإخوته لتميزه بطيبته وبساطته وبخدمته اللامحدودة للآخرين، فكان يفرض احترامه على الجميع بأخلاقه الحميدة السامية، وشاباً صلباً ورعاً خلوقاً تقياً أحب المسجد والصلاة فيه ومن أحب مساجد الله فقد أحبه الله تعالى.
التحاقه بحركة الجهاد الإسلامي
ما أن جاء العام 1987م حتى اندلعت انتفاضة فلسطين الأولى، فشارك المجاهد سامي إلى جانب اهله وذويه بكل طاقاته في فعاليات ونشاطات الانتفاضة، وفي تلك الفترة أصبحت حركة الجهاد الإسلامي في بلدة سيلة الحارثية من أهم الحركات الوطنية والاسلامية التي تواجه العدوان الصهيوني، وانتمي في تلك الفترة لحركة الجهاد وعمل في صفوف رجالها وإلى جانبهم.
وفي العام 1988م وتحت جنح الظلام الدامس تسللت إلى سيلة الحارثية خفافيش بشرية لا تخرج إلا في عتمة الليل لأن من طبيعتها الغدر واللؤم والخسة والجبن، فوجد نفسه معتقلاً في سجون العدو الصهيوني، وحكم عليه لمدة 6 شهور تنقل خلالها بين سجون الفارعة ومجدو وعتليت، وخرج من سجون العدو أكثر قوة وأكثر إصراراً على مواجهة العدو.
وقف إلى جانب إخوانه في حركة الجهاد الإسلامي في سيلة الحارثية كخالد جرادات وهاني جرادات ومحمد فارس ونعمان طحاينة وشريف طحاينة والعديد العديد من القادة والكوادر، ولم يمنعه زواجه من مواصلة العمل الجهادي والاجتماعي والسياسي بل بقي ناشطاً مميزاً في حركة الجهاد الإسلامي.
كانت تربط الأسير القائد سامي أخوة وصداقة وعلاقات تنظيمية مع المجاهد الشهيد صالح طحاينة، لدرجة أن المجاهد سامي كان على استعداد أن يضحي بنفسه مقابل الحفاظ على حياة القائد صالح طحاينة، لا سيما أنه يعتبر من مؤسسي الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بالضفة الغربية المحتلة (عشاق الشهادة).
رغم حرص الأسير سامي الشديد على القائد صالح طحاينة إلا أن الشابك الصهيوني وعبر عملاءه تمكن من اعتقاله في العام 1992م، وكان هذا الحدث مؤلماً للمجاهد سامي جرادات كونه فقد أحب الناس إليه، وقرر المجاهد سامي أن يحضر محاكمة صالح طحاينة وحكم عليه حينها 30 عاماً وقرر في العام 1993م أن يذهب مع شقيق المجاهد صالح وعبر تصريح مزور لزيارته وكشف أمره وتم اعتقال المجاهد سامي جرادات وإرساله للتحقيق في سجن جنين المركزي، وكان عليه عدة اعترافات حول نشاطاته المختلفة في صفوف حركة الجهاد الإسلامي وحكم عليه بالسجن 33 شهراً، وكان الاعتقال الثاني للمجاهد سامي جرادات.
كان العام 1996م هو العام الذي خرج به المجاهد سامي جرادات للحرية، وواصل المجاهد سامي مشواره الجهادي رغم حملة الملاحقات التي مورست بحق أبناء حركتي الجهاد الإسلامي وحماس بالضفة وغزة، وأخذ على عاتقه رغم صعوبة المرحلة بالارتقاء بواقع حركة الجهاد الاسلامي في بلدة سيلة الحارثية.
كان الفضل الكبير للأسير سامي جرادات في تنظيم ابن أخته المجاهد أنس جرادات في العام 2002م وبناء على طلبه أصبح من أهم قادة سرايا القدس ومسئولاً عن خاله المجاهد سامي، ومع ذلك كان يصر المجاهد سامي ومنذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2002م أن يكون عمله عملاً لوجستياً في حركة الجهاد الإسلامي.
وما أن استشهد العديد من قادة سرايا القدس حتى سارع ووقف إلى جانب المجاهد نعمان طحاينة لمساعدته بكل ما يلزم الحركة وجناحها العسكري في جنين، فكان أكثر المجاهدين التصاقاً به، ويحرص في حينها المجاهد نعمان على العناية بأبناء الجهاد الإسلامي والعمل على توفير السكن والمبيت والطعام والشراب والمال والسلاح لهم عبر المجاهد سامي جرادات.
