الإعلام الحربي _ خاص
تقتضي منا الأمانة والوفاء أن نستذكر المجاهدين الأبطال، زملاء الميدان، نستذكرهم في كتاباتنا وأشعارنا، ولن يشغلنا عنهم صخب الأحداث، فهم غرسوا في أرض فلسطين جذورهم عميقاً، وهي جذور قوية وصلبة، فمنهم نستمد القوة والعظمة، فكان لنا الشرف أن نكتب عن المجاهد زيد إبراهيم بسيسي (أبو خديجة)، صاحب التاريخ المليء بالبطولة، ورغم أنه بلغ من عمره أربعة عقود إلا أنه بما عانى كأنما تضاعفت إلى أربعين عقداً، فكانت حياته مليئة وحافلة بالعمل الجهادي الدؤوب فهو معروف بخلقه الرفيع ومناقبه التي تحظى بالإجماع في أوساط الشعب الفلسطيني، فهو دليل على الاتزان وصاحب رأي سديد، كرس حياته منذ الصغر من أجل النضال والحرية، فقد تعرض لظروف صعبة وقاسية واعتقالات عديدة ومريرة، وقد تجاوزها بشجاعة وقوة ومعنويات عالية، فرغم كل ما واجهه بقي أبداً قريباً إلى القلوب.
الميلاد والنشأة
ولد الأسير القائد زيد إبراهيم أحمد بسيسي في قرية رامين قضاء محافظة طولكرم بتاريخ 14-1-1977م، لأسرةٍ مناضلة ومقاومة، ودرس في مدرسة الشهيد عبد الرحيم محمود وفي مدرسة رامين الثانوية, حصل على شهادة الثانوية العامة منها، ثم التحق بجامعة النجاح الوطنية في كلية العلوم التربوية لدراسة بكالوريوس التربية، وكان عضوًا في الإطار الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي أثناء دراسته الجامعية، إلا أنّ نشاطه الجهادي وظروف الاعتقال حالت بينه وبين إتمام تعليمه وقتها.
تربى أسيرنا القائد زيد بسيسي وسط عائلةٍ مجاهدة, تعرض معظم أفرادها للاعتقال دفاعاً عن القضية والوطن والكرامة, فكان من الطبيعي أن ينشأ الفتى على ما عوده عليه أبواه, مجاهدًا مناضلاً, رضع لبن العزِّ في بيتٍ من بيوت الكرم الفلسطيني.
مشواره الجهادي
دخل الأسير زيد بسيسي معمعات الحرب منذ طفولته، ففي العام 1994م، اعتقل لمدة ثلاثة شهور، بتهمة إلقاء الحجارة ولم يعترف أو تثبت عليه التهمة وأفرج عنه حينها، وأعيد اعتقاله عام 1998م، وتعرض لتحقيقٍ قاسٍ جدًا.
ومع بداية انتفاضة الأقصى, كان حيث يجب أن يكون في الصفوف الأولى مع القادة والمجاهدين من أبناءِ شعبنا يقاتل أعداء الإنسانية والتاريخ.
يعتبر الأسير القائد زيد بسيسي زيد الشخصية الثانية بعد الشهيد القائد أسعد دقة مؤسس سرايا القدس في مدينة طولكرم , والذي استشهد في اشتباكٍ مسلح بعدما حاصرته قواتُ الاحتلال في بلدة عرابة مع مجموعة من رفاقه الشهيد القائد وائل عساف والشهيد القائد سفيان عارضة حيث استشهد الثلاثة بتاريخ 12-9-2001م.
كان الأسير زيد من الأوائل الذين ساهموا في الإعداد والتجهيز لعدة عمليات بطولية ضد قوات الاحتلال, فكان الذراعَ الأيمن للشهيد القائد أسعد دقة, كما أنه شارك في أعمالٍ جهادية أخرى, فكان من رفاق الشهيد القائد إياد صوالحة والشهيد معتصم مخلوف والأسير القائد ثابت مرداوي والأسيران جاسر رداد وباسل مخلوف.
تولى الأسير زيد بسيسي قيادة سرايا القدس في طولكرم بعد استشهاد القائد أسعد دقة, حيث عمل بكل الطرق على تنظيم صفوف المجموعة لأن استشهاد أسعد كان خسارةً كبيرة لهم، وعمل جنباً إلى جنب مع الشهداء القادة إياد صوالحة ونعمان طحاينة وأنور حمران وخالد زكارنة ومحمد بشارات ورياض بدير وغيرهم من الشهداء والأسرى القابعين خلف القضبان.
اعتقاله والحكم عليه
وبعد فترة من العمل الجهادي أصبح من المطلوبين الأوائل لقوات الاحتلال الصهيوني, فلم يترك الاحتلال وسيلة ولا مكيدةً إلا استخدمها في محاولة لاعتقاله أو اغتياله, وفي تاريخ 9-12-2001م، حاصرته قوات الاحتلال في أحد المنازل مع مجموعة من رفاقه, وبعد مواجهة حامية مع قوات الاحتلال, أصيب إصابة بليغة بسبعة عياراتٍ نارية فوق الركبةِ في قدمِه الأيسر, أدت إلى تهتك العظم في قدمه, اعتقل على إثرها ونقل إلى مراكز التحقيق مباشرة، ورغم إصابته الخطرة، تعرض لتحقيق قاسٍ جدًا دام لأربعة أشهر ونصف, وذلك لأنه استطاع أن ينكأ جراحا في قلب الصهاينة ويسبب لهم ضربات قاتلة.