بعد استشهاد القائد إياد صوالحة أصر المجاهد سامي جرادات وبالتنسيق مع المجاهد نعمان طحاينة أن يكون القائد الجديد لسرايا القدس في جنين هو المجاهد أنس جرادات والذي جعل من خاله سامي ومن المجاهد نعمان مرشديه في كل خطوة لما لهما من خبرة طويلة في العمل التنظيمي والعسكري، وبتوجيهات من المجاهد سامي جند المجاهد أنس جرادات خاله المجاهد صالح جرادات والمجاهد أمجد العبيدي، فأضاف ذلك إضافة نوعية لسرايا القدس.
كان للمجاهد صالح جرادات الفضل هو واخوانه المجاهدين في عملية الاستشهادية هبة دراغمة التي نفذت عمليتها في مدينة العفولة المحتلة وقتلت ثلاثة من الصهاينة وأصابت العشرات، وعلى إثرها تم اغتيال المجاهد صالح جرادات في تاريخ 12 – 6 – 2003م عندما كان مع المجاهد فادي جرادات شقيق خطيبته هنادي جرادات أمام منزلهم في جنين، وأصر المجاهد سامي جرادات على جعل المجاهد أمجد العبيدي يتسلم قيادة سرايا القدس في مدينة جنين خلفاً لأخيه الشهيد صالح جرادات.
عملية الاستشهادية هنادي جرادات
بعد استشهاد المجاهد صالح جرادات توجه شقيقه المجاهد سامي إلى مواساة وتعزية عائلة خطيبة صالح ولا سيما أن فادي قد استشهد بجانبه، وهناك طلبت المجاهدة هنادي جرادات بعد نقاش طويل من المجاهد سامي القيام بعملية استشهادية، فقال لها: أنت محامية وأمامك مستقبل وأنت امرأة وأن المجتمع الفلسطينية لا يتقبل فكرة مشاركة المرآة في الجهاد والمقاومة والعمليات الاستشهادية، وخوفنا عليك من الاعتقال وتصبحين أسيرة لدى العدو الصهيوني.
وما أن أنهى المجاهد سامي كلامه قالت له المجاهدة هنادي: عدونا منذ احتلاله لفلسطين لم يفرق بين رجل وامرأة وبدأت بعد ممارسات الاحتلال بحق نساء فلسطين التي وقع بعضهن في الأسر لدى العدو الصهيوني، وكذلك أوجزت له الدور الجهادي للمرأة منذ بداية الثورة الفلسطينية وسلسلة العمليات الاستشهادية التي نفذتها النساء الفلسطينيات كأمثال عندليب طقاطقة ودارين أبو عيشة وهبة دراغمة .. وغيرهم.
أدرك المجاهد سامي أنه يقف أمام امرأة صلبة عنيدة وواعدة ومحامية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعلم حينها أن المرأة الفلسطينية قد قاسمت الرجل شرف تنفيذ العمليات الاستشهادية، وقال للمجاهدة هنادي: لك ما تريدين يا أخت الرجال وسأساعدك في ما تريدين، وطلب منها أن تحافظ على سرية الأمر ليتكلل بالنجاح.
عرض المجاهد سامي جرادات الامر على المجاهد نعمان طحاينة الذي أيد أن تتم هذه العملية وأن يتم مساعدة المجاهدة هنادي، ودار النقاش بينهما حول المكان، فطرح المجاهد سامي أن يكون الهدف في القدس المحتلة، بينما رآى المجاهد نعمان طحاينة أن يكون الهدف مدينة حيفا المحتلة لكون غالبية السكان فيها من اليهود الصهاينة.
اتفق المجاهدان على أن يكون الموقع حيفا وبدأت الاستعدادات للعملية، ولا سيما أن المجاهدة هنادي انتظرت ما يقارب ثلاثة أشهر للوصول إلى هذه اللحظة المنشودة وذهب المجاهد سامي لإخبارها بموعد العملية، وهو يوم الخميس 2 – 10 – 2003م وأن الهدف هو حيفا وكان في يديه شعار جديد لحركة الجهاد الإسلامي مرسوم على إحدى العصبات واصرت حينها ألا يتصور به أحد قبلها وكان لها ما أرادت، وبدأ المجاهد سامي بشرح لها طريقة الوصول والتفاصيل الدقيقة لخطة العملية الاستشهادية.