وخضع الأسير زيد بسيسي لمحكمة ظالمة كباقي إخوانه الأسرى ليحكم بالسجن المؤبد بالإضافة إلى خمسة وخمسين عامًا، على خلفية انتماءه لحركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس ومقاومة الاحتلال الصهيوني، ويقبع حالياً في سجن هداريم، ولا يزال صابرًا محتسبًا لله هذا الطريق الشائك.
اعتقلت قوات الاحتلال الصهيوني شقيقه الأسير أحمد بسيسي بتاريخ 18/01/2004م، وأصدرت المحكمة الصهيونية بحقه حكماً بالسجن (25) عاماً، بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والتخطيط لعملية نتانيا الاستشهادية التي نفذها الاستشهادي المجاهد رامي غانم من دير الغصون بمدينة طولكرم.
تفاقمت حالة الأسير زيد الصحية جراء إصابته وتزايد مضاعفاتها بسبب إهمال الاحتلال لعلاجه بشكل متعمد, فمعاناته تتفاقم يوميًا دون أدنى اهتمام من إدارة السجون التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن تدهور حالته الصحية.
وفي داخل أسره ظل الأسير المجاهد زيد مشرقًا متوهجًا يمارس دوره الجهادي كشريان من أصلب شرايين الحركة الأسيرة في وجه إدارة القمع النازية, فما من سجنٍ إلا وله فيه صولات وجولات وقد تميز من بين أقرانه بالقوة والصلابة بالموقف وعدم التنازل عن أدنى حق للأسرى.
فبتميزه ووعيه وانتمائه وعلاقته المميزة مع إخوانه, تم انتخابه في العام 2012م، ليكون أحد أعضاء الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال، وفي ذلك العام تم تعيينه من قبل الهيئة العامة ليكون عضواً في لجنة المفاوضات عن أسرى حركة الجهاد الإسلامي لإضراب الكرامة، ليكون له الفضل بعد الله عزوجل بتحقيق انتصار الأسرى حيث عرف بصلابة مواقفه وإصراره على تحقيق مطالب الحركة الأسيرة، وخضعت مصلحة سجون الاحتلال لمطالب الأسرى، وتم إخراج المعزولين غلى الأقسام، وتم تحقيق مطلب زيارة أهالي أسرى قطاع غزة بعد انقطاع دام أكثر من ست سنوات.
ونتيجة للعطاء اللامحدود الذي قدمه الأسير القائد زيد بسيسي لإخوانه في حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال، تم إعادة انتخابه مرة أخرى ليكون أحد اعضاء الهيئة القيادية العليا لأسرى الجهاد، وتم انتخابه من قبل أعضاء الهيئة ليكون الأمير العام للهيئة القيادية العليا، وفي العام 2017م تم إعادة انتخابه مرة ثالثة ليستمر في قيادة الهيئة العامة لأسرى الحركة في سجون الاحتلال.
حمل على كاهله هذا العبء الثقيل قبل وبعد الاعتقال, فهو لا يتوانى عن خدمة إخوانه, فقد قاد الأسير زيد ومجموعة من إخوانه أسرى الجهاد عدة إضراباتٍ عن الطعام, كان من أبرزها الإضراب التضامني مع الأسير المعزول نهار السعدي, حيث خاض صولاتٍ وجولات ضد إدارة السجون وهو مضرب يتقدم الصفوف, حيث أفضى إلى اتفاق يقضي بخروج عشرة من أسرى الجهاد من العزل الانفرادي, ولتحسين ظروف العزل للأسير نهار السعدي ورفع المنع الأمني من قبل الشاباك الصهيوني عن زيارة والدته له.
ومن زنزانته توهج النور وهو يقبل على القراءة والثقافة ساعاتٍ طوال بنفس مثابرة يتنقل بين كتب السياسة والاجتماع والثقافة الاسلامية وغيرها من الكتب الثقافية العامة, لهذا يعد الأسير زيد بسيسي من أكثر الأسرى تميزاً بالثقافة والاطلاع الدائم والبحث عما هو جديد بين الكتب.
وأثناء سجنه تقدم سريعاً في طريق العلم حيث استطاع الأسير المجاهد زيد بسيسي أن يكمل تعليمه خلال فترة اعتقاله، وقد حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى بغزة، ليبشر والدته الحنونة التي طالما حلمت بأن زيد سيتخرج من الجامعة، كما كتب الله عزوجل له بأن يتم حفظ القرآن الكريم.
توفي والد الأسير زيد بسيسي يوم السبت الموافق 26/01/2019م، في محافظة طولكرم، عن عمر يناهز (88) عاماً قضاها طائعاً لله صابراً محتسباً، دون أن يتمكن من إلقاء نظرة الوداع عليه.
يبقى أسيرنا المغوار زيد ثابتاً ومقاومًا بعزة وكرامة في أسره ولسان حاله يقول ربما نكون قد ضعفنا بفعل الزمن والأقدار .. ولكن تبقى إرادتنا قويه حتى يبزغ فجر الحرية.