أحضر لها المجاهد سامي جرادات حزاماً ناسفاً يزن 7 كيلو جرامات من المتفجرات، وكان من المفترض أن تكون العملية يوم الخميس إلا أن ظروفاً خاصة جعلها تؤجل الخروج لتكون العملية يوم السبت بتاريخ 4 – 10 – 2003م، وفي حوالي الساعة السابعة والنصف خرجت من المنزل وقد أقسمت أن تضحي بنفسها في سبيل الله ومن اجل مبادئها مفضلة بذلك الوفاء لخطيبها الشهيد صالح ولأخيها الشهيد فادي وللشهداء.
توجهت بحزامها الناسف إلى مدينة حيفا لتنفيذ الخطة كما تم وضعها وما أن وصلت حيفا حتى اتصلت على المجاهد سامي وأخبرته أنها وصلت وكان ذلك يوم السبت الموافق 4 – 10 – 2003م وما أن وقفت أمام الهدف الذي اختارته حتى اتصلت مرة آخرى على المجاهد سامي وذلك في الساعة الثانية والعشرين دقيقة وقالت له أنها مروحة فعلم المجاهد سامي أنها ستفجر نفسها خلال دقائق أو ثواني معدودة، وبدأ يدعو الله عزوجل لها بالنصر والنجاح في عمليتها الاستشهادية، وفجرت نفسها الشريفة في مطعم "مكسيم" الصهيوني على شاطئ حيفا فقتلت واحد وعشرين صهيونياً وجرحت العشرات ليكون من بين القتلى قائد القوات البحرية السابق وعائلته، فكانت الاستشهادية هنادي هي الاستشهادية السادسة في انتفاضة الأقصى والثانية في صفوف سرايا القدس وأول الاستشهاديات في العام الرابع للانتفاضة.
اعتقاله والحكم عليه
فور سماع نبأ العملية سجد المجاهد سامي جرادات شكراً لله ويحمده على النجاح في العملية، وأوعز حينها إلى المجاهد أمجد عبيدي وسلمه أشرطة الفيديو الخاصة بهنادي ليرسلها للإعلام ليعلن عن العملية الاستشهادية التي أثلجت صدر الشعب الفلسطيني من شماله إلى جنوبه، وعلى إثر العملية قام العدو بقصف مواقع عسكرية لحركة الجهاد الإسلامي خارج فلسطين، واجتاح العدو مدينة جنين وبدأ البحث عن قادة سرايا القدس، واستطاع المجاهدين سامي جرادات ونعمان طحاينة أن يتواريا عن أعين العملاء،
وما هي إلا 17 يوماً من تاريخ العملية حتى قرر المجاهد سامي الذهاب لزيارة عائلته في سيلة الحارثية ودخل البيت في تمام الساعة السابعة صباحاً بتاريخ 22 – 10 – 2003م، وما أن استراح قليلاً وبدأ بالوضوء إذا بالجيش الصهيوني يحيط بالمنزل من كل مكان، واستظل تحت سور بعيداً عن أنظار الجنود الصهاينة وبعد أربع ساعات احضر الجيش الصهيوني وحدة لتتبع الأثر واحضروا الكلاب البوليسية وتم اعتقاله.
نقل الأسير المجاهد سامي جرادات إلى تحقيق الجلمة ليمكث حوالي ثلاثة أشهر ونصف ويحكم عليه بتاريخ 19 – 2 – 2004م، بثلاثة وعشرين مؤبداً بالإضافة للسجن 50 عاماً بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والمشاركة في عمليات للسرايا أدت لمقتل جنود صهاينة، وهدم الاحتلال منزله بعد 35 يوماً من اعتقاله.
بدأ مشواره الجهادي الجديد في سجون الاحتلال الصهيوني ليكتب الله – عزوجل – له أن يتزوج معظم أولاده وبناته وهو في سجون الاحتلال، ورزقه الله حتى يومنا هذا 12 حفيداً، ولا زال ينتظر اليوم الذي يكون فيه إلى جانب أولاده وبناته وأحفاده ولقد تحقق نصر الله عزوجل وتحرر الأسرى والمسرى، ويسالونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا.
تعرض الأسير جرادات بشكلٍ انتقامي إلى العديد من العقوبات خلال الفترة التي أمضاها في سجون الاحتلال، حيث حرمه الاحتلال من الزيارة عدة مرات، وعاقبه بالعزل الانفرادي أكثر من مرة، ولا يزال يعاني من الإهمال الطبي، ويعاني من مشاكل في الضغط والمعدة والمسالك البولية منذ بداية اعتقاله، وبسبب عدم تقديم العلاج له في حينه زاد وضعه الصحي سوء.

